لقد كانت الورقة الطائفية لعقود طويلة هي "الملاذ الآمن" والغطاء الأيديولوجي الذي لجأت إليه الحركات والجماعات والتنظيمات ـ سمها بما تشاء ـ السلفية المتطرفة والمتشددة، بمختلف مسمياتها وانتشارها الجغرافي، للهروب من استحقاقات الصراع الحقيقي مع العدو الوجودي للأمة. لقد استثمرت هذه التنظيمات بضراوة في شيطنة "الآخر المذهبي" سنيا أو شيعيا، لكن المكون الشيعي كان له النصيب الأعظم من "الشيطنة"، محولة إياه إلى عدو مركزي يسبق في سلم أولوياتها العدو الصهيوني والاستعماري الغاصب، وذلك ليس من منطلق عقدي محض كما حاولوا تصويره لاتباعهم، بل ليكون مبرراً مريحاً يغطي على تقاعسهم المزمن عن نصرة فلسطين. لقد بنوا جدراناً عازلة من الكراهية والتحريض، أقنعوا من خلالها قواعدهم الشبابية بأن "الخطر الداخلي" المتمثل في المخالف مذهبياً هو التهديد الوجودي الذي يجب استنزاف طاقات الشباب في قتاله، بينما كان الاحتلال يدير حرب الإبادة في غزة، ويشن عدواناً إجرامياً واسعاً على لبنان وإيران واليمن بسبب إسنادهم للمقاومة، ويمعن في استباحة الأرض وتهويد القدس، مستغلاً هذا الانشغال العبثي في تعزيز تواجده وتوسيع مستوطناته.
إن الفضيحة الحقيقية تكمن في أن هذه الجماعات، بدلاً من أن تُسخر ترسانتها التي استنزفت بها جيوش دول المنطقة طوال عقدين من الزمان في حروب مدمرة في سوريا والعراق وليبيا والصومال والسودان، ضد الاحتلال، اتخذت موقفاً يتقاطع بشكل مريب مع أهداف التحالف الصهيو- أمريكي. وهنا يتساءل كل حر: أين ذهبت فتاوى الجهاد التي كانت تصدر بالآلاف لتُحلل دماء المسلمين في تلك الدول، لكنها غابت أو "تأدبت" وخرجت بلغة دبلوماسية باهتة أمام حرب إبادة صهيونية في غزة؟ لقد استثمرت هذه الحركات لسنوات طويلة في شيطنة "الآخر المذهبي" (الشيعة) لتبرير تقاعسها، وكان من أثر ذلك أن المنظومة الطائفية بدأت تنهار في وعي الشاب السني؛ إذ حين يرى أن الدعم العسكري الملموس يأتي من جهات يصفها مشايخه بـ "الكافرة" أو "المرتدة"، بينما "إخوته في المذهب" يغلقون الحدود أو ينسقون أمنياً مع المحتل، أدرك الشاب أن الطائفية لم تكن عقيدة، بل ستارة للهروب من استحقاقات الصراع.
إن تعميق الرؤية تجاه موقف هذه التنظيمات من إيران يكشف عن أزمة وجودية تعيشها هذه الجماعات؛ فهي أمام معضلة تستوجب الانتحار الأيديولوجي. إن اصطفافها ضد إيران في ذروة المواجهة مع الكيان الصهيوني ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل هو إعلان رسمي عن اصطفافها الاستراتيجي في المعسكر الصهيو - أمريكي للمقاومة، ويمكن تعميق هذا الفضح عبر الركائز التالية:
أولا إن هذه التنظيمات صاغت سردية تجعل من إيران "الخطر الداهم" الذي يجب تقويضه أولاً، متجاهلةً حقيقة أن إيران هي القوة الإقليمية الوحيدة التي نجحت في بناء منظومة دفاعية وهجومية (عبر حلفائها في غزة ولبنان واليمن) تهدد أمن الكيان الصهيوني. بفعلها هذا، أصبحت هذه التنظيمات "حارس أمن ودرعا واقيا غير مباشر" للصهيونية والمصالح الغربية؛ فكل ضربة توجهها هذه التنظيمات لإيران أو حلفائها هي في جوهرها "تخفف الضغط" عن الكيان المحتل. إنهم لا يقاتلون "التمدد الإيراني" بقدر ما يقاتلون "قوة الإسناد للمقاومة الفلسطينية".
ثانيا كيف تبيح هذه التنظيمات دماء المسلمين في دول كالعراق وسوريا ومصر وليبيا والسودان واليمن تحت شعارات جهادية، ثم تقف موقف المتفرج التقي الورع حين يُقصف المركز الحيوي للمقاومة في طهران أو الضاحية الجنوبية؟
لو كانت هذه الجماعات صادقة في شعار "الجهاد"، لكانت كل صواريخها التي وجهتها لصدور المسلمين في الميادين العربية قد وُجهت، ولو بضربة واحدة، نحو العمق الصهيوني الذي يقتل ويجوع ويسلب أهل غزة حقهم في حياة كريمة عزيزة. إن هذا السلوك يؤكد أن عقيدتهم "الجهادية" ليست موجهة نحو التحرير، فهم مستعدون لقتال أي جهة تعادي الغرب، لكنهم يُصابون بالشلل التام حين يتعلق الأمر بمواجهة عدو الأمة الأول.
إن واشنطن وتل أبيب تسعيان منذ عقود إلى عزل إيران عن محيطها العربي، وقد فشلت في ذلك عبر العقوبات والحروب. فجاءت هذه التنظيمات لتقوم بالمهمة التي عجزت عنها أجهزة الاستخبارات الغربية، عبر إثارة "الفتنة الطائفية" التي تجعل الشارع السني يرى في "إيران" عدواً أكبر من الصهيوني. إنهم يمارسون "الدور القذر" في تهيئة المناخ لتقبل الضربات الغربية / الصهيونية ضد إيران، عبر الترويج لمقولة أن "إيران هي من دمرت السنة"، وهي مقولة تهدف لضمان عدم خروج أي غضب شعبي سني إذا ما قررت واشنطن وتل أبيب تصعيد عدوانها.
لقد وضعت الحرب على إيران والمحور المقاوم هذه الجماعات في لحظة فرز يمكن القول أنها تاريخية في مستويين: الأول السقوط: من يهاجم إيران اليوم، بينما تغرق غزة في دمائها، يعلن بوضوح أنه يفضل بقاء الهيمنة الصهيونية على أن يرى نصراً يتحقق على يد قوى إقليمية لا تتماهى مع رؤيته المذهبية الضيقة. الثاني الاصطفاف: هذا الموقف يجعلهم جزءاً لا يتجزأ من "التحالف الإقليمي الأمريكي- الصهيوني". فهم يلتقون مع واشنطن وتل أبيب في هدف واحد: "تفكيك محور المقاومة".. إنهم يرددون صدى الخطاب الرسمي الصهيوني، يكررون مصطلحاته، ويتبنون رؤيته للواقع الإقليمي، مما يثبت أن "الجهاد" في أدبياتهم قد مُسخ ليصبح خدمة لأمن المحتل كل محتل.
ليس بسبب العقيدة كما يدّعون، بل لأن إيران تمثل "النموذج المقاوم" الذي يثبت زيف ادعاءاتهم. هم يكرهون إيران لأنها أحرجتهم بفعاليتها في ملف فلسطين، بينما هم غارقون في التنظير التكفيري. كل فعل مقاوم تقوم به إيران أو حلفاؤها هو "صفعة" للشرعية التي يدعونها، وهو ما يفسر هذا الحقد الذي يتجاوز حدود السياسة إلى "التكفير بالوجود". إنهم لا يكرهون إيران لأنها "شيعية"، بل يكرهونها لأنها كشفت عجزهم وفضحت عقم وفشل مشروعاتهم الذي لم يقدم لفلسطين سوى الشعارات، بينما قدمت هي السلاح والدم.
وأخيرا وليس آخرا إن موقف هذه التنظيمات من إيران هو "اختبار كاشف"؛ فمن يرتضي لنفسه أن يكون في خندق واحد مع من يقصف غزة ولبنان، لا يمكنه أن يدعي الانتماء للإسلام أو لفلسطين. لقد تحولوا من "جماعات جهادية" إلى "كتائب استخباراتية" تقوم بالعمل القذر الذي لا تستطيع القوى الدولية القيام به مباشرة، وهو "ضرب الحاضنة السنية للمقاومة" من الداخل، ليصبحوا في النهاية مجرد "أدوات إبطال مفعول" للمشروع التحرري للأمة.
--------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي






