بقلم : معصوم مرزوق
من أجل عيون الكيان الصهيوني ، أقر مجلس النواب الأمريكي قانوناً يسمح بفرض عقوبات علي المحكمة الجنائية الدولية .
تجدر الإشارة إلي أن النظام الأساسي للمحكمة ( نظام روما ) يؤثم في مادته رقم 70 أي فعل من أفعال التهديد أو الترهيب أو الإنتقام من المحكمة أو مسؤليها ، بما يعد ابتزاز وعرقلة للمحكمة في آداء مهامها .
والفهم الصحيح لهذه المادة ، يضع الولايات المتحدة الأمريكية تحت طائلة الإتهام ، مع إدراك صعوبة اتخاذ خطوات إجرائية أو موضوعية لأسباب سياسية .
وذلك كله يؤكد ما نوهت إليه في عديد المقالات والمقابلات من أن العالم بعد نهاية الحرب الباردة في حاجة لعقد دولي جديد ، يتيح المساواة بين الدول أمام القانون الدولي ، أي عالم تحكمه "سيادة القانون الدولي "
وربما يتطلب الأمر بعض التفصيل ، حتي تتضح المعضلة من جميع زواياها السياسية والقانونية .
المعضلة تتعلق بمشروعية فرض عقوبات وطنية على المحكمة الجنائية الدولية أو مسؤوليها، وهو ما سوف أسعي لتحليله علي ضوء نظام روما الأساسي، مع مقارنة أري أهميتها في مجال هذا التحليل مع محكمة العدل الدولية. وتهدف إلى بيان الفروق الجوهرية بين القضاء الجنائي الدولي والقضاء الدولي التقليدي، وتفسير أسباب هشاشة الأول أمام الضغوط السياسية مقارنة بالثاني.
شهد النظام الدولي بعد الحرب الباردة تطوراً نوعياً تمثل في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما لعام 1998، بوصفها تجسيداً لفكرة المساءلة الجنائية الفردية عن أخطر الجرائم الدولية.
غير أن فرض عقوبات من قبل بعض الدول مثل تلك التي تضمنها القانون الأمريكي ، على مسؤولي المحكمة أعاد طرح سؤال جوهري:
هل يتمتع القضاء الدولي بحصانة مؤسسية فعلية ضد الإكراه السياسي؟ وهل يختلف وضع المحكمة الجنائية الدولية عن محكمة العدل الدولية من حيث الحماية القانونية والبنيوية؟ .
أولاً من حيث الأساس القانوني لاختصاص كل محكمة، فبالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية ، فإنها أنشئت بموجب نظام روما الأساسي، وتختص بمحاكمة الأفراد عن:
•الإبادة الجماعية
•الجرائم ضد الإنسانية
•جرائم الحرب
•جريمة العدوان
وهي تعتمد في تنفيذ قراراتها على تعاون الدول (المادة 86 من النظام الأساسي) .
وبالنسبة لمحكمة العدل الدولية ، فإنها أُنشئت بموجب ميثاق الأمم المتحدة (المواد 92–96)، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وتختص بـ:
•تسوية النزاعات بين الدول.
•إصدار فتاوى استشارية.
واختصاصها قائم على رضا الدول، لكنها جزء بنيوي من منظومة الأمم المتحدة.
ثانياً من حيث مسألة الاستقلال والحصانة المؤسسية ، فأنه في المحكمة الجنائية الدولية ينص نظام روما على استقلال القضاة والمدعي العام.وتجرّم المادة 70 الأفعال التي تعرقل سير العدالة.
لكن يجب ملاحظة ما يلي :
•أن المحكمة ليست جهازاً تابعاً للأمم المتحدة.
•ولا تتمتع بحماية تنفيذية من مجلس الأمن.
•وتعتمد كلياً على تعاون الدول.
وبالتالي فإن إمكانية فرض عقوبات على مسؤوليها يكشف ضعف بنيتها التنفيذية.
أما في محكمة العدل الدولية ، فهي تختلف في هذا الشأن عن المحكمة الجنائية من حيث أنها :
•جزء من هيكل الأمم المتحدة.
•قضاتها يتمتعون بحصانات دبلوماسية.
•أي مساس بها قد يُعد مساساً بمؤسسة أممية كاملة.
فضلاً عن أن النزاعات أمامها تدور بين دول، لا ضد أفراد، مما يقلل من حساسية المواجهة السياسية.
وهكذا يتضح أن المحكمة الجنائية الدولية تمس مباشرة سيادة الدول عبر محاكمة مسؤولين وطنيين، بينما محكمة العدل الدولية تظل ضمن إطار نزاع قانوني رضائي بين دول .
وبالنظر إلي العقوبات كإشكالية قانونية ، فأنه يمكن تحليل العقوبات المفروضة على مسؤولي المحكمة من زاويتين:
زاوية السيادة : حيث أن الدولة غير المنضمة في نظام روما قد تدفع بعدم خضوعها لالتزاماته.
زاوية حماية الوظيفة القضائية : من حيث أن أي تدبير يستهدف التأثير على أداء القضاة أو المدعين بسبب عملهم قد يُفهم كإكراه سياسي يتعارض مع مبدأ استقلال القضاء الدولي.
لكن المشكلة الجوهرية تبقي أنه لا توجد سلطة عليا قادرة على فرض احترام هذا المبدأ على دولة كبرى.
وإذا تأملنا إلي دور مجلس الأمن والازدواجية البنيوية ، نجد أن المفارقة الكبرى تكمن في أن:
•مجلس الأمن يستطيع إحالة قضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية.
•لكنه يستطيع أيضاً تعطيل التحقيقات (المادة 16 من نظام روما) .
وبما أن القوى الكبرى تتمتع بحق النقض( الفيتو )فإن المساءلة الدولية تصبح رهينة التوازنات السياسية.
أما محكمة العدل الدولية، فقراراتها قد تُعرض على مجلس الأمن لتنفيذها، لكن نادراً ما تصل النزاعات إلى درجة مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى على نحو جنائي شخصي.
وقد برزت بشكل واضح إشكالية الشرعية والانتقائية ، حيث أظهرت الممارسة أن:
•المحكمة الجنائية الدولية أكثر نشاطاً في قضايا الدول الضعيفة.
•بينما تواجه صعوبات عملية عندما يتعلق الأمر بقوى كبرى أو حلفائها.
وهذا يخلق انطباعاً بازدواجية المعايير، ويقوض فكرة المساواة أمام القانون الدولي.
وهي ما يتطلب إعادة النظر في بنية منظومة العدالة الدولية ، وأهمية تعديلها ، وربما يكون من اللازم أن تبحث اللجنة القانونية في الأمم المتحدة ما يلي :
1.إعادة تعريف العلاقة بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية.
2.تطوير قواعد صريحة تحظر التدخل الاقتصادي أو السياسي في عمل الهيئات القضائية الدولية.
3.تعزيز الاستقلال المالي والإداري للمحكمة.
4.التفكير في نموذج مؤسسي يجعل القضاء الجنائي الدولي جزءاً عضوياً من منظومة الأمم المتحدة، بما يعزز حمايته المؤسسية كما هو الحال في محكمة العدل الدولية.
فربما يصل المجتمع الدولي ذات يوم إلي أرضية قانونية للعدالة الدولية تتوافر فيها المساواة بين كافة الدول بغض النظر عن قوتها ، وهذا المقال يعكس رغبة عبرت عنها في العديد من مقالاتي ودراستي سواء بشكل مهني كدبلوماسي ومدير لإدارة المعاهدات بوزارة الخارجية ، أو ككاتب مهتم بتطوير القواعد الدولية الحاكمة للسلوك الدولي بشكل عام .






