في عام 2019، تواصل معي صحفي مصري يعمل مراسلا لجريدة البيان الإماراتية يسألني عن رأيي في الاتفاقيات الإبراهيمية التي كانت تجري حولها مفاوضات، والتي تعهدت الإمارات في ذلك الوقت بأنها ستقدم نموذجا للسلام الساخن مع إسرائيل مغايرا للسلام البارد، في إشارة إلى الوصف الذي كان يطلق لوصف العلاقات المصرية الإسرائيلية طوال السنوات التالية على الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982.
أبلغت الصحفي وهو صديق عزيز لي بأن الرأي الذي سيسمعه مني لن ينشر في البيان أو في صحيفة إماراتية أخرى، لكن يهمني إرساله لإدارة الصحيفة كما هو علهم يتنبهون.. تلخص رأيي في أن الإمارات والبحرين وأي دولة عربية أخرى تدخل في تطبيع مع إسرائيل وفق الشروط الإسرائيلية التي تطرح فكرة السلام مقابل السلام لأنها لن تتنازل عن أي أراض ولن تتراجع عن أي مواقف، مقابل السلام مع أي دولة عربية، وضرورة فصل ملف التطبيع عن حل القضية الفلسطينية. ورفضت السعودية هذا الطرح، لكنها لم توصد الباب تماما أمام المفاوضات للانضمام إلى تلك الاتفاقيات.
النقطة الثانية التي أثرتها في تعليقي وحرصت على وصولها للقيادات في الإمارات ودول الخليج الأخرى هي أن توقيع هذه الاتفاقيات في ظل التهديدات المتزايدة بشن حرب إسرائيلية أمريكية على إيران يضع كل دول الخليج في الصدارة إذا نشبت حرب إسرائيلية إيرانية، وإن إسرائيل والولايات المتحدة لن يوفرا أي دعم أو حماية لدول الخليج العربية. هذا الأمر كان واضحا لي منذ اللحظة الأولى للحديث عن هذه الاتفاقيات التي أطلق عليها اسم الاتفاقيات الإبراهيمية، في دلالة واضحة على نوع التحالف الناشئ بين أبناء يعقوب بن اسحاق وأبناء إسماعيل، إبني إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، حسب المعتقدات الدينية للساميين، فمسمى الاتفاقيات لا يخلو من دلالة دينية ويبشر بعلاقة جديدة بين أحفاد إبراهيم في مواجهة الشعوب الأخرى في المنطقة التي تعد مهد الديانات الإبراهيمية.
لا اعتقد أن مثل هذا التحليل كان غائبا عن ذهن القادة في دول الخليج العربية، ولم يكن في الأمر اتفاقيات سرية أو مؤامرة سرية أمريكية إسرائيلية من وراء ظهر دول الخليج العربية، كما زعم حمد بن جاسم وزير خارجية قطر السابق في تدوينة له منشورة على حسابه على منصة إكس (تويتر سابقا)، كشف فيها ما وصفه بأنه "مخطط خطير وخطة سرية أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل من خلف دول الخليج"، واستعاد تصورا ذهنيا ساد في الفكر العربي المغرم بالنظر إلى الأحداث الدولية من منظور المؤامرة الكونية، أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات فيما بين 1980 و1988.
ما قاله الشيخ حمد عن مآلات الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي إلى اشتباك مباشر بين دول المجلس وإيران لاستنزاف موارد الطرفين وإتاحة الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بمصير هذه الدول بحجة مساعدتها للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف، وإلحاحه على أهمية تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران" مؤكدا أن ما يطرحه رأيه "الشخصي". وحسنا أنه أوضح ذلك.
من حق أي شخص أو مسؤول أن يدلي برأيه في أي موضوع وأي قضية، لكن من المؤسف أن يكون الرأي الصادر عن وزير خارجية سابق غير مؤسس على تحليل دقيق للموقف وما أكثر التحليلات التي تصدرها مراكز أبحاث في المنطقة وخارجها.. السؤال المطروح على الشيخ حمد وغيره من قيادات دول الخليج: لماذا لم تتخذ هذه الدول موقفا مشتركا وموحدا للتأثير على الموقف الأمريكي، لماذا لم يجرؤ أي منهم على أن يتخذ موقفا مماثلا للموقف التركي قبل غزو العراق في عام 2003، عندما رفض البرلمان التركي السماح باستخدام الأراضي والأجواء التركية لشن هجمات على العراق رغم أن تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي؟
-----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






