روشتة من ورق ونغم: لماذا قلم الكاتب أقوى من مشرط الجراح؟، و عندما تداوينا القصيدة: العلم يثبت ما آمن به الشعراء. من "بر-عنخ" إلى مختبرات لندن: الفن كصيدلية للروح و ماذا نقرأ بعد؟.. عندما يتحول الفن إلى دواء والعلم إلى شفاء
بين مشحط الجراح وريشة الفنان: رحلة الشفاء من "إيبيرس" إلى "فانكورت"
منذ أن وقف الإنسان الأول أمام جدار الكهف ليرسم خوفه وأمله، كان يمارس فعل "التشفي" قبل أن يعرف مصطلح "العلاج". واليوم، في وقتٍ يهرع فيه العالم نحو رقمنة الأجساد وحصر الشفاء في المعامل الكيميائية، تعود العلوم الحديثة -بقيادة أبحاث البروفيسورة ديزي فانكورت- لتؤكد حقيقةً أدركها أجدادنا الأوائل: أن النفس لا تُشفى بمعزل عن الروح، وأن الفن ليس ترفاً، بل هو ضرورة بيولوجية.
لقد آمن المصري القديم منذ آلاف السنين بأن الكلمة والنغمة واللون هي خيوط في نسيج "الماعت" (النظام والعدل والانسجام الكوني). لم تكن جدران المعابد مجرد استعراض للقوة، بل كانت "مستشفيات بصرية"؛ حيث كان اللون الأخضر (Wadj) يرمز للبعث والشفاء، واللون الأزرق السماوي يهدئ الروع. وفي الوقت الذي نكتشف فيه اليوم أثر الموسيقى على موجات الدماغ، كان الكهنة والأطباء في "بر-عنخ" (بيت الحياة) يستخدمون التراتيل الموزونة لضبط إيقاع الجسد المختل، مدركين أن "الذبذبة" هي أصل الصحة.
خفض التوتر: القراءة والموسيقى تخفضان مستويات هرمون الكورتيزول.
هذا الترابط الأزلي بين الفن والطب الذي أسسه الفراعنة، يجد اليوم صداه في المختبرات العالمية التي تثبت بالأرقام أن قراءة رواية تعيد صياغة مساراتنا العصبية، وأن التأمل في لوحة يخفض مستويات الكورتيزول كما يفعل الدواء تماماً. إننا اليوم لا نكتشف شيئاً جديداً بقدر ما نحن "نتذكر" حكمة قديمة غابت عنا في ضجيج الحداثة: أن الفن هو الدواء الذي لا يحتاج لوصفة طبية، والشفاء الذي يسكن في تفاصيل الجمال.
في زمن نتصور فيه أن الطب محصور في العقاقير والجراحات، وأن الشفاء يأتي فقط من زجاجات الدواء وأسرّة المستشفيات، تأتينا كتب جديدة لتقلب هذه المعادلة رأساً على عقب: ماذا لو كانت الرواية التي تقرأها، واللوحة التي تتأملها، والموسيقى التي تستمع إليها، كلها أدوية حقيقية تؤثر في صحتك كما تؤثر في روحك؟ وماذا لو كان قلم الكاتب أقوى من مشرط الجراح في بعض الأحيان؟
أعرف أن بعضكم قد سئم من اختياري للروايات الديستوبية القاتمة (الديستوبية القاتمة" هي تصوير مستقبلي مرعب لمجتمع يبدو مثالياً لكنه في الحقيقة كابوس قمعي تفقد فيه الإنسانية حريتها وهويتها تحت حكم طاغية أو نظام شمولي).
كتاباً غير روائي، لكنه يتعامل بعمق مع الثقافة والفن وتأثيرهما على صحتنا. الكتاب هو "العلاج بالفن: علم كيف تحول الفنون صحتنا" للبروفيسورة ديزي فانكورت، أستاذة علم النفس الحيوي وعلم الأوبئة في كلية لندن الجامعية، والذي أُدرج للتو في القائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية.
كقارئة نهمة، وبالطبع مع بقية أعضاء نادي الكتاب، هذا بالضبط ما أتمنى سماعه: كيف أن القراءة، هوايتي المفضلة، مفيدة حقاً لصحتي. لكن الكتاب لا يتوقف عند القراءة فقط، بل يستكشف تأثير الموسيقى والفن التشكيلي والمتاحف والمعارض وزيارة المسرح على صحتنا. بدأت القراءة بالفعل، ويبدو الكتاب عميق البحث وجذاباً للغاية، لذا أنا متحمسة حقاً للانغماس فيه بشكل كامل.
ديزي فانكورت ليست مجرد أكاديمية بعيدة عن الواقع، بل هي أستاذة علم النفس الحيوي وعلم الأوبئة في كلية لندن الجامعية، وباحثة مرموقة في مجال تأثير الفنون على الصحة، تكرس حياتها لفهم كيف يمكن للثقافة والفن أن يكونا أدوات علاجية حقيقية، مدعومة بأدلة علمية رصينة. كتابها "العلاج بالفن" ليس مجرد مجموعة من التأملات الفلسفية حول جمال الفن، بل هو عمل بحثي عميق، يستند إلى سنوات من الدراسات والتجارب. فانكورت لا تكتفي بالادعاء بأن الفن مفيد لنا، بل تشرح الآليات البيولوجية والنفسية التي تجعل التعامل مع الفن يؤثر في أجسادنا وعقولنا. هذا الكتاب مرشح بقوة للقائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية، وهي جائزة مرموقة تحتفي بالكتابات النسائية المتميزة في مجال غير الرواية، وترشيح الكتاب لهذه الجائزة يعكس قيمته العلمية والأدبية معاً.
تعزيز المناعة: الانغماس الفني يعزز نشاط الخلايا المناعية ويحفز "الإندورفينات" (مسكنات الألم الطبيعية).
الفكرة المركزية في كتاب فانكورت هي أن الفنون ليست مجرد ترفيه أو ترف ثقافي، بل هي حاجة إنسانية أساسية تؤثر في صحتنا بطرق ملموسة وقابلة للقياس. الكتاب يستعرض مجموعة واسعة من الدراسات التي تثبت أن التعامل مع الفنون – سواء بالمشاهدة أو الممارسة – يمكن أن يقلل التوتر والإجهاد، فالاستماع إلى الموسيقى الهادئة، أو التأمل في لوحة جميلة، أو حتى قراءة رواية ممتعة، كلها أنشطة تخفض مستويات هرمون الكورتيزول، هرمون التوتر الرئيسي في الجسم.
بعض الدراسات تشير إلى أن التعامل مع الفنون يمكن أن يعزز نشاط الخلايا المناعية، مما يجعل الجسم أكثر قدرة على مقاومة الأمراض. الانغماس في تجربة فنية يمكن أن يصرف الانتباه عن الألم، بل ويحفز إفراز الإندورفينات، مسكنات الألم الطبيعية في الجسم. الفنون تساعد في معالجة المشاعر الصعبة، وتقلل من أعراض الاكتئاب والقلق، وتعزز الشعور بالرفاهية. المشاركة في الأنشطة الفنية الجماعية، مثل الغناء في جوقة أو الرسم في مجموعة، تعزز التواصل الاجتماعي وتقلل من الشعور بالوحدة.
صحة الدماغ: الأنشطة الفنية تقوي الروابط العصبية وقد تؤخر أعراض الخرف والزهايمر.
القراءة والأنشطة الفنية تحفز الدماغ، وتقوي الروابط العصبية، وقد تؤخر ظهور أعراض الخرف والزهايمر. فانكورت لا تكتفي بذكر هذه الفوائد، بل تشرح الآليات البيولوجية الكامنة وراءها: كيف يؤثر الضوء المنبعث من لوحة على نشاط الغدة الصنوبرية؟ كيف تغير الإيقاعات الموسيقية نمط موجات الدماغ؟ كيف تحفز قراءة الرواية مناطق التعاطف في القشرة الدماغية؟ الكتاب يجيب على كل هذه الأسئلة.
ما يميز كتاب فانكورت هو شموليته، فهو لا يقتصر على فن واحد، بل يستكشف تأثير مجموعة واسعة من التجارب الفنية. في قسم القراءة، وهو الأقرب إلى قلبي، تستعرض فانكورت الدراسات التي تظهر أن القراءة المنتظمة تحسن الذاكرة، وتزيد التعاطف، وتقلل من التوتر، بل وقد تطيل العمر. قراءة الروايات، خاصة الأدب الجيد، تحفز الدماغ بطرق لا تفعلها مشاهدة التلفزيون أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.
في قسم الموسيقى، تشرح فانكورت كيف تؤثر الموسيقى في أدمغتنا منذ الطفولة المبكرة، فالاستماع إلى الموسيقى يحفز إفراز الدوبامين، ناقل الفرح في الدماغ، والعزف على آلة موسيقية يعيد توصيل الدوائر العصبية ويحسن القدرات المعرفية، حتى المرضى في غيبوبة أظهروا استجابات إيجابية للموسيقى المألوفة. في قسم الفن التشكيلي والمتاحف، تشرح فانكورت كيف أن التأمل في لوحة فنية، أو التجول في متحف، ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل يحفز مناطق المتعة في الدماغ، ويقلل من ضغط الدم، ويوفر فرصة للتأمل والهدوء في عالم صاخب.
الترابط الاجتماعي: المشاركة في الفنون الجماعية تحفز هرمون "الأوكسيتوسين" (هرمون الترابط).
في قسم المسرح والرقص، حضور عرض مسرحي، أو المشاركة في رقصة جماعية، يعزز الشعور بالانتماء ويحفز إفراز هرمون الأوكسيتوسين، هرمون الترابط الاجتماعي، والمسرح أيضاً يسمح لنا باستكشاف مشاعر ومواقف حياتية في بيئة آمنة. في قسم الكتابة الإبداعية، كتابة المذكرات أو القصص أو حتى مجرد تدوين الأفكار يمكن أن تكون علاجية بشكل عميق، فالكتابة تساعد في تنظيم المشاعر، وفهم التجارب الصعبة، وإيجاد معنى للحياة.
الكتاب حظي بإشادة واسعة من النقاد والعلماء، ووصفته إحدى المراجعات بأنه "جذاب للغاية" و"عميق البحث". هذه ليست مجرد مجاملة أدبية، بل تعكس جهد فانكورت في تقديم علم معقد بطريقة مفهومة وممتعة. وضعه في القائمة الطويلة لجائزة المرأة للكتب غير الروائية هو تأكيد إضافي على قيمته، فهذه الجائزة تهدف إلى الاحتفاء بالكتابات النسائية المتميزة، وترشيح كتاب علمي بهذا العمق يعكس أن العلم يمكن أن يكون أدباً رفيعاً أيضاً. الكتاب يخاطب جمهوراً واسعاً: القارئ العادي الذي يريد فهم لماذا يشعر بتحسن بعد قراءة رواية، والطبيب الذي يبحث عن طرق جديدة لعلاج مرضاه، وصانع السياسات الذي يريد بناء مجتمع أكثر صحة، والفنان الذي يريد فهم تأثير فنه على الجمهور.
رؤية للعالم العربي: الفن كاستراتيجية صحية
ما تقدمه أبحاث فانكورت من دروس يحمل أهمية خاصة للعالم العربي، حيث تمتلك المنطقة تراثاً فنياً وثقافياً هائلاً، لكن الاستثمار في الفنون ودعمها غالباً ما يُنظر إليه على أنه ترف أكثر منه ضرورة. إذا كانت الفنون تؤثر فعلياً في صحتنا كما تؤثر الأدوية، فإن دعم المتاحف والمعارض والمسارح والمكتبات يصبح جزءاً من استراتيجية الصحة العامة، لا مجرد إنفاق ثقافي، والدول التي تستثمر في الفنون تستثمر في صحة مواطنيها. تخيل مستشفيات تحتوي على معارض فنية، وجدران مزينة بلوحات جميلة، وموسيقى هادئة في غرف الانتظار، ومكتبات للمرضى، هذه ليست رفاهية، بل هي أدوات علاجية حقيقية.
العالم العربي يمتلك تراثاً فنياً هائلاً: الموسيقى العربية الأصيلة، الخط العربي، العمارة الإسلامية، الشعر، الحكايات الشعبية، واستكشاف تأثير هذه الفنون على الصحة النفسية والجسدية للأجيال الجديدة قد يكون مشروعاً بحثياً عربياً واعداً. المكتبات ليست مجرد أماكن لتخزين الكتب، بل يمكن أن تكون مراكز مجتمعية للصحة والرفاهية، وبرامج القراءة العلاجية، وجلسات سرد القصص، وأنشطة الكتابة الإبداعية، كلها يمكن أن تكون جزءاً من خدمات الصحة العامة. الوصول إلى الفنون يجب أن يكون حقاً للجميع، بغض النظر عن الدخل أو الموقع الجغرافي، والمتاحف المتنقلة، والعروض الفنية في المناطق النائية، والمكتبات العامة، كلها أدوات لتحقيق هذا الهدف. نحن بحاجة إلى مراكز بحثية عربية تدرس تأثير الفنون على الصحة في سياقنا الثقافي الخاص، ما تأثير المقامات الموسيقية العربية على الدماغ؟ كيف تؤثر قراءة الشعر العربي على المشاعر؟ هذه أسئلة تستحق البحث.
كتاب ديزي فانكورت "العلاج بالفن" يذكرنا بحقيقة عميقة: الإنسان ليس مجرد آلة بيولوجية يمكن إصلاحها بالأدوية والجراحات فقط. نحن كائنات معقدة، تحتاج إلى الغذاء المادي والغذاء الروحي معاً. الفنون ليست ترفاً نضيفه إلى حياتنا بعد أن نضمن صحتنا، بل هي جزء أساسي من هذه الصحة. القراءة تحفز أدمغتنا، والموسيقى تهدئ أعصابنا، والرسم يعبر عن مشاعرنا، والمسرح يوحدنا، والمتاحف تلهمنا.
كل هذه الأنشطة ليست مجرد تسلية، بل هي أدوات علاجية قوية، أثبت العلم فعاليتها. في المرة القادمة التي تلتقط فيها كتاباً، أو تستمع إلى مقطوعة موسيقية، أو تتأمل لوحة، أو تزور متحفاً، تذكر أنك لا تمارس هواية فقط. أنت تعالج نفسك. أنت تحسن صحتك. أنت تطيل عمرك. أنت تبني عقلاً أكثر مرونة وجسداً أكثر صحة. كما تقول فانكورت في كتابها، الفنون ليست فقط ما نفعله في أوقات فراغنا، بل هي جزء أساسي من حياتنا، تؤثر فينا بطرق لم نكن نتخيلها. وكلما فهمنا هذه التأثيرات بشكل أعمق، كلما استطعنا توظيفها بشكل أفضل لصحتنا ورفاهيتنا.
لذا، أدعوكم جميعاً لقراءة هذا الكتاب المذهل. انضموا إلينا في نادي الكتاب لشهر مارس، واستمتعوا برحلة استكشافية في علم الفنون وتأثيرها على صحتنا. اقرؤوه لأنفسكم، واقرؤوه لأحبائكم، وشاركونا أفكاركم وانطباعاتكم. فكما تقول فانكورت، الفنون ليست فقط جميلة، بل هي مفيدة. وكتابها يثبت ذلك بعلم رصين وأسلوب شيق. اللحظة حاسمة، وصحتنا في أيدينا، والفنون في انتظارنا. فهل نبدأ القراءة اليوم؟
-------------------------------
كتب - إيهاب محمد زايد






