لماذا قد يغير زبادي الفطور مصير الكون؟ رحلة في أغرب نظريات الكم ، فيزياء الكم والجينات والتنمية: لماذا 'السياق' هو البطل الحقيقي في حياتنا. السياقية في الفيزياء الكمية.. المفهوم الوحيد الذي ينكر واقعنا اليومي، الواقع وهم؟ كيف تخبرنا الفيزياء أن سياق حياتك يخلق عالمك.
و ميكانيكا الكم تخاطب العرب: لماذا قال الصوفيون 'كل شيء متصل' قبل ألف عام؟. الغموض ليس عيباً: ما تخبرنا به الفيزياء عن حدود المعرفة الإنسانية، وهذا السر الذي لا تدرسه الجامعات: السياقية، وأغرب مفارقات الوجود، الفيزياء تقول: أنت لست مراقباً محايداً، أنت جزء من المعادلة.
السياقية: نظرية الكم التي تقول إنك تصنع واقعك بوعيك، الكون ليس كما تظن: كيف تعتمد الحقيقة على من يراقبها ومتى وأين، العلم الذي قتل الحتمية: لماذا جيناتك ليست قدرك ولا واقعك مطلقاً. فيزياء الكم تكشف السر الأعظم: لا شيء منعزل، كل شيء سياق. الواقع وهم؟ كيف تخبرنا الفيزياء أن سياق حياتك يخلق عالمك
في زمن نظن فيه أن العالم من حولنا يسير وفق قواعد ثابتة لا تتغير، وأن الأشياء إما موجودة أو غير موجودة بغض النظر عما إذا كنا ننظر إليها أم لا، يأتينا علم الفيزياء الكمية ليقلب هذه التصورات رأساً على عقب. هناك مفهوم واحد في هذا العلم الغريب، ربما يكون الأكثر إزعاجاً وتحدياً لكل ما نعرفه عن الواقع. إنه مفهوم "السياقية"، الذي يشير إلى أن نتائج التجارب لا تعتمد فقط على ما نقيسه، بل على السياق الكامل الذي تجرى فيه هذه التجارب. حتى أن بعض الفيزيائيين يعتبرونه المفهوم الوحيد في ميكانيكا الكم الذي ينكر وجود واقع موضوعي مستقل عن الملاحظة.
قبل أن نتعمق في التفاصيل، دعونا نجري تجربة فكرية بسيطة مع كريس فيري، عالم الفيزياء الكمية والكاتب على منصة ميديام. تخيل أنك تتناول وعاءً من الزبادي اليوناني مع الموسلي المحمص على الفطور. هذا ما فعله فيري صباح أحد الأيام. كان بإمكانه تناول خبز البيغل مع الأفوكادو، أو حتى عدم تناول أي شيء على الإطلاق. لكنه اختار الزبادي والموسلي. سؤال فيري البسيط هو: هل يهتم الكون بما تناوله على الفطور؟ وهل يمكن أن يؤثر هذا الاختيار اليومي البسيط على نتائج تجارب الفيزياء التي سيجريها بعد ساعات في المختبر؟
للوهلة الأولى، تبدو الفكرة سخيفة. لماذا يهتم ضوء الليزر المنعكس عبر البلورات والمرايا بقيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500، ناهيك عن نوع الزبادي الذي تناوله عالم على الفطور؟ لكن هذا بالضبط هو ما يعنيه مفهوم السياقية في الفيزياء الكمية .
ما هي السياقية؟
الظروف التي تُجرى فيها التجربة تسمى "سياقها". عملياً، نحن نميل إلى النظر فقط في بعض العوامل المحدودة، مثل إعدادات الأجهزة في المختبر. لكن ربما تكون درجة حرارة الغرفة مهمة. هل كانت الأضواء مضاءة؟ هل كان الباب مفتوحاً؟ خاصة عندما تسوء الأمور – وهو ما يحدث غالباً في التجارب – فإن السياق هو ما نبحث فيه عن الإجابات .
لكن بعض جوانب السياق تبدو بعيدة جداً عن التجربة. كيف يمكن لشيء يحدث على بعد آلاف الكيلومترات أن يؤثر على سلوك جسيم كمي في مختبر مغلق؟ هذا هو التحدي الذي تطرحه السياقية: لا يوجد سياق مستقل تماماً، وربما يكون الكون كله متشابكاً بطريقة لا نستطيع فهمها.
يقول فيري إن هذا المفهوم نادراً ما يُدرَّس، رغم أنه جوهر الفيزياء الكمية. ربما لأنه مزعج للغاية، ويتحدى بديهاتنا الأساسية عن كيفية عمل العالم. نحن نحب أن نعتقد أن الأشياء لها خصائص ثابتة مستقلة عن ملاحظتنا لها. لكن السياقية تقول العكس: الخصائص تعتمد على السياق الكامل للملاحظة، بما في ذلك أدوات القياس، والبيئة المحيطة، وربما حتى حالة وعي الراصد .
لتوضيح الفكرة، تخيل أنك تريد قياس سرعة سيارة. في العالم الكلاسيكي، يمكنك القيام بذلك بغض النظر عن لون السيارة أو درجة حرارة الهواء أو يوم الأسبوع. هذه العوامل لا تؤثر على سرعة السيارة. لكن في العالم الكمي، الأمور مختلفة. قياس خاصية معينة لجسيم كمي، مثل موضعه أو سرعته، قد يتأثر بكيفية إجراء القياس، وبالأدوات المستخدمة، وربما بقياسات أخرى أجريت على الجسيم في الماضي.
تعليقات القراء: نقاش فلسفي عميق
التعليقات على مقال فيري تكشف عن عمق النقاش الذي يثيره هذا المفهوم، وتظهر أن القراء من مختلف أنحاء العالم يتفاعلون مع هذه الأفكار بحماس فلسفي.
كارتل أركانيت كتب تعليقاً عميقاً يستحق التأمل: "لست بحاجة إلى فيزياء الكم لأعرف أن الواقعية العلمية معيبة، أو على الأقل مُضللة. إذا حللناها إلى مقدماتها الأساسية، فسنجد: أ الكون موجود، ب. وجوده مستقل عن أي إدراك له، ج. وجوده يمكن معرفته من خلال العلم. المقدمة الثالثة هي الأضعف، لأن كل ما نعرفه عن الكون يأتي من خلال الإدراك البشري" .
هذا التعليق يلامس مشكلة فلسفية عميقة: كيف يمكننا التأكد من أن معرفتنا بالكون موضوعية، وهي تأتي إلينا عبر حواسنا وأدواتنا التي تشكل جزءاً من هذا الكون؟ نحن لا ننظر إلى الكون من خارجه، بل من داخله، وأدواتنا هي أيضاً جزء من الواقع الذي ندرسه. هذا يجعل الفصل بين الراصد والمرصود أمراً مستحيلاً من الناحية المبدئية. إنه تذكير بأن العلم، رغم قوته، يظل نشاطاً بشرياً يخضع لحدود الإدراك البشري.
ويليام ميليوت أضاف بعداً آخر مثيراً للتفكير: "لكن الاعتقاد بأن الكون لا يكترث بما تناولته على الإفطار يعني أنه يجب عليك أيضاً التخلي عن الواقع، أو على الأقل عن الواقعية العلمية. إذن، إلى أين يقودنا هذا؟ سأقول إنه في مرحلة ما، يجب عليك أن تقبل أن الكون قد انهار مؤقتاً على الأقل، وتصلب في حالتنا الحالية من الواقع، حتى لو لم يكن من الممكن إثبات ذلك من خلال الفيزياء. لا توجد طريقة لإثبات أن الكون الحالي هو الحالة الحقيقية وليس مجرد وهم" .
هذا التعليق يصل بنا إلى حافة الشك الفلسفي المطلق. إذا كنا لا نستطيع إثبات أن واقعنا حقيقي، فكل شيء ممكن. لكن معظمنا يختار العيش كما لو أن العالم حقيقي، لأن هذا هو الخيار العملي الوحيد. ويليام يلمح إلى فكرة عميقة: نحن نعيش في حالة "انهيار" مؤقت للواقع، حالة نتفق عليها جميعاً، لكن لا يمكننا إثباتها بشكل مطلق.
إنجفار جريجس علق ببساطة وإعجاب: "أحسنت! لقد تم شرح الحجة التحليلية التركيبية القائمة على نظرية السياق بشكل جيد" . هذا التعليق من قارئ متخصص يشير إلى أن فيري نجح في تقديم مفهوم معقد بطريقة مفهومة، وأن مقاله لاقى استحسان حتى الخبراء في المجال.
هذه التعليقات تظهر أن السياقية ليست مجرد نظرية فيزيائية جافة، بل هي مفهوم يمس أسئلة وجودية تهم كل إنسان: ما هو الواقع؟ كيف نعرفه؟ وهل معرفتنا ممكنة أصلاً؟
ماذا يعني هذا لنا في حياتنا اليومية؟
قد يسأل قارئ: وما علاقة هذه الفلسفة المعقدة بحياتنا اليومية؟ الإجابة قد تكون أعمق مما نتصور، وتمتد لتشمل طريقة تفكيرنا في أنفسنا وفي الآخرين وفي العالم من حولنا.
إذا كانت السياقية تعني أن نتائج أي قياس تعتمد على السياق الكامل، فهذا ينطبق على حياتنا أيضاً. نحن لسنا كائنات منعزلة في فراغ. أفكارنا، مشاعرنا، قراراتنا، كلها تتأثر بسياقنا الكامل: تربيتنا، ثقافتنا، علاقاتنا، حالتنا النفسية، وحتى ما تناولناه على الفطور.
هذا يذكرنا بأهمية النظر إلى السياق الكامل في فهم سلوك الآخرين. عندما نحكم على شخص بأنه كسول أو فاشل أو سيئ، غالباً ما ننسى أن ننظر إلى السياق الذي يعيش فيه. ربما يكون مرهقاً بسبب ظروف عائلية صعبة، أو يعاني من مشاكل صحية غير مرئية، أو يواجه ضغوطاً اقتصادية لا نعرف عنها شيئاً.
كما أن مفهوم السياقية يذكرنا بالتواضع الفكري. معرفتنا بالعالم محدودة دائماً، ومشروطة بأدواتنا ونظرياتنا. هناك دائماً سياق أوسع قد نكون غافلين عنه، يؤثر على ما نراه ونقيسه. هذا لا يعني أن معرفتنا عديمة القيمة، بل يعني أننا يجب أن نكون متواضعين تجاهها، ومنفتحين دائماً على إمكانية وجود جوانب أخرى للواقع لم نكتشفها بعد.
في العلاقات الإنسانية، السياقية تعني أننا لا نستطيع فهم شخص بمعزل عن علاقاته وتاريخه وبيئته. كما أن قراراتنا ليست نتاج إرادة حرة مطلقة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين إرادتنا والسياق الذي نوجد فيه.
دروس للعالم العربي: بين العلم والفلسفة
ما تقدمه هذه المقالة من دروس يتجاوز حدود الفيزياء، ويمس طريقة تفكيرنا في العالم وفي أنفسنا، ويفتح آفاقاً جديدة للتفكير في تراثنا الفكري والعلمي.
أولاً: تشجيع التفكير الفلسفي. في عالمنا العربي، نميل أحياناً إلى الفصل بين العلم والفلسفة، ونظن أن العلم يقدم إجابات نهائية بينما الفلسفة مجرد تخمينات. لكن أسئلة فيزياء الكم تذكرنا بأن الحدود بينهما غير واضحة، وأن التفلسف جزء أساسي من العلم. أعظم علماء الفيزياء، من أينشتاين إلى بور إلى هايزنبرغ، كانوا أيضاً فلاسفة عميقين.
ثانياً: التواضع أمام المعرفة. مفهوم السياقية يذكرنا بأن معرفتنا محدودة ومشروطة. هذا التواضع الفكري مهم في زمن يظن فيه البعض أن العلم قد أجاب على كل الأسئلة. بل على العكس، كلما اكتشفنا المزيد، كلما اتسعت دائرة ما نجهله.
ثالثاً: الاهتمام بالعلوم الأساسية. الفيزياء الكمية قد تبدو بعيدة عن التطبيقات العملية، لكنها الأساس الذي تقوم عليه تقنيات الحوسبة الكمومية والاتصالات الآمنة وأجهزة الليزر والترانزستورات التي تعمل بها هواتفنا الذكية. الاستثمار في العلوم الأساسية هو استثمار في مستقبل التكنولوجيا.
رابعاً: الترابط الكوني. مفهوم السياقية يعزز فكرة أن كل شيء مترابط. في عالم يعاني من التشرذم والانقسام، تذكرنا الفيزياء بأننا جميعاً جزء من نسيج كوني واحد. لا يوجد شيء منعزل حقاً، وكل فعل يترك أثراً في مكان آخر.
خامساً: التسامح مع الغموض. الثقافة العربية الإسلامية لديها تراث غني في التعامل مع الغموض واللايقين. التصوف والفلسفة الإسلامية تعاملت مع أسئلة مشابهة حول طبيعة الواقع والإدراك. إحياء هذا التراث في ضوء العلم الحديث قد يثري فهمنا ويمنحنا أدوات جديدة للتعامل مع تعقيدات العصر.
سادساً: تحفيز الفضول العلمي. مقالات مثل مقال فيري تذكر الشباب العربي بجمال العلم ومتعة التفكير. نحن بحاجة إلى المزيد من هذا النوع من الكتابة العلمية المبسطة والعميقة في نفس الوقت، التي تشعل الفضول وتغذي العقل.
خاتمة: الكون الغريب الذي نعيش فيه
في النهاية، تعيدنا السياقية الكمية إلى سؤال قديم قدم الفلسفة: ما هو الواقع؟ هل هو مستقل عنا تماماً، أم أننا نشارك في خلقه بمجرد ملاحظتنا له؟
الإجابة، كما يبدو، معقدة وغامضة. الفيزياء الكمية تخبرنا أن الكون أغرب مما نتصور، وأن بديهاتنا اليومية قد لا تنطبق على المستوى الأساسي للوجود. السياقية تذكرنا بأن الخصائص ليست مطلقة، بل تعتمد على سياق الملاحظة.
لكن هذا الغموض ليس مدعاة للقلق، بل هو مصدر إلهام وتأمل. كما قال أينشتاين، "أجمل ما يمكن أن نعيشه هو الغموض. إنه مصدر كل فن حقيقي وكل علم". السياقية تذكرنا بأن هناك دائماً المزيد لاكتشافه، وأن واقعنا اليومي قد يكون مجرد طبقة سطحية فوق محيط عميق من الغرابة الكمومية.
ففي المرة القادمة التي تتخذ فيها قراراً بسيطاً، مثل اختيار وجبة الإفطار، تذكر أن هذا القرار قد يكون، بطريقة ما لا نفهمها بعد، مرتبطاً بنسيج الكون ذاته. ليس لأن الزبادي والموسلي لهما قوى سحرية، بل لأننا جميعاً، بكل أفعالنا وخياراتنا، جزء من سياق كوني واحد متكامل. نحن لسنا مراقبين منفصلين، بل مشاركين فاعلين في هذا الكون الغامض.
وكما قال أحد المعلقين، "في مرحلة ما، يجب عليك أن تقبل أن الكون قد انهار مؤقتاً على الأقل، وتصلب في حالتنا الحالية من الواقع". وهذا القبول هو بداية الحكمة. القبول بأن معرفتنا محدودة، وأن الواقع أكثر تعقيداً مما نتصور، وأن الغموض جزء لا يتجزأ من الوجود.
السياق والجينات وما فوق الجينات والكم: عندما يلتقي العلم الأصغر بالعلم الأكبر في فهم التنمية البشرية
قد يتساءل قارئ: وما علاقة كل هذا الفلسفي العميق عن السياق الكمومي بحياتنا اليومية وبجيناتنا وبطريقة تطورنا كبشر؟ الإجابة المذهلة أن العلاقة أوثق مما نتصور، وأن المفاهيم التي تبدو مجردة في فيزياء الكم تجد لها تطبيقات مدهشة في فهمنا للوراثة والتطور والتنمية البشرية.
في عالم الوراثة التقليدي، كنا نعتقد أن الجينات هي سيد الموقف. كان النموذج السائد بسيطاً: جينات محددة تسبب صفات محددة. لديك جين العيون الزرقاء، فستكون عيونك زرقاء. لديك جين مرض معين، فسيصيبك المرض حتماً. هذا النموذج الحتمي يشبه النظرة الكلاسيكية للعالم، حيث لكل سبب نتيجة محددة وثابتة بغض النظر عن السياق.
لكن العلم الحديث قلب هذه النظرة رأساً على عقب. تماماً كما تخبرنا السياقية الكمومية أن نتيجة القياس تعتمد على سياق التجربة كله، يخبرنا علم الوراثة الحديث أن التعبير عن الجينات يعتمد على السياق الخلوي والبيئي كله. الجين ليس كياناً منعزلاً يعمل في فراغ، بل هو جزء من شبكة معقدة من التفاعلات.
هذا هو بالضبط ما يعنيه علم "ما فوق الجينات" أو "علم الوراثة فوق الجينية". هذا المجال الثوري يدرس كيف يمكن للعوامل البيئية ونمط الحياة أن تغير طريقة عمل جيناتنا، دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه. بعبارة أخرى، السياق الذي نعيش فيه يقرر أي الجينات تُشغَّل وأيها تُطفأ.
تخيل أن جيناتك هي مكتبة ضخمة تحتوي على آلاف الكتب. علم الوراثة التقليدي يهتم بالكتب نفسها، أي تسلسل الحمض النووي. أما علم ما فوق الجينات فيهتم بكيفية قراءة هذه الكتب. أي الصفحات مفتوحة، وأيها مغلقة، وأيها تُقرأ بصوت عالٍ، وأيها تبقى صامتة.
السياق البيئي – التغذية، التوتر، العلاقات، التلوث، وحتى التجارب العاطفية – يمكن أن يضيف علامات كيميائية إلى الحمض النووي أو البروتينات المرتبطة به، تغير من طريقة قراءة الجينات. هذه العلامات يمكن أن تنتقل من خلية إلى أخرى عند الانقسام، بل وفي بعض الحالات من جيل إلى جيل.
هذا يعني أن ما نعيشه اليوم يمكن أن يؤثر على صحة أطفالنا وأحفادنا. تجارب الجوع، الحروب، التوتر المزمن، كلها تترك بصماتها على الطريقة التي تُقرأ بها جينات الأجيال القادمة. إنها السياق الكبير الذي يمتد عبر الزمن.
لنأخذ مثالاً صادماً: دراسات على ناجين من مجاعة هولندا في نهاية الحرب العالمية الثانية أظهرت أن أطفال الذين عانوا من الجوع في الرحم كانوا أكثر عرضة للسمنة وأمراض القلب في مرحلة البلوغ، حتى لو كانوا يتغذون جيداً بعد الولادة. الجوع في الرحم غيَّر الطريقة التي تُقرأ بها جينات التمثيل الغذائي، وهذا التغيير استمر مدى الحياة.
هذا يشبه تماماً مفهوم السياقية في الكم: نتيجة القياس (صحة الطفل) لا تعتمد فقط على جيناته (النظام المقاس)، بل على السياق الكامل الذي تطور فيه (التغذية أثناء الحمل). لا يمكن فصل الطفل عن تاريخه الغذائي.
في الفيزياء الكمومية، اكتشفنا ظاهرة "التشابك الكمومي"، حيث يصبح جسيمان مرتبطين بحيث أن أي تغيير في أحدهما يؤثر فوراً على الآخر، حتى لو كانا على طرفي الكون. هذا المفهوم، الذي بدا خيالياً في البداية، أصبح اليوم حقيقة مثبتة تجريبياً.
في عالم التنمية البشرية، هناك ترابط مشابه. نحن لسنا كيانات منعزلة. قراراتنا تؤثر على الآخرين، وتجارب الآخرين تؤثر علينا. العلاقات الإنسانية تشكل هويتنا وصحتنا النفسية والجسدية. دراسات طولية امتدت لعقود أظهرت أن جودة العلاقات الاجتماعية في منتصف العمر هي أفضل مؤشر للصحة في الشيخوخة، أفضل من الكوليسترول أو ضغط الدم.
التواصل الإنساني، خاصة في السنوات الأولى من الحياة، يغير طريقة عمل الدماغ. الأطفال الذين ينشأون في بيئات دافئة ومحبة تتطور أدمغتهم بشكل مختلف عن أولئك الذين يعيشون في بيئات قاسية أو مهملة. السياق العاطفي يقرر أي الدوائر العصبية تُقوى وأيها تضعف.
مبدأ اللايقين لهايزنبرغ ينص على أننا لا نستطيع قياس موضع وسرعة جسيم بدقة في نفس الوقت. كلما عرفنا أحدهما بدقة أكبر، كلما قلَّت معرفتنا بالآخر. هذا ليس عيباً في أدوات القياس، بل هو خاصية أساسية للكون.
في التنمية البشرية، هناك ليقين مشابه. نحن لا نستطيع التنبؤ بمسار حياة إنسان بدقة كاملة. هناك دائماً عنصر من العشوائية، من الإرادة الحرة، من الظروف غير المتوقعة. طفل يولد في ظروف صعبة قد يصبح عالماً عظيماً. وآخر يولد في أفضل الظروف قد يضيع حياته.
واحدة من أكثر النتائج إثارة في فيزياء الكم هي أن الواقع يبدو وكأنه "يتقبل" إلى حالة محددة فقط عندما نقيسه. قبل القياس، الجسيم موجود في كل الحالات الممكنة في وقت واحد، في "تراكب كمومي". هذا يشبه القول أن الواقع احتمالي بطبيعته، ويتحدد فقط عندما نتفاعل معه.
في التنمية البشرية، هناك تقبل مشابه. إمكانيات الطفل لا حصر لها في البداية. هو في تراكب من الاحتمالات: يمكن أن يصبح طبيباً، أو مهندساً، أو فناناً، أو فيلسوفاً. كل مسار ممكن نظرياً. لكن مع تقدم العمر، ومع كل خيار نتخذه، وكل تجربة نعيشها، وكل علاقة نبنيها، تبدأ الاحتمالات في التقبل. بعض المسارات تصبح مستحيلة، وبعضها يصبح أكثر احتمالاً.
هذه الأفكار المتشابكة – من فيزياء الكم، وعلم الوراثة فوق الجينية، وعلم النفس التنموي – تقدم لنا رؤية جديدة للتنمية البشرية، خاصة في عالمنا العربي:
أولاً: أهمية الاستثمار المبكر. كما أن الجوع المبكر يترك بصماته على الجينات لمدى الحياة، فإن الحرمان المبكر يترك بصماته على قدرات الإنسان. الاستثمار في الطفولة المبكرة، في التغذية، في التعليم، في الرعاية العاطفية، هو أعلى عائد استثمار يمكن لأي مجتمع أن يحققه.
ثانياً: احترام السياق. لا يمكننا استيراد نماذج تنموية من الغرب أو الشرق وتطبيقها كما هي على عالمنا العربي. السياق الثقافي، التاريخي، الديني، والاجتماعي يختلف. التنمية الناجحة هي التي تأخذ هذا السياق في الاعتبار، وتصمم حلولاً تنبع من الواقع المحلي.
ثالثاً: الترابط الأسري. في ثقافتنا العربية، الأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي شبكة متشابكة من العلاقات والدعم. هذا الترابط، الذي قد يراه البعض تقليدياً، هو في الحقيقة مصدر قوة. العائلات المتماسكة توفر دعماً عاطفياً واجتماعياً واقتصادياً لا يمكن للدولة أن توفره بمفردها.
رابعاً: المرونة والتكيف. اللايقين الكمومي يذكرنا بأن المستقبل لا يمكن التنبؤ به تماماً. خطط التنمية يجب أن تكون مرنة، قابلة للتكيف مع الظروف المتغيرة. الجمود هو أسوأ ما يمكن أن يصيب أي مشروع تنموي.
خامساً: الاعتراف بالإرادة الفردية. الناس ليسوا مجرد أرقام في جداول إحصائية. كل فرد لديه إرادة، وأحلام، وقدرة على الاختيار. التنمية الحقيقية هي التي تمكن الأفراد، لا التي تفرض عليهم مسارات محددة.
ما نحاول قوله في هذه الرحلة من فيزياء الكم إلى جيناتنا إلى تنميتنا البشرية، هو أن كل شيء متصل. لا يوجد فصل حاد بين العلم الأصغر والعلم الأكبر. المبادئ التي تحكم الكون على المستوى الكمومي تجد لها أصداء في طريقة تطورنا ونمونا كبشر.
السياق هو كل شيء. الجينات تعمل ضمن سياق، والخلايا تعمل ضمن سياق، والأفراد يعملون ضمن سياق، والمجتمعات تعمل ضمن سياق. لا يمكن فهم أي شيء بمعزل عن سياقه الكامل.
سؤال للقارئ
هل سبق لك أن تأملت في العلاقة بين وعيك والعالم من حولك؟ كيف يمكن للسياق – تربيتك، ثقافتك، تجاربك، حالتك النفسية – أن يؤثر على الطريقة التي ترى بها الواقع وتفسره؟ وهل تعتقد أن العلم يمكنه الإجابة على الأسئلة الفلسفية الكبرى، أم أن هناك حدوداً لا يمكنه تجاوزها؟ وكيف يمكن للتراث الفلسفي العربي أن يساعدنا في فهم هذه الأسئلة العميقة؟
الكون غريب ورائع، ونحن جزء من غرابته وروعته. فهل نحن مستعدون لاستكشاف هذا الغموض بعقول منفتحة وقلوب متواضعة؟
---------------------------------
كتب - إيهاب محمد زايد






