02 - 03 - 2026

ترام الإسكندرية.. الصورة الذهنية للمدينة

ترام الإسكندرية.. الصورة الذهنية للمدينة

حالة من الحزن تخيم علي سكان مدينة الإسكندرية ، هذا مع رفع قضبان ترام الإسكندرية ، فهو في مخيلة الناس جزء من هوية المدينة ، بل شيء اعتاده الناس في حياتهم اليومية، وسيلة مواصلات نادرة الحوادث رخيصة يستخدمها الفقير والغني، وأكثر المتضررين من إختفائه كبار السن ، لكن الأهم هنا هو الحاجة لطرح نقاش عام والاجابة علي تساؤلات سكان المدينة، في الوقت الذي يجري فيه مد خطوط مترو حديثة فيها، يلغي الترام كوسيلة نقل عام ، فكأننا ألغينا طبقة من تاريخ المدينة العريقة ، لذا فإن علينا جميعا أن نطرح أفكارا وأن نسعي لفهم علاقة الترام بالمدينة .

أحد أسس العلاقة بين الترام والإسكندرية ، هو الأمان ، هذا الأمان هو الذي يجعل الطبقة الفقيرة والمتوسطة في الإسكندرية تطمئن علي انتقال أطفالها من وإلي المدارس دون القلق عليهم ، فلم نسمع يوما حادثا للترام يقلقهم علي أولادهم ، لذا تري الأباء والأمهات يقبلون أن يتحرك أطفالهم إلي المدارس عبر الترام ، فرفع الترام في منتصف العام الدراسي شكل صدمة لهؤلاء ، وأصبح تحرك أبنائهم مشكلة تضيف عبئا ماديا علي الأسرة فتذكرة الترام زهيدة ولا تشكل عبئا علي موازنة الأسرة.

العاطفة والحنين يشكلان جانبا مهما في علاقة الترام بالاسكندرية ، لذا حين قام هاني المسيري المحافظ السابق للاسكندرية باستدعاء عربة ترام قديمة وتسييرها علي خط محطة الرمل إلي سان ستيفانو لاقي ترحيبا خاصة مع استخدام هذه العربة كمقهي، فصارت محفزة لزوار المدينة من مختلف محافظات مصر، وهنا نري أيضا افتقاد زوار الاسكندرية للترام الذي كان يسهل تحركهم داخل المدينة ،من شرقها إلي غربها ، وهذا ما كان يساعد المحلات والمطاعم باقبال هؤلاء عليها ، فأنت إذا تنقلت بيسر فلا شك ستكون حركتك عبر المدينة أفضل، لذا روج الترام لحركة التجارة والتسوق ، فإلغاء الترام واحلال الطرق السريعة مكانه يعني ضمنا خسارة كبيرة لكل المحلات والمطاعم التي تقع علي مساراته .

ارتبط الترام إذا بالحياة اليومية للناس واعتادوه في الإسكندرية إلي درجة جعلت رفع قضبانه حدثا حزينا ، لذا لكي نخفف من هذا الحزن علينا أن ندرك أن عشرات ممن تعاملوا مع الترام شكل في مخيلتهم شيئا جري التعاطي معه ، ليس بالاستخدام بل بالتفاعل الذهني ، فالروائيين الذين تناولوا الإسكندرية منذ مطلع القرن العشرين كان الترام يشكل مشاهد متتابعه في رواياتهم ، كما أن الترام ومحطاته كان يشكل ذكريات بين الجميع من الصعب محوها فهي مكان للالتقاء ليس بين الأحبة والأصدقاء ، بل أيضا بين غريبين يلتقيان لأول مرة .

حين رفعت قضبان وعربات ترام الإسكندرية أنت سلخت من ذاكرة المدينة جلدها الذي كان يغطيها ويجعل لها نكهة خاصة ، لذا في هذا السياق نأمل من محافظ الإسكندرية الجديد أن يفكر مليا في كيفية التعاطي مع الذاكرة المرتبطة بالترام ، والحل يكمن في اقامة متحف للترام في مخازنه بمنطقة سيدي جابر ( مخزن مصطفي كامل )  أي في  وسط المدينة ، بحيث يضم عرباته القديمة وكل ما ارتبط به من أدوات وتذاكر وصور ووثائق ، وهذا المتحف في هذه المنطقة سيجعل الأطفال والكبار والزوار يجدون متحفا يروي قصة تحديث الاسكندرية هذه المدينة التي شهدت في نهايات القرن 19 تحديثا سبقت به حتي العاصمة القاهرة ، لذا فان ترام الاسكندرية جزء من تراث المدينة بل تراث مصر الذي لو تم تكهينه وبيعه سيشكل خسارة كبري ، وأنا أثق أن محافظ الاسكندرية المهندس أيمن عطية لديه من القدرة علي القيام بذلك ، وهذا ما سيعطي الاسكندرية التي نافست في بدايات القرن العشرين المدن الأوربية في هذه الخدمة  بعدا سياحيا وتراثيا هاما ، فقد أشادت صحافة أوربا بترام الاسكندرية ، وعد في أوائل القرن العشرين نموذجا من الانضباط غير المسبوق ، ولا ننسي أن مده إلي فيكتوريا كان سببا في ازدهار شرق المدينة ، لذا فان دور الترام ليس وسيلة نقل فحسب بل حياة رواها الرواه و نسجت حوله المخيلة الشعبية قصصا ومعجزات واسألوا سيدي أبوالدراداء سيحكي لكم الكثير حول الترام والاسكندرية . 
-----------------------------
بقلم: د. خالد عزب 


 

مقالات اخرى للكاتب

ترام الإسكندرية.. الصورة الذهنية للمدينة