03 - 03 - 2026

الهند وإسرائيل.. بين المصالح الاستراتيجية وحسابات الخليج

الهند وإسرائيل.. بين المصالح الاستراتيجية وحسابات الخليج

المُتابع للزيارة الأخيرة لناريندرا مودي رئيس وزار الهند إلى إسرائيل لا يحتاج إلى كثير من الفطنة كي يدرك أن الرجل تحرك هذه المرة بلا بوصلة سياسية واضحة، أو هكذا يبدو المشهد من بعيد. فزيارة تستغرق 48 ساعة، تحظى بمباركة أمريكية صريحة، وتحاط بكل هذا الزخم الإعلامي، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية في دفتر العلاقات الدولية، بل رسالة متعددة العناوين، بعضها ظاهر وأكثرها خفي.

قد يكون مودي أراد أن يبعث بإشارة ود إلى الولايات المتحدة، في لحظة دولية تتشابك فيها المصالح وتُعاد فيها صياغة التحالفات. وربما تصور أن الاقتراب أكثر من تل أبيب سيمنحه أوراق ضغط إضافية في مواجهة خصومه الإقليميين، وعلى رأسهم الجار النووي اللدود، باكستان. فنيودلهي لا تخفي قلقها من تنامي قدرات إسلام آباد العسكرية، ولا تتردد في البحث عن حلفاء قادرين على ترجيح كفتها في معادلة الردع.

لكن السياسة ليست حسابات أمنية فقط، وليست رسائل ردع عابرة للحدود، بل شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي قد تطيح بأي مكاسب تكتيكية. وهنا يبدو أن رئيس الوزراء الهندي أسقط من حساباته رقما بالغ الدلالة: نحو 90 مليار دولار تتدفق سنويا إلى اقتصاد بلاده من تحويلات ما يقرب من 10 ملايين هندي يعملون في دول الخليج العربي.

هذه العمالة ليست مجرد أيدٍ عاملة، بل شريان حيوي يغذي الاقتصاد الهندي بالعملة الصعبة، ويخفف الضغط عن سوق العمل الداخلي، ويمنح ملايين الأسر في القرى والمدن الهندية فرصة للحياة. إنهم سفراء لقمة العيش، الذين شدّوا الرحال إلى الخليج بحثا عن فرصة، فصاروا جزءا من نسيجه الاجتماعي والاقتصادي.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حساسية الشارع الخليجي تجاه أي تقارب معلن مع إسرائيل، خاصة حين يتجسد في صور الأحضان المتبادلة بين مودي وبنيامين نتنياهو، وتتحول إلى مشاهد رمزية تعكس دفئا سياسيا غير مسبوق. قد تقول الحكومات الخليجية إن المصالح تحكم العلاقات، وإن العمالة الهندية عنصر أساسي في خطط التنمية، وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن المزاج الشعبي قصة أخرى.

صحيح أن ورقة العمالة الهندية قد لا تُستخدم رسميا في المدى القريب كورقة ضغط سياسي، غير أن المشاعر الشعبية قادرة على خلق مناخ عام غير مرحب، قد ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية، وفي فرص العمل، وفي النظرة إلى الوافد القادم من بلد اختار أن يقترب أكثر من تل أبيب. السياسة، حين تمس العاطفة، تخرج من دوائر القرار إلى الشارع، وحينها يصبح احتواء تداعياتها أكثر صعوبة.

إن مودي، وهو يخطو بثقة في شوارع إسرائيل، كان يراهن على مكاسب استراتيجية سريعة، لكنه ربما لم يمنح ما يكفي من الوقت للتفكير في كلفة الصورة، وفي انعكاساتها على ملايين من أبناء بلاده الذين يعيشون خارج الحدود. فالسياسة ليست فقط فن الممكن، بل فن تقدير العواقب.

قد تمر الزيارة بسلام، وقد لا يحدث شيء على المدى القريب، لكن التاريخ يعلمنا أن الرسائل الرمزية أحيانا تكون أشد أثرا من الاتفاقيات المكتوبة. وبين طموح تعزيز النفوذ الإقليمي، وحسابات الاقتصاد المرتبط بالخليج، تقف نيودلهي أمام اختبار دقيق: كيف توازن بين تحالفاتها الجديدة ومصالحها التقليدية، دون أن تدفع ثمنا يفوق ما جنت من مكاسب؟
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

الهند وإسرائيل.. بين المصالح الاستراتيجية وحسابات الخليج