28 - 02 - 2026

مقامرة الرجل المجنون في مواجهة جدار الصخر: هل اقتربت ساعة الصفر؟

مقامرة الرجل المجنون في مواجهة جدار الصخر: هل اقتربت ساعة الصفر؟

يعيش العالم اليوم حالة من "السيولة الاستخباراتية" والإخبارية المرعبة؛ حيث أن الشغل الشاغل لكافة وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هو الحرب الإيرانية الأمريكية (طبعا جنبا إلى جنب ملفات أبستين الفاضحة)، الأمر الذي يجعل الأفق معتما، ومن ثم نرى أنه لم يعد السؤال هو "هل تندلع الحرب؟" بل "من سيكسر الصمت أولاً؟". في البيت الأبيض، يجلس دونالد ترامب متسلحاً بنظرية "الرجل المجنون"، محاولاً إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي عبر التهديد الوجودي والضغط الأقصى. لكنه الآن بنهاية فبراير 2026، لا يواجه خصوماً متفرقين، بل يصطدم بجدار فولاذي تشكلت معالمه بين طهران وموسكو وبكين.

سلوك ترامب الملوث تاريخه بالجرائم يتجاوز حدود "الدبلوماسية الخشنة" ليدخل منطقة "الإجرام السياسي" في نظر خصومه، و"الحزم المنقذ" في نظر مؤيديه من الصهاينة. إن استراتيجيته القائمة على تحطيم القواعد الدولية، والتهديد بالحرب والاحتلال وفرض القوة العسكرية والرسوم الجمركية كأدوات حصار، تهدف إلى دفع الخصوم نحو "الانهيار العصبي". ومع ذلك، يدرك ترامب التاجر أن تكلفة الحرب المباشرة مع إيران قد تلتهم "الازدهار الأمريكي" الذي وعد به؛ فالاقتصاد المثقل بالتضخم لا يحتمل إغلاق مضيق هرمز أو قفزة جنونية في أسعار النفط تتجاوز حاجز الـ 150 دولا للبرميل.

على الجانب الآخر، تظهر إيران ثباتاً استراتيجياً يشل واشنطن. فهي لا تكتفي بالصمود، بل تحولت إلى "رأس حربة" في مشروع استنزاف الهيمنة الأمريكية. بفضل الدعم الروسي التقني والغطاء المالي الصيني، لم تعد العقوبات سلاحاً قاتلاً. طهران اليوم تراهن على أن ترامب، رغم صراخه العالي، يخشى التورط في "فيتنام ثانية" في الشرق الأوسط، خاصة مع امتلاكها لشبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على إشعال القواعد الأمريكية من بغداد إلى المنامة.

لكن الخطر الحقيقي الذي يواجهه ترامب ليس في  ثبات طهران وحده، بل في إدراك روسيا والصين أن سقوط إيران يعني وصول السكين الأمريكي إلى حناجرهم. موسكو، الغارقة في وحل أوكرانيا، ترى في جبهة الشرق الأوسط متنفساً يشتت الجهود الأمريكية. أما بكين، فتعتبر أمن الطاقة الإيراني جزءاً من أمنها القومي. هذا الميثاق الاستراتيجي الذي تبلور في مطلع 2026 حول العالم إلى معسكرين واضحين، مما جعل أي طلقة طائشة في الخليج بمثابة إعلان رسمي عن حرب عالمية ثالثة.

إننا أمام مشهد سينمائي بائس؛ مجرم مختل يلوح بزر نووي (ترامب)، وخصم يحافظ على سيادة قراره ويرفض التراجع شبرًا واحدًا (إيران)، وظهير دولي ينتظر لحظة الانقضاض (روسيا والصين). الحسم غائب لأن الجميع يخشى الخسارة المطلقة

ويبقى السؤال: هل يمتلك ترامب "الجنون الكافي" ليضغط على الزناد ويقامر بمستقبل النظام العالمي؟ أم أن ثبات المحور الإيراني الروسي الصيني سيجبره في النهاية على الجلوس خلف طاولة المفاوضات مرغماً، ليكتشف أن العالم في 2026 لم يعد يحتمل شرطيًا واحدًا يقرر مصير البشرية.
----------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي

مقالات اخرى للكاتب

مقامرة الرجل المجنون في مواجهة جدار الصخر: هل اقتربت ساعة الصفر؟