فوجئ الجميع بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران رغم تصريحات ترامب الداعمة للتفاوض والوصول لصفقة، وحتى الساعات الأخيرة السابقة للهجوم قال نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" إن ترامب مصر على الحل السلمي مع إيران، وفي ذات الوقت حذرت القيادة العسكرية الأمريكية من مغبة الهجوم.
الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران (يوم السبت 28 فبراير 2026) صدم الكثيرين الذين كانوا يعولون على "دبلوماسية الصفقات" التي أشتهر بها ترامب، مما وضع الأنظمة الحاكمة بالشرق الأوسط، والمحللين العسكريين والسياسيين والإستراتيجيين الذين عولوا على تلك الدبلوماسية في حيرة من أمرهم، وسؤال لماذا الآن والمفاوضات تسير في مسقط وجنيف على ما يرام (؟)
اجتماع جنيف (يوم الخميس 26 فبراير 2026) كان المحرك للهجوم، حيث قدم المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط اليهودي ستيف ويتكوف، خطة اتفاق اعتبرتها طهران وثيقة استسلام، نصت على التفكيك الكامل لمنشآت "فوردو" و"نطنز" و"أصفهان".. ونقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية.. والتوقيع على اتفاقية بالحظر الأبدي لأي نشاط نووي.. كما طالبت الوثيقة بمنح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الدخول لأي موقع عسكري أو نووي دون إخطار مسبق، والسماح للمفتشين بمقابلة علماء الذرة الإيرانيين والتحقيق معهم، وهو ما اعتبرته طهران عملاً استخباراتياً مغلفاً بغطاء دولي، واختراق أمني وليس رقابة نووية.. كما نصت الوثيقة على إدراج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الفصائل كشرط مسبق لرفع العقوبات، وهو ما رفضته إيران، ووصفت المطالب بأنها استسلام مما أدى لتمزيق مسودة الاتفاق، ووصول المفاوضات لطريق مسدود في ساعاتها الأخيرة، وبدء العد التنازلي للضربة العسكرية.
وكان ترامب قد قال (يوم الجمعة 27 فبراير 2026) "أنا غير راضٍ عن مفاوضات الأمس، وأفضّل التوصل إلى اتفاق، ولا أرغب في استخدام القوة العسكرية، ولكن في بعض الأحيان لا يوجد خيار آخر".
وفي سياق متصل، أعلنت طهران فجر الأحد (أول مارس 2026) أي اليوم التالي للهجوم، تعليق عمل جميع مفتشي الوكالة الدولية، وطردهم من البلاد، معتبرة أن المنشآت النووية الآن هي مناطق حرب، وليست مواقع مدنية تخضع للرقابة.
ترامب الكذوب، مارس عادة الرؤساء الأمريكيين السابقين في الكذب، وهنا نتذكر أكاذيب بوش عند الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وأيد أكاذيبه الكاذب البريطاني توني بلير، بالادعاء بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، دون تعليق من رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية المصري محمد البرادعي، ترامب مارس أكاذيبه وادعى في خطاب حالة الاتحاد، إحياء إيران لبرنامجها النووي سراً، وامتلاكها صواريخ قادرة على الوصول للعمق الأمريكي، وهو ما استخدمه كذريعة للضربة الاستباقية، كما أدعى مندوب أمريكا بمجلس الأمن أن طهران حاولت اغتيال ترامب عبر وكلاء لها بالولايات المتحدة.
ترامب الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بأنه رجل السلام ونجح في إيقاف 8 حروب، ولذلك من حقه الحصول على جائزة نوبل للسلام، واعتاد على ممارسة الضغوط القصوى على خصومه لتحقيق نصر كبير وسريع، حتى لو دفعته غريزته لاختطاف رئيس فنزويلا، وفرض حصار على كوبا تسبب في قطع وصول النفط والكهرباء للدولة المعارضة، ضاق ذرعاً في الملف الإيراني، لاكتشافه أن الصفقة التي يريدها لا يمكن انتزاعها إلا بكسر إرادة الخصم عسكرياً بعد أن فشل الدبلوماسيون في جنيف في تقديم "وثيقة استسلام" مقبولة لطهران، أو تغيير نظامها، وذلك ما وضح في تصريحاته بعد الهجوم، بتوجيه رسالة للشعب الإيراني قائلاً "إن هذه هي فرصتكم لاستعادة بلادكم"، وقال لـABC News "لدي تصور واضح للغاية بشأن من سيتولى قيادة إيران في المرحلة المقبلة"، مما يشير إلى أن الهدف تجاوز الصفقة لمحاولة إسقاط النظام أو شلّ قدراته تماماً، والملاحظ أنه لم يتحدث عن العودة لطاولة المفاوضات.
على كلٍ، الضربات استهدفت أكثر من 500 هدف في 28 منطقة بـ 24 محافظة إيرانية، وفقا للتصريحات الأمريكية والإسرائيلية، منها مقر المرشد الأعلى علي خامنئي بوسط طهران، ومباني وزارة الدفاع، والاستخبارات، والقضاء، والقصر الرئاسي، ومجمع أصفهان (وهو منشأة لتخصيب اليورانيوم ومواقع أبحاث) ومفاعل فوردو، وموقع نطنز، ومراكز أبحاث وتقنيات نووية حساسة في كرج وقم، ومواقع الحرس الثوري في (تبريد، كرمان شاه، خرم آباد، ودزفول) وأنظمة الدفاع الجوي، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية.
ومن باب الإنسانية الأمريكية الإسرائيلية، وكما اعتادوا، تم قصف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 تلميذة، كما أعلن عن استشهاد 20 لاعبة كرة طائرة إثر استهداف العدوان الإسرائيلي صالة رياضية في مدينة لامرد في محافظة فارس جنوب إيران.
الرد الإيراني لم يتأخر، وشنت طهران 23 موجة هجومية، بقصف 6 قواعد رئيسية بالصواريخ والطائرات المسيرة في (قطر، الكويت، البحرين (حيث مقر الأسطول الخامس) والأردن، والإمارات، وشمال العراق) واستهدفت حيفا، تل أبيب، والقدس، كما أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف وزارة الدفاع الإسرائيلية وقواعد عسكرية وأهداف، كما أعلن الحرس الثوري رسمياً إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية، مما أدى لقفزة جنونية في أسعار النفط.
** التباكي على السيادة
دول الخليج، والأردن، والمقاول التنفيذي للمشروع الصهيو أمريكي أردوغان يتباكون على السيادة التي انتهكتها إيران، علماً بأن إيران لم تنتهك سيادتهم المنتهكة أصلا بفضل القواعد الأمريكية، التي جلبوها لبلدانهم وأنفقوا عليها مليارات الدولارات، وساهموا ومعهم أردوغان في إسقاط دول وتفكيكها (ليبيا، وسوريا، والسودان، واليمن، والعراق)
المقاول التنفيذي أردوغان وصف الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي بأنه "انتهاك للسيادة"، لكنه في الوقت ذاته انتقد الرد الإيراني على القواعد في الخليج. المحللون يرون أن أردوغان يحاول موازنة دوره كعضو في الناتو مع رغبته في عدم رؤية "إيران محطمة" مما يزيد من أزمة اللاجئين في تركيا.. ودول الخليج أدانت ما وصفته بالعدوان الإيراني على أراضيها، بينما تلتزم الصمت تجاه حقيقة أن الهجوم على إيران انطلق من أراضيها أو عبر أجوائها، والأردن الباكية على سيادتها تحتضن منشآت عسكرية حساسة تُعد "رئة" للعمليات الأمريكية والبريطانية في المنطقة وهي: قاعدة "موفق السلطي" الجوية التي تُعد من أهم القواعد التي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية والبريطانية لإطلاق طائرات الاستطلاع والمسيرات، ومقاتلات F-15 وF-16 التي شاركت في اعتراض المسيرات الإيرانية في المواجهات السابقة، وقاعدة التنف (على الحدود السورية الأردنية) رغم أنها تقع فنياً داخل سوريا، إلا أن الإمداد اللوجستي والحماية الرادارية لها يعتمدان كلياً على الأراضي الأردنية.
الواقع الميداني، طهران تنظر للأردن كمنصة اعتراض متقدمة للكيان الصهيوني وللقواعد الأمريكية، لذلك يتم استهدافها لفتح ممر آمن لصواريخها باتجاه العمق الإسرائيلي، خاصة وأن التقارير أكدت أن الدفاعات الجوية الأردنية، بمساعدة أنظمة "باتريوت" الأمريكية المتمركزة بأراضيها، انخرطت منذ الساعات الأولى في اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية المتجهة نحو إسرائيل. مما جعل الأجواء الأردنية "ساحة معركة" مفتوحة، ويجعل من القواعد الموجودة هناك أهدافاً مشروعة في "العقيدة العسكرية" للحرس الثوري.
من الواضح أن إيران تركز على توجيه ضربات للقواعد الأمريكية في الإمارات التي تعد مركزاً استراتيجياً حيوياً للقوات الأمريكية في الخليج، حيث تضم منشآت توفر دعماً جوياً وبحرياً ولوجستياً لا غنى عنها للعمليات الجوية التي يقودها ترامب حالياً (قاعدة الظفرة الجوية بأبو ظبي، وهي القاعدة الوحيدة في المنطقة التي استضافت طائرات F-22 Raptor وF-35 الشبحية، بالإضافة إلى طائرات التزويد بالوقود وطائرات الاستطلاع "U-2"، وميناء جبل علي في دبي، ويمثل ركيزة عسكرية بحرية، وقادر على استيعاب حاملات الطائرات العملاقة، وقاعدة الفجيرة البحرية، وهي توفر طريقاً بديلاً للإمداد بعيداً عن مضيق هرمز، فضلاً عن مطار دبي الدولي الذي تتواجد قربه مرافق مدنية تستخدمها القوات الأمريكية).. والبحرين (قاعدة الجفير) وقطر (قاعدة العديد حيث القبة الردارية) والكويت التي تعد مركز الثقل اللوجستي ( قاعدتي أحمد الجابر وعلى السالم الجويتين، ومعسكر عرفجان) والسعودية حيث الوجود الاستراتيجي ( قاعدة الأمير سلطان الجوية بالخرج، وقاعدة الملك فيصل البحرية بجدة) أما العراق فهي التمركز القتالي والاستخباراتي (قاعدة عين الأسد الجوية بالأنبار، وقاعدة الحرير بأربيل، ومجمع فيكتوري وقاعدة الصقر قرب بغداد وهي تستخدم للتنسيق والعمليات الخاصة) وسوريا (قاعدة التنف، قواعد حقول النفط "عمر وكونيو" بدير الزور، وقواعد في الحسكة والقامشلي).
لذلك تركز إيران حالياً على استراتيجية "ضرب المفاصل" بتوجيه ضربات لتلك القواعد لشل الدعم اللوجستي وإنهاك الدفاعات الجوية واستنزافها، فهي تريد إجبار منظومات "باتريوت" و"ثاد" في الخليج على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وشغل الرادارات الأمريكية، حتى تتمكن من توجيه ضربات مؤلمة للكيان الصهيوني بموجة كبرى من الصواريخ الباليستية العابرة والمتطورة باتجاه تل أبيب وحيفا ومنشآت الغاز الإسرائيلية، وحاملات الطائرات ذلك الصيد الثمين.
إيران انتقلت إلى الهجوم النشط، لتحويل القواعد الأمريكية من "أصول قوة" إلى "عبء أمني" على الدول المستضيفة، وتحطيم هيبة الحاملات والقواعد الأمريكية، لإفقاد واشنطن السيطرة على حلفائها وتجبرها على التراجع.
نحن الآن أمام حرب استنزاف مفتوحة، يراهن خلالها ترامب على انهيار النظام من الداخل، بينما تراهن إيران على تكبيد الاقتصاد العالمي خسائر لا تُحتمل عبر النفط والمضائق، والعرب يتباكون على سيادتهم المنقوصة.
-----------------------------
بقلم: محمد الضبع






