بعيداً عن موسوعة جينيس للأرقام القياسية التى تعتمد على أفعل التفضيل والتى يسعى البعض إليها بوعى حينا وبدون وعى أحيانا أخرى ، وبعيداً عن المعطيات الاقتصادية من يمول؟ ومن يتطوع؟ ومن يستفيد من أرباح الفيديوهات الكثيرة التى تسجل وقائع الحدث وتجتذب ألوف المشاهدين، وبعيدا عن نوايا المشاركين من يشارك جبرا للخواطر ومن يشارك حسبة لوجه الله ومن يشارك للاستمتاع بالتجربة ومن يشارك بحثا عن الشهرة وإثبات الوجود على الساحة.
بعيداً عن كل ذلك اود أن أسجل إعجابي الشديد بكل أهلنا فى المطرية، ذلك الحى الشعبى العريق الذى يجسد الشخصية المصرية بكل ما فيها من خصال طيبة، والذى يجسد قدرة الإنسان المصري على الإستجابة للتحدي فى الوقت المناسب، وأعترف بأن تقديري للمطرية وأهلها ينطلق من حبى وتقديري لحى عابدين العريق ولحارة السقايين التى تجسد الحارة المصرية بكل تفاصيلها وأخلاقياتها.
المطرية التى شرفها الله سبحانه وتعالى بزيارة العائلة المقدسة البتول السيدة مريم التى اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين وابنها الوجيه عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، واحتفظت المطرية ببئر وشجرة مريم مثلما احتفظت بمسلة سنوسرت الأول أو (مسلة المطرية) مما جعلها من المزارات الدينية والسياحية فى القاهرة الكبرى.
الجديد أن أهالى المطرية نجحوا وبامتياز فى إضافة حدث جعل اسمها يتردد في كل مكان ويتخطى الحدود المصرية، ونجحوا فى جعل المطرية من أهم وقائع ومفردات شهر رمضان المبارك، ونجحوا فى وضع هذا الحدث على الخريطة، بعدما نجحوا فى الحفاظ على استمراره وتطويره على مدى ١٥ عاما.
هذا الحدث هو إفطار المطرية الذى أصبح من الأحداث التى يسعى إليها مشاهير الاعلاميين والفنانين والدبلوماسيين المعتمدين فى مصر، بل وأصبح إفطار المطرية من الأحداث التي يسعى بعض الأشقاء العرب والسياح الأجانب من ضبط زيارتهم لمصر مع توقيتها للمشاركة فيها.
ولكم أن تتخيلوا كم عدد المشاركين فى إعداد نحو ١٠٠ ألف وجبة إفطار تقدم فى توقيت واحد مع انطلاق اذان المغرب، ولكم أن تتخيلوا حجم الجهد المبذول لاستضافة وإطعام ما يزيد على ١٠٠ ألف شخص منهم من يتحدث العربية ومنهم من يتحدث الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها من اللغات واللهجات.
إفطار المطرية يجعل من كل أهالى المطرية على قلب رجل واحد لا فرق بين مسلم ومسيحى وشيخ وشاب وغنى وفقير، كل البيوت تشارك، كل البيوت تفتح أبوابها وتستضيف بكل الترحاب ضيوف المطرية وضيوف مائدة الافطار، سيدات وبنات المطرية ساهمن بأوفى نصيب فى إنجاح الحدث الذى لفت أنظار العالم الذى توقف كثيرا أمام مشهد سفيرة ألمانيا فى القاهرة وهى تشارك سيدات المطرية فى إعداد كميات هائلة من ( المحشى).
بالفعل رمضان فى مصر (حاجة تانية) بفضل الشخصية المصرية وجذورها الدينية والتاريخية والحضارية التى جعلت إفطار المطرية يتم بكل الحب والرقى وبدون تسجيل أي واقعة تحرش أو تنمر.
بكل الإخلاص لو كنت من رئيس الحكومة لوجهت بدراسة أسباب نجاح إفطار المطرية ولسعيت للاستفادة من منظمى ومخططى هذا الحدث.
ستظل مصر بخير ما دام أهلها يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيرا، وما دام أهلها يفشون السلام ويفتحون قلوبهم قبل بيوتهم لمن يقصدهم، وما دام أهلها يضربون المثل فى التسامح والعطاء، وما دام أهلها يعيشون أيام وليالي شهر رمضان المبارك بكل جوارحهم.
----------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج






