07 - 03 - 2026

زهرة ياسمين

زهرة ياسمين

فتحت عاملة الفندق باب الجناح، فانفسح عن صالون مذهب أنيق وشاشة تلفاز تتوسط المنضدة المقابلة، وعن يمينها زهرية رُشقت فيها زهرة ياسمين تنضح بعطر فواح، خطا وراءها على الأرضية الخشبية (الباركيه) ترافقه صدى خطواته كصديق حميم، فيما كانت خطوات حذائها المطاطي بلا صوت، وكذلك كان يخرج صوتها منخفضًا كأنما هي طيف، في تطبيق مثالي لما تعلمته من أصول الفندقة؛ أن يشعر النزيل أنه كل شيء وأنه بؤرة الاهتمام.

أضاءت المصابيح الكهربائية، وأزاحت الستائر، فوقف خلف الباب الزجاجي وراح يجول بعينيه في براح البحر الممتد بلا نهاية، تركت له العاملة مفتاح الغرفة وانصرفت، وعندما دسّ يده في جيبه ونفحها بعض المال، رفعت عينيها إليه للحظة خاطفة، فرأى فيهما بريق امتنان حقيقي لم يره في عيون كثيرين ممن أعطاهم أضعاف ذلك، تمتمت شاكرة ومضت، وبقي هو واقفاً يتساءل أيهما أفقر.

أشعل غليونه ومسح الغرفة بعينين منقوعتين في بحيرتي دموع تتابع الصور الحزينة على سطحها واحدة تلو أخرى، ثم تنهد وجلس يرشف من فنجان القهوة الفرنسية رشفات من يتذوق ويقارن ليتأكد من مستوى الجودة، لكنه سرعان ما نهض وعاد يتأمل البحر وأمواجه المتلاطمة من خلف زجاج نظارته بعينين محمرتين من أثر السهر، ومتغضنتين بفعل العمر الذي انزلق خلفه في خفة قط رشيق، يتقن فنون الاختباء حتى تظنه سرابًا، والانقضاض حتى تشعر بوخز مخالبه، كأنه قدر لا يزول.

عبر إلى الشرفة الصغيرة وجلس يكمل قهوته مطلقًا لعينيه عنان التجول بين رواد البحر بأعمارهم ومشاربهم وملابسهم المختلفة، والتي لو وقعت عليها عين متخصص في علم الاجتماع لأنبأ عنهم أيما نبأ.

فتلك أسرة بسيطة الحال، وضعت متاعها على سور الكورنيش وراحوا يلتقطون الصور، فُرادى وجماعات، وهؤلاء شباب بقصات شعر وملابس تقسم أنهم والعلم في عداء، وإن كان ولابد فلعلها شهادة إعدادية أو دبلوم سلبه بعضهم بشق الأنفس، يتجاذبون ويستعرضون فتوتهم دون اهتمام بالزحام من حولهم، والزحام عنهم متشاغل.

وتلك فتاة رقيقة تتأبط ذراع فتى مفتول العضلات، التفت نحو الفندق فجأة وراح يرسم بذراعه صورة حالمة في الهواء، والفتاة تُحرك ذراعيها كأنما تطير، ثم طوّقها بذراعه ومضيا.

"ربما كانا يحلمان بالإقامة في الفندق، وربما هذه الغرفة على وجه الخصوص"، قال لنفسه وعلى شفتيه نصف ابتسامة مرّة، ثم أردف بصوت لم يكد يسمعه هو نفسه: "يا حظهم.. لو يعلمان".

هز رأسه في أسى وأعاد إشعال غليونه الذي انطفأ بانشغاله عنه، ونفث نفثات متتابعات سرعان ما اختطفتها الريح بعيداً، كأنها تسخر من كل ما يحاول الإمساك به.

ثم أفل راجعًا إلى الغرفة دون أن يغلق باب الشرفة، تاركًا الريح تمرح خلف الذكريات. تناول معطفه الثقيل وخرج، وقد صفق الباب خلفه فردّد السكون صداه القوي في أرجاء الجناح الخالي. وحدها زهرة الياسمين بقيت تنضح بعطرها في المكان، يتيمةً إلى جوار التلفاز، تنتظر.  
-----------------------------------------
بقلم: د.م. 
محمد مصطفى الخياط
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

زهرة ياسمين