لم تسجل كاميرات الهواتف فقط ما حدث أمام أسوار شركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي، بل سجلت معها وجع العمال الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام خيار مرير إما الصمت على المطالب أو المواجهة مع قوات الأمن، المشهد كان صرخة مدوية في وجه واقع مرير يقول لنا بصراحة إن القانون قد غاب وأن لغة القوة هي من تتحدث حين تعجز لغة الحوار.
منذ سبتمبر الماضي والقانون الجديد للعمل يرفرف فوق رؤوسنا كشعار لحماية العمال وعلاقة العمل المتوازنة، كنا نقرأ مواده ونشعر بأن هناك أمل جديد في نصوص ستحمي العامل من التعسف وستلزم الإدارة بالجلوس على طاولة المفاوضات والأهم من ذلك ستفتح أبوابا مغلقة للتوفيق والوساطة والتحكيم قبل أن يصل الأمر إلى نقطة اللاعودة، لكن ما حدث في الألومنيوم كشف لنا العكس تمامًا كشف أن القانون لا يزال حبيس الجرائد الرسمية وأن مواده المتعلقة بحل النزاعات لم تجد طريقها إلى أرض الواقع.
السؤال الذي يلح أين وزارة العمل حين بدأ الشرر يتطاير؟ أين باب التوفيق والوساطة التي أقرت بقانون العمل والذي يفترض أن تكون هي الخط الأول للدفاع عن السلم الاجتماعي؟ يبدو أن الوزارة لا تزال تتعامل مع الملفات العمالية بنفس النظرة القديمة نظرة ترى في الشكوى "إزعاجًا" يجب احتواؤه أمنيا بدل من أن تكون "حقًا" يجب الفصل فيه قانونيا، هذا التقاعس عن تفعيل آليات القانون ليس إهمالا فحسب، بل هو وقود يلقى في نار الاحتجاجات.
حين يغلق الباب القانوني في وجه العامل وتصبح إجراءات التوفيق مجرد حبر علي ورق لا تجدي نفعا فإن العامل لا يملك سوى قدميه يخرج بهما للاحتجاج، وهنا تكمن الخطورة فالاتساع الملحوظ في رقعة الاحتجاجات العمالية خلال الأشهر الأخيرة ليس صدفة ولا هو مجرد "مزاج عمالي" متوتر بل هو نتيجة طبيعية لتراكم الشكاوى في أدراج الوزارة وغياب الجدية في تطبيق مواد القانون الجديد، العمال لم يعودوا يثقون في الوعود ولم يعودوا ينتظرون قرارات قد تأتي بعد أشهر فهم يعيشون أزماتهم يوميا مع كل ارتفاع في الأسعار ومع كل حق يُنتقص.
التدخل الأمني في شأن عمالي خالص كما حدث في نجع حمادي هو اعتراف ضمني بفشل الأدوات المدنية في إدارة الملف العمالي، وهو اعتراف خطير لأنه يحول النزاع من خلاف حول أجر أو بدل أو بيئة عمل إلى قضية تمس الحريات والحقوق الأساسية، فالاعتقالات التي طالت العمال لم تهديء الموقف بل زادت من شرعيته في عيون الرأي العام، وأرسلت رسالة خطيرة لكل العمال بأن الطريق القانوني مسدود.
نحن أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن نعود إلى روح القانون الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر ونلزم وزارة العمل بالقيام بدورها الحقيقي كوسيط نزيه وفاعل، وتفعيل باب التحكيم والوساطة بشكل جدي يمنع وصول الأمور لمراحل التصعيد أو أن نستمر في سياسة إطفاء الحرائق بالبنزين، حيث كل تدخل أمني يولد وراءه عشرة احتجاجات جديدة.
حقوق العمال ليست منة، إن ما حدث في شركة الألومنيوم يجب أن يكون جرس إنذار يوقظ الجميع قبل أن نفقد الثقة تماما في قدرة وزارة العمل على حماية شركاء التنمية الحقيقيين، الحل ليس في السجون ولا في تقارير الأمن، إن الحل الوحيد الباقي هو في تطبيق القانون واحترام الإنسان العاملة قبل فوات الأوان.
--------------------------------
بقلم : حسن البربري






