07 - 03 - 2026

جليلة المازني تحاور د. صلاح شعير: أعظم دور للمثقف الانتصار لقيم العدل

جليلة المازني تحاور د. صلاح شعير: أعظم دور للمثقف الانتصار لقيم العدل

- أجد نفسي في الفكرة التي تلح على عقلي بغض النظر عن لون الموضوع الذي أكتبه
- التنوع في الكتابة يُعد علاجًا من حالة التشبع الذي يشعر به الكاتب في بعض الأحايين نتيجة الاستمرار في كتابة لون واحد
- المسرح الناجح هو فعل إبداعي قائم على استقراء رد فعل المتلقي، وبالتالي لا مجال فيه للاستطراد، والمط، والتكرار
- الطفل هو المستقبل القادم، والاستثمار الفكري في عقول الأجيال الجديد، هو أفضل مشروع تنويري
- أحوال المُبدعين أنفسهم ليست بخير، لأن معظمهم فقد الحافز المعنوي والمادي، وأصبحت الكتابة عبأ على الكاتب
- الفرق بين الأدب الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي، والذي يكتبه البشر كالفرق بين الورد الطبيعي، والورد الصناعي

المبدع  المصري الأديب د. صلاح شعير، نموذج متعدد الإبداعات والأنشطة، كتب الرواية والمسرح، وأدب الطفل، والسيناريو والحوار والنقد، علاوة على النقد، والدراسات الفكرية المتنوعة في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، والمقالات والدراسات الصحفية، كما أنه عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، عضو اتحاد كُتَّاب مصر، عضو الجمعية المصرية لكُتَّاب ونقاد السينما، وعضو نادي القصة وشغل عضو مجلس إدارة شعبة أدب الخيال العلمي باتحاد كُتَّاب مصر للفترة ( 2018 :2022م)  وهذا نص حواري معه: 

* لقد تعددت ملامحك بين الأدبي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي فأي ملمح تجد فيه نفسك أكثر ولماذا؟

- أجد نفسي في الفكرة التي تلح على عقلي بغض النظر عن لون الموضوع الذي أكتبه، فالأدب  في جوهره فكر يصاغ بطريقة فنية، وينطلق من الخيال والجمال الفني، وتكون العاطفة مدخلا لحمل الرسالة التي يريد الكاتب إيصالها إلى المتلقي من خلال نصه الإبداعي، أما الكتابة البحثية فهي فكر ينطلق من الحقيقة المُوثقة، ويصاغ  بطريقة تخضع للمنهج العلمي، من خلال مقدمات تؤدي إلى مخرجات منطقية. 

وتشترك كافة أصناف الكتابة، في ضرورة وضوح اللغة، والقدرة على التحليل والعرض، وتحديد الشريحة المستهدفة. 

كما أن التنوع في الكتابة يُعد علاجا من حالة التشبع الذي يشعر به الكاتب في بعض الأحايين نتيجة الاستمرار في كتابة لون واحد، ومن ثم يتحول الرصيد البحثي إلى خبرات تراكمية تقترن بالخبرات الاجتماعية، وكل هذه الأمور تساعد على تطوير الإبداع بكل الثقافات المُكتسبة التي يحصلها الأديب.

* لقد كتبت في الأدب، الرواية، والمسرحية، والقصة، فأي جنس أدبي أحبّ الى نفسك ولماذا؟

- كل هذه الكتابات محببة إلى قلبي، ويبقى المسرح هو الأحب، لأنه المدرسة الأولى للإبداع من وجهة نظري، لأن اكتساب مهارة الكتابة للمسرح، سوف ينعكس على باقي المجالات الإبداعية لدى أي مؤلف، فمن يستطيع صياغة النص المسرحي من خلال الحوار فقط، دون أن يشعر القارئ أو الجمهور حال عرضه بالملل، سوف يكون متميزا، لأن هذا النوع من الفن، يتعمد على التكثيف، والرمزية، وتعدد الدلالات، وخفة الظل، وتبقى قوة الحبكة والتشويق هما الجناحان اللذان يحملان النص المسرحي إلى عنان السماء، ويا حبذا لو كانت المتعة مقترنة بكل ما يفيد المجتمع.

المسرح الناجح هو فعل إبداعي قائم على استقراء رد فعل المتلقي، وبالتالي لا مجال فيه للاستطراد، والمط، والتكرار.

وتكمن  المشكلة في أن المسرح العربي يعاني حالة من الجمود، بسبب ندرة الإنتاج المسرحي لأسباب كثيرة، لا مجال للخوض فيها، ومن ثّم يصبح البديل المُتاح للتحايل على هذه الفجوة، هو المسرحية المطبوعة، لأن تخلق نوعًا التواصل بين المؤلف والقارئ المسرحي، علاوة على أن النصوص المنشورة عبارة عن  رصيد متراكم للمؤلف، وقابل للظهور على خشبة المسرح حال تحسن المناخ الفني.   

وللأسف بدأت الرواية أيضًا في الدخول إلى نفق الجمود، بسبب تراجع معدلات القراءة، وفوضى النشر الخاص، ونمو العلاقة غير الشرعية بين الرواية والدراما السمع بصرية، حيث يلجأ البعض إلى اقتباس أفكار الروايات، أو أحد خطوطها الدرامية، مع التحوير، بتغيير الاسماء والمهن والحالة الاجتماعية للأشخاص، والتغيير في الزمان والمكان، والتقديم والتأخير في الأحداث، وغيرها، وذلك بهدف طمس معالم الاعتداء، وغالبًا لا يفلح صاحب اليد الأولى في إثبات حقه، أمام طوفان النفوذ المادي والمعنوي الذي يتسلح به المعتدي.    

* لقد كتبت في أدب الكبار الرواية والمسرحية وانتهجت طريقة المجموعة الثلاثية المسرحية والمجموعة الخماسية المسرحية.. هل طريقة المجموعة الانتاجية نابعة من استراتيجية معينة لديك؟ كيف ذلك؟

- للأسف لا يمكن القول أن هناك استراتيجية  فنية معينة، لأنه من الأفضل للمؤلف نشر كل نص مسرحي في كتاب مستقل، حتى يأخذ كل عمل أدبي حقه في المطالعة النقدية، ومن جهة أخرى تصبح فرصة قراءة نص واحد أخف على قلب القارئ من قراءة عدة نصوص، كذلك بالنسبة  للدعايات، تتسع فرصة الانتشار للمؤلف، لأن تكرار  الدعاية التي تصاحب  إصدار كل نص في كتاب مستقل،  أكبر من حجم الدعاية التي تصاحب إصدار عدة نصوص في كتاب واحد.

 ولكن توجد استراتيجية اقتصادية، تهدف إلى اقتناص الفرص، للقفز على تراجع صناعة النشر، ففي حال وجود ناشر متحمس للنشر المسرحي، يمكن إغراؤه  بنشر عدة نصوص في كتاب واحد، للاستفادة من فكرة ضغط التكاليف.  

 فعلى سبيل المثال تصبح تكلفة طبع خمس نصوص مسرحية في كتاب واحد، عملية ذات شق اقتصادي، لأنها سوف توفر سعر أربعة أغلفة، وبدلا من أن تكون الصفحة تسعة عشر سطرًا، سوف تصبح أثنان وثلاثون سطرًا، وهذا يوفر أكثر من 50% من تكليف النشر إذا قام الناشر بنشر كل نص في كتابٍ منفصل. 

لقد كررت هذا البعد الاقتصادي عند نشر مجموعة أخلاق الفرسان الموجهة للطفل، فهذه المجموعة مكونة من عشرين قصة، وكان يمكن إصدارها كل قصة في كتاب واحد، أو خمس قصص في مجموعة. 

المحصلة النهائية من هذا الأسلوب، هو اختراق الوسط الثقافي، فعلى سبيل المثال صدرت ثلاث ابحاث علمية مُحكمة عن بعض مسرحياتي، وبعضها محل رسائل ماجستير، علاوة على الكثير من الدراسات من المقالات النقدية  المتخصصة.

* لقد كتبت في أدب الكبار ثم سخّرت ابداعك مسرحا وقصة ونقدا وبحثا في أدب الطفل.. هل أفهم أنك مسكون ببناء المجتمع الذي يقتضي العناية باللبنة الاولى وهو الطفل باعتباره مستقبل البلاد؟

- الطفل هو المستقبل القادم، والاستثمار الفكري في عقول الأجيال الجديد، هو أفضل مشروع تنويري يمكن أن يقوم به أي كاتب، وبالتالي أنا أحب الكتابة للطفل، وما يمنعني عن الإنتاج الكثير هو مشكلة النشر، لأن معظم أعمالي للطفل لم تنشر إلا بعد عدة سنوات، فعلى سبيل المثال "القط والصياد" نشرت بعد خمس سنوات، ومجموعتي "بلال وبستان النخيل"، و "الميزان وصاحب السرجة" لم تنشرا إلا بعد أحد عشر عامًا في مطلع 2026،  هذه المشكلة تعكس ما تعانيه صناعة النشر في العالم العربي. 

* لقد حملت بعض قصص الأطفال أسماء حيوانات على غرار "النعامة والأسد" و "القط والصياد" : هل لها دلالة رمزية؟ 

- عندما يأتي ذكر الرمز في الأدب، عادة ما ينصرف  تأويله نحو الاتجاه السياسي، وهذا ظلم للتعبير الرمزي على إطلاقه، لأن الرمز تقنية أدبية متعددة الدلالات،  فإذا كان الميزان يرمز إلى العدل، فأنه يمكن توظيفه  للتعبيرعن معاني  كثيرة لا علاقة لها بالسياسة، ومنها: التعبير عن عدل الرجل في التعامل مع الأبناء والزوجة، أو ورب العمل مع عماله، أو المدرس مع تلاميذه، أو المدرب مع اللاعبين، أو عدل الفلاح مع الحيوان، أو أي معنى إيجابي آخر.

 الرمز أحد الأدوات الفنية التي يستخدمها الكاتب، من أجل إضفاء جو من الغرائبية على الأحداث، وتحفيز العقل على التفكير، وبالتالي، فهو  ضرورة جمالية.

* هل هي تحمل معاني أخلاقية ودروس حياتية للطفل على غرار حكايات الأديب الفرنسي جون لا فونتان، هذه الحكايات التي استوحاها  كما يرى النقاد من كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع؟

- نعم؟ لأن الكتابة للطفل من وجهة نظري تمثل الأدب النظيف، وهذا الأدب له دور في  مساعدة الأسرة والمدرسة في بناء المساحة الإيجابية داخل الناشئة، مهمة المشاركة في إنتاج كوادر بشرية تتمتع بسلامة الصحة النفسية في المستقبل، عمل أخلاقي في المقام الأول، لأنه سوف ينعكس بالضرورة  على زيادة الخير في كل مكان، وبالتالي، أعظم  دور يقوم به المثقف الحقيقي  في منتجاته الأدبية والفكرية هو الانتصار لقيم العدل والتعاون والسلام.

أما تقنية الحكي لسان  الطيور والحيوان، كما وردفي كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، هو من الأمور التي تجذب الطفل، لأن هذا النمط  من الشخصيات  القصصية، غير التقليدي يثير فضول الصغار، التطوير يكمن في صياغة القضايا المعاصرة، واشتقاق الأفكار المُبتكرة على لسان هذه الشخصيات، ومثال ذلك سلسلة الأفلام القصيرة التي ابتكرها الأمريكي ويليام هانا وجوزيف باربيرا في عام 1940، تدور حول صراعات كوميدية لا تنتهي بين القط "توم" والفأر "جيري". ومازالت هذا التوجه مستمرا حتى الآن، فقد عُرض مسلسل "توم وجيري" على كرتون نتورك و HBO Go في 2023، والذي تم إنتاجه بالتعاون مع وارنر بروس أنيميشن، بالولايات المتحدة. 

* لقد أخذت من كل جنس أدبي (الرواية/ المسرحية/ القصة) بطرف، بيْد أن  الشعر لم يكن له نصيب في إبداعك ..هل أنك غيّبت الشعر باعتباره "لغة الوجدان" لصالح "لغة العقل" (السرد)؟

- لقد كانت بدايتي في الشعر، ولدي مادة في شعر العامية المصرية تصلح لطبع عدة دواوين، ولكن هذا الشعر من وجهة نظري يحتاج إلى تحديث، ولا يوجد لدي وقت، كما أن الشعر لا يقبل شريكا. 

* لقد كتبت في أدب الكبار وأدب الصغار وفي السيناريو والحوار وفي النقد وفي الاقتصاد والسياسة والاجتماع وهذا يشي بثقافتك الموسوعية التي جمعت بين الجاحظ الذي يرى أن الأدب هو "الاخذ من كل فن بطرف" وبين ابن خلدون الذي يرى ان الابداع هو "ظاهرة من ظواهر العمران البشري": هل هذا الجمع بينهما من اللا وعي النصي (المضمر بالنص) أم من وعي القارئ (الناقد)؟ كيف تفسر ذلك؟

- كلما زادت المعارف العلمية والخبرات الاجتماعية، تنعكس على الإبداع بالإيجاب، لأن ذلك يمنح الكاتب القدرة اشتقاق الأفكار الجديدة، ويمكنه من وضع خلاصة هذه المعرفة في أعماله من خلال السرد، أو في الحوار على لسان شخصيات النص الأدبي، الثقافة  الموسوعية تنقذ المؤلف من الوقوع في فخ التكرار، والدوران حول نفس الفكرة في المنتجات الأدبية، لأنها تمثل رافدًا من روافد التحليل الفلسفي، والعرض المنطقي، وهذه الثقافة تتكامل مع الخيال في بناء المعمار الروائي أو القصصي، المسرحي. 

* هل كان لنشاطك الصحفي الغزير علاقة بإنتاجك الموسوعي؟ كيف ذلك؟

- لقد عملت لأكثر من عشر سنوات في الصحافة الإقليمية، كعمل إضافي وليس أساسيًا، وكنت أعتبرذلك نوعًا من أنواع الفرجة أو المشاهدة، على ما في باطن المجتمع، ولكن من عيوبها أنها تبدد طاقة المُبدع، ويمكن أن تؤثر بالسلب على الإنتاج الأدبي والبحثي، ولذا تركتها، واكتفيت بكتابة المقالات أو الدراسات المتنوعة. 

*  لقد تحصلت على جائزة "أفضل مقال عربي عن المرأة بالإقليم العربي" ماذا كان مضمون هذا المقال عن المرأة؟

- هو أن المرأة في العالم المتقدم والعالم المتخلف مازالت تعاني من التهميش والظلم، والقهر، ولا فرق بين الشرق والغرب في قهرها، كذلك أشار المقال إلى أن أعظم  دور للمرأة هو عاطفة الأمومة.

* إنتاجك الأدبي حرّك أقلام النقاد باتخاذ انتاجك نموذجا في دراساتهم. هل هذا كان محفزا لك على مزيد الانتاج إيمانا منك بقيمة النقد في ازدهار الحركة الابداعية؟

- نعم، لأن الأبحاث العلمية المُحكمة حول أعمالي الأدبية، أو رسالة الدكتوراه حول روايتي أحلام الملائمة، كانوا جميعًا من اختيار الباحثين، دون سابق معرفة، وهذا يعني أن الرسائل التنويرية والبناء الفني بمنتجاتي الابداعية كانا يسيران  في الاتجاه الصحيح، وأعتقد أن أعمالي سوف تحظى بمزيد من البحث والتحليل في المستقبل.

* باعتبارك عضوا باتحاد كتاب مصر. كيف ترى وضعية الابداع العربي والمبدعين من ناحية الترويج؟

- توجد فرصة للنهوض بالإبداع العربي، ولكن أحوال المُبدعين أنفسهم ليست بخير، لأن معظمهم فقد الحافز المعنوي والمادي، وأصبحت الكتابة عبئا على الكاتب، بدلا من أن تكون مصدرًا للدخل، أما الترويج فهو ضعيف للغاية، لأن الصحافة والإعلام الأدبيين، ليسا بحالة جيدة.

 وعمومًا في ظل تراجع معدلات القراءة، وتدهور التعليم في بعض البلدان العربية، يمكن القول بأن هناك أزمة، وأن هذا الأزمة تهدد الأدب التقليدي، ولا أدري أن كانت هذه الأزمة عربية فقط أو عالمية.

المشكلة في أن الذكاء الاصطناعي، يقوم بدور المؤلف البشري في كتابة النص الأدبي بتوليد نصوص جديدة من النصوص القديمة، وهذا يهدد عالم الإبداع. ولكن الفرق بين الأدب الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي، والذي يكتبه البشر كالفرق بين الورد الطبيعي، والورد الصناعي.  

* هل لديك في الأفق اصدارات أخرى؟ ما جنسها؟

نعم يوجد وبعض المخطوطات المسرحية القديمة، وعدة نصوص أخرى، علاوة على مخطوطة عبارة مجموعة قصصية بعنوان "أمراة ترانزستور"، تتناول بعض القضايا الاجتماعية للمرأة، العاملة، وبإذن الله سوف ترى النور قريبًا، وربما في معرض القاهرة الدولي للكتاب العام القادم.
-----------------------------
أجرت الحوار: جليلة المازني 
- حاصلة على الأستاذية في اللغة والنقد الأدبي