05 - 03 - 2026

لن ينتصر إلا صاحب النفس الطويل

لن ينتصر إلا صاحب النفس الطويل

لم تعد "البلطجة السياسية" أو القوة الخشنة كافية لرسم خرائط المنطقة كما كان يحدث في العقود الماضية.

ففى هذه المقولة أقر "ترامب" بفشل الآلة العسكرية والسياسية الأمريكية في صناعة بديل. هذا ليس "حذرا" فحسب، بل هو اعتراف بأن كل أدوات الضغط (من عقوبات وتهديد بضربات) لم تنجح في خلق جبهة داخلية أو بديل سياسي يضمن مصالحهم. هذا يصب مباشرة في فرضية التخبط وفقدان السيطرة على مخرجات الصراع.

وتعكس تآكل القدرة الأمريكية على الهيمنة الكاملة.

إن "الانتصارات" السابقة كانت تعتمد على اختراقات أو خيانات (كما حدث في العراق مثلا بتفكك الجيش والولاءات)، وحين يغيب هذا "العنصر الداخلي" فى إيران لمساعدته، تصبح القوة الأمريكية العسكرية مجرد تخبط لا ينتج نصرا سياسيا حقيقياً. إنها النتيجة الصفرية التى ستفضح امريكا واسرائيل أمام العالم.

بعد اغتيال خامنئي. كان الرهان على التفاهم مع خلفه، وهذا الرهان الخاسر الذى أربك ترامب الذى تخيل أن تغيير الواقع فى إيران كما حدث فى فنزويلا مثلا. لقد أنتج الواقع  نسخة كربونية من النظام السابق أو أسوأ من وجهة نظر ترامب الذى لا يعرف القادة الكثر الذين أعطاهم خامنئى الراية للقيادة. فلم يعد للسياسيين فى إيران دور منفرد الا بعد موافقة العسكريين.

لقد فشلت أمريكا التى اعتادت أن "تأمر فتطاع" امام الواقع الإيراني الذى أثبت صلابة غير متوقعة أمام سياسة "الضغوط القصوى". هذا يجعل تصريح ترامب يبدو كنوع من التبرير الاستباقي للفشل؛ أي أنه يقول: "لن أضرب ليس لأني لا أستطيع، بل لأن النتيجة لن تتغير"، وهو بحد ذاته إعلان عن وصول السياسة لطريق مسدود.

لم يبق إلا "عض الاصابع" بين (المحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى) . لقد وصلا لمرحلة لم تعد فيها الطائرات أو الصواريخ هي الفيصل الوحيد، بل "النفس الطويل". من يصرخ أولا هو من سيقدم التنازل.

وأمريكا وإسرائيل تدركان أن الحرب الشاملة مغامرة غير مضمونة النتائج، ودخول قوات برية بإيران هو دخول فى مستنقع من الصعب الخروج منه، والسكوت على الوضع الحالي استنزاف لهيبتهما. لذا، الانتظار هو "الخيار المر" المتبقي، على أمل حدوث انهيار داخلي أو خطأ استراتيجي من الطرف الآخر.

باتت القوة التي لا تستخدم تفقد قيمتها مع الوقت، فأنت تضرب فى قلب إيران، وايران ترد فى قلب إسرائيل، والقوة التي تستخدم دون تحقيق هدف سياسي تتحول إلى عبء. إسرائيل الآن في وضع القلق الدائم، وأمريكا في وضع "الشرطي المرهق" الذي ينتظر أي ثغرة لينفذ منها دون تورط كامل.

احتمالات الخيانة التى وضعها ترامب فى سيناريوهاته أكد الإيرانيون أنها مستحيلة. يبدو أن المراهنة الآن ليست على كفاءة السلاح، بل على "تآكل الجبهة"؛ فمن يمتلك جبهة داخلية أكثر تماسكاً هو من سيصمد في مباراة "عض الأصابع" هذه. وإيران ليس لديها خيار إلا النفس الطويل النابع من عقيدتها الصلبة وانعدام بدائل أخرى. فهل تقدر إسرائيل على تحديها فى هذا الجانب؟
------------------------------
بقلم: د. سامى البلشي


مقالات اخرى للكاتب

لن ينتصر إلا صاحب النفس الطويل