03 - 03 - 2026

الحرب المؤجَّلة بين القاهرة وتل أبيب

الحرب المؤجَّلة بين القاهرة وتل أبيب

في زحام التصريحات المُعلّبة، والبيانات الدبلوماسية المنمّقة، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا في الهواء: ماذا تريد إسرائيل حقًا من الشرق الأوسط؟ هل تسعى إلى أمنٍ مستدام كما تقول، أم إلى هندسة شرق أوسط جديد تكون فيه اليد العليا بلا منازع؟ قراءة المشهد بهدوء تكشف أن الطموح يتجاوز حدود الدفاع إلى مشروع هيمنة كاملة، تكون فيه إسرائيل القوة الأوحد والعظمى في الإقليم، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، لم تكن استراتيجيته يومًا منفصلة عن مفهوم التفوق النوعي. تفوق في التسليح، في التكنولوجيا، في التحالفات الدولية، وفي القدرة على توجيه ضربات استباقية تحافظ على فجوة واسعة بينها وبين جيرانها. هذا التفوق لم يكن مجرد خيار، بل عقيدة راسخة. ومن يتتبع مسار الحروب العربية الإسرائيلية، يدرك أن الهدف لم يكن فقط صدّ الخطر، بل إعادة تشكيل موازين القوى بما يضمن بقاء الكلمة الأخيرة دائمًا في تل أبيب.

المنطقة اليوم تعيش حالة سيولة غير مسبوقة: دول تتفكك، وأخرى تنشغل بأزماتها الداخلية، وثالثة تعيد حساباتها بين محور وآخر. في هذا المناخ، تتحرك إسرائيل بخطوات محسوبة، توسّع دوائر التطبيع، تعمّق علاقاتها الاقتصادية، وتوظف تفوقها التكنولوجي لبناء شبكة مصالح تجعل وجودها ضرورة لا يمكن تجاوزها. إنها لا تريد مجرد اعتراف، بل تريد مركز القيادة.

لكن في قلب هذا المشهد تبقى مصر. ليست مجرد دولة جوار، بل دولة ثقل تاريخي وجغرافي وعسكري. منذ توقيع اتفاقية السلام في أواخر السبعينيات، دخلت العلاقة المصرية الإسرائيلية مرحلة جديدة، اتسمت بالهدوء الرسمي والحذر المتبادل. إلا أن الهدوء لا يعني ذوبان التناقضات. فمصر، بحجمها وموقعها وسيطرتها على قناة السويس، تظل اللاعب العربي الأهم في معادلة الأمن الإقليمي.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل المواجهة بين القاهرة وتل أبيب مستبعدة تمامًا؟ أم أنها مجرد حرب مؤجلة، مؤجلة بحسابات اللحظة الدولية، وبميزان القوى الراهن، لكنها تبقى احتمالًا قائمًا في حال تغيّرت المعادلات؟ السياسة لا تعرف الثوابت الأبدية. التحالفات تتبدل، والمصالح تعلو وتهبط. وما يبدو اليوم استقرارًا قد يتحول غدًا إلى اختبار صعب.

إسرائيل تدرك أن مصر ليست ساحة يمكن العبث بها بسهولة. الجيش المصري رقم صعب في المنطقة، والدولة المصرية تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراع. لكن في المقابل، تدرك القاهرة أن أي صدام مباشر سيحمل كلفة هائلة على الجميع. ومن هنا تنشأ معادلة الردع المتبادل: لا حرب معلنة، ولا ثقة كاملة.

المشهد إذن ليس أبيض أو أسود. هو مساحة رمادية تتحرك فيها القوى بحذر، تراقب وتنتظر. إسرائيل تسعى إلى تثبيت نفسها قوة لا ينازعها أحد في الشرق الأوسط، ومصر تحافظ على توازنها، تراقب خطوط النار، وتدير مصالحها ببراغماتية واضحة. بين الطموح الإسرائيلي والحسابات المصرية، يبقى الزمن عنصرًا حاسمًا.

قد تمر السنوات دون أن تنفجر مواجهة، وقد تبقى العلاقة في إطارها البارد المحسوب. لكن التاريخ يعلمنا أن الصراعات الكبرى لا تموت، بل تنام. وحين تتغير الظروف، تستيقظ. في شرق أوسط تتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية، لا شيء مستحيل، ولا شيء محسوم إلى الأبد.

مقالات اخرى للكاتب

الحرب المؤجَّلة بين القاهرة وتل أبيب