تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه اللحظة التاريخية الفارقة ما يمكن تسميته "معركة البقاء الأخيرة"، وهي معركة لا تُدار بعقلية رجل الدولة الحذِر الذي يزن العواقب بميزان الذهب، بل بعقلية المقامر الانتحاري الذي استنفد كل خياراته المنطقية، وقرر وضع كل أوراقه على الطاولة دفعة واحدة، رغم إدراكه العميق في قرارة نفسه بأنها أوراق خاسرة لا محالة في المدى البعيد.
إن هذا التحالف العضوي بين "العقل الترامبي" الذي يمزج بين السطوة المادية الفجة والتطرف اليميني الإقصائي، وبين "عقيدة الحسم" لدى بنيامين نتنياهو الهارب من سياط ملاحقاته القضائية وانقساماته الداخلية، قد دفع بالعالم أجمع إلى حافة هاوية سحيقة. لم تعد احتمالات الحرب العالمية الثالثة مجرد سيناريوهات خيالية في أروقة مراكز الدراسات، بل أصبحت واقعاً ميدانياً ملموساً انطلق مع أولى رصاصات وصواريخ ما أطلق عليه "عملية الغضب الملحمي" في فبراير 2026، لتعلن للعالم أن زمن الدبلوماسية قد ولى، وأن لغة النار هي الوحيدة المسموعة الآن فوق أنقاض النظام الدولي القديم.
هذا الاندفاع العسكري المحموم نحو تغيير وجه الشرق الأوسط وتفكيك جبهات الخصوم بضربات استباقية شاملة، ليس في جوهره إلا محاولة يائسة ومذعورة لتأجيل حتمية الأفول التي تلوح في الأفق. فالولايات المتحدة، التي كانت يوماً ما منارة "العالم الحر"، تتآكل اليوم من الداخل تحت وطأة استقطاب ديني واجتماعي حاد لم تشهد له مثيلاً منذ حربها الأهلية الأولى. لقد باتت الدولة العميقة في واشنطن تواجه شبح التفكك، حيث تتصارع الهويات والولاءات، وتتصاعد نبرة "القومية المسيحية" المتطرفة التي ترى في الحروب الخارجية قدراً إلهياً لا مفر منه، مما جعل أمريكا تبدو كـ "جزيرة معزولة" مشغولة بصراعاتها الذاتية العميقة، وتطرفها الذي بات يهدد بتفجيرها من الداخل في أي لحظة. إن عدم محاسبة شخصيات مثل ترامب على ما ارتكبوه من جرائم سياسية ودستورية وأخلاقية، يعكس هشاشة نظام قضائي ومؤسساتي بات يحمي الجلاد ويمنحه منصة لإشعال الحرائق العالمية، في حين أن مثل هذه الشخصيات في أي ثقافة سياسية أخرى كانت ستواجه أقسى الأحكام وأعدلها في الميادين العامة جراء استهتارها بأمن البشرية.
وبينما تنشغل الآلة العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية بحسابات القصف الجراحي، وتدمير المنشآت النووية، وتوسيع رقعة النيران لتشمل ضفاف الخليج العربي وصولاً إلى سواحل المتوسط، ينمو في الظل وعلى هامش هذه الانفجارات "جيش خفي" لا تراه الرادارات المتطورة ولا تسقطه منظومات الدفاع الجوي مهما بلغت دقتها. هذا الجيش هو جيش "الكراهية المطلقة" التي زرعتها هذه الأفعال الوحشية في قلوب شعوب الأرض قاطبة. إنها كراهية معلنة وصريحة لم تعد تجد حرجاً في التعبير عن نفسها في العواصم الكبرى وفي أبعد القرى على حد سواء. هذه الكراهية هي القوة الدافعة الحقيقية التي ستقوض المشاريع الأمريكية والإسرائيلية حتى لو أحرزت هذه المشاريع انتصارات عسكرية خاطفة أو حققت تفوقاً تكنولوجياً في المدى القصير. فالعالم اليوم لم يعد يرى في واشنطن وتل أبيب إلا رموزاً لـ "بلطجة" دولية فجة تتجاوز كل القوانين وتضرب بالأعراف الأخلاقية عرض الحائط، مما أدى إلى سقوط "الشرعية الأخلاقية" التي كانت يوماً ما الركيزة الأساسية للهيمنة الغربية والقوة الناعمة التي مكنتها من قيادة العالم لعقود.
هذا السقوط الأخلاقي المتسارع، مترافقاً مع غطرسة القوة، يمهد الطريق لانفجار داخلي مفاجيء داخل المجتمعات الغربية نفسها، وهو انفجار قد يغير خارطة القوى العالمية في لمح البصر. فعندما تنهار الهيبة وتتفكك التحالفات تحت وطأة الكراهية الشعبية والعجز الاقتصادي، تجد الإمبراطوريات نفسها في مواجهة "لحظة الحقيقة".
إن المقامرة الحالية تضغط على أعصاب النظام المالي العالمي المنهك أصلاً، حيث يهدد إغلاق الممرات المائية الحيوية وانفجار أسعار الطاقة بتبخير الثروات الورقية في ليلة وضحاها. وفي هذا المناخ الجيوسياسي القاتم، تبرز الصين كوارث محتمل ووحيد لهذا الركام الإمبراطوري الأمريكي. الصين، تلك القوة التي تتقدم بخطى وئيدة وبراغماتية باردة، تنتظر لحظة السقوط الكبير لتمسك بزمام المبادرة وتملأ الفراغ، ليس لأن الشعوب تحبها أو تنجذب لنموذجها السياسي "الروبوتي" القائم على الرقابة الشاملة والقبضة الأمنية والذكاء الاصطناعي المسخر لقمع الهويات، بل لأنها البديل المادي الوحيد المتاح في عصر الانهيار الكوني.
إن علاقتنا بالصين، نحن كعرب ومسلمين، هي علاقة ريبة وعدم ارتياح جذري، فنحن لا نحب نموذجها الذي لا يقيم وزناً للأديان أو الحريات الفردية، وننظر بحذر شديد لسياساتها التي تتسم بالبرود الأخلاقي المطلق والمادية المتوحشة التي لا تهدف إلا لامتصاص الموارد وتثبيت الديون. ومع ذلك، نجد أنفسنا في موقف العاجز الذي يراقب "سيده القديم" وهو ينهار بجنون، ليرتمي رغماً عنه في أحضان "سيد جديد" لا يقل قسوة وإن كان أقل ضجيجاً. وهنا تتبدى المأساة الكبرى والشرخ الوجودي للمنطقة العربية والإسلامية التي تجد نفسها عالقة بين مطرقة "المقامر الأمريكي - الإسرائيلي المجنون" وسندان "الوارث الصيني البارد". إن الحقيقة المرة التي يجب مواجهتها هي أننا، ورغم كراهيتنا الصادقة والعميقة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية التي دمرت حواضرنا وأبادت شعوبنا، لا نملك ولن نملك في الأفق القريب مشروعاً بديلاً خاصاً بنا؛ مشروعاً ينبع من هويتنا ويحمي مصالحنا السيادية بعيداً عن صراعات الكبار.
لقد استمرأنا دور الضحية، أو ربما فُرض علينا فرضاً عبر عقود من التجزئة الممنهجة وتجريف العقول وتفكيك المؤسسات الوطنية، مما جعلنا في حالة من "الاستقالة التاريخية" الكاملة. نحن نراقب زوال كيان إسرائيل، الذي راهن بوجوده على دعم نظام عالمي يتداعى، ونراقب سقوط إمبراطورية أمريكا التي تأكل نفسها من الداخل، ولكننا نفعل ذلك من مقاعد المتفرجين العاجزين. إن هذا الغياب للمشروع الذاتي يعني أننا سنكون الأرض التي تصفى عليها حسابات "الورثة الجدد"، وسندفع أثمان هذا السقوط الكبير من أمننا الغذائي، ومن استقرارنا الداخلي، ومن دماء أجيالنا القادمة، دون أن يكون لنا في صياغة "العالم الجديد" سطراً واحداً أو كلمة مسموعة. إن التاريخ لا يرحم المستقيلين، والواقع المرير يخبرنا أن "جيش الكراهية الخفي" الذي قد يهزم إسرائيل وأمريكا أخلاقياً وشعبياً، قد يجد نفسه بلا قيادة سياسية تحول هذا الانتصار الشعبي إلى بناء حضاري، مما قد يحول المنطقة إلى ساحة فوضى دائمة بانتظار من يشغل محطات الكهرباء أو يدير الديون السيادية.
في الختام، إن ما نشهده في عام 2026 هو ذروة التراجيديا البشرية، حيث يلتقي الجنون العسكري بالتطرف الديني في الغرب، ليصطدم بجدار الكراهية الشعبية العالمية وبطموحات القوى الشرقية المتربصة. إن أمريكا وإسرائيل، بفعلهما هذا، لا تدافعان عن بقائهما، بل تسرعان من نهايتهما عبر الانتحار على مرأى ومسمع من العالم أجمع. أما نحن، فسنبقى نتجرع مرارة التبعية، نراقب تغيّر "القائد" الدولي بوجوم، وندرك بأسى أن قطار التصادم العالمي قد انطلق فعلاً نحو الهاوية، حاملاً معه كل من لم يستطع بناء سفينته الخاصة قبل أن يطغى الطوفان. إنها لحظة الحقيقة العارية التي لا يجملها وهم، ولا ينقذ منها أمل كاذب، بل يفرضها واقع القوة الذي لا يعترف إلا بمن يملك مشروعه الخاص في عالم لا مكان فيه للضعفاء أو المستقيلين من كتابة التاريخ.
------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي







