نحن نعيش اليوم عصر "الوهم البصري المنظم"؛ عصر اختلط فيه مفهوم الإبداع بمفهوم "الشطارة" التقنية، فبات الفنان يختبئ خلف أداته ليداري عجز رؤيته. عندما يتحول الفن من تجربة حقيقية إلى مجرد استعراض، فنحن لا نشاهد إبداعا، بل نشاهد نوعا من السحر الرخيص الذي يقتات على دهشة البسطاء وجهلهم بأسرار "التكنيك". إن استخدام تقنية ما - سواء كانت تراثا قديما، أو ثورة حديثة كالذكاء الاصطناعي - دون إضافة بصمة إنسانية قلقة ومتفردة، هو بمثابة خديعة كبرى. إنه استغلال مكشوف لغموض الوسيلة من أجل إبهار الجمهور الذي يهلل لما لا يفهمه، ظنا منه أن "صعوبة التنفيذ" هي ذاتها "قيمة الفن".
تأخذنا ورش بعض الفنانين للهواه والجمهور البسيط إلى قلب هذا الجدل.
تقنيه السبونج
تقنية "السبونج" التى تعتمد على إسفنجة طبيعية أو صناعية. حيث يتم غمس الإسفنجة في اللون و"الطبطبة" بها على اللوحة لتعطي تأثيرا مساميا متقطرا للحصول على مظهر ضبابي أو "مبقع" بنعومة، وهي تقنية شهيرة جدا وبسيطة، يستخدمها النقاش المبتدئ.
وتقنية "المشمع" أو "الترخيم" وهى استعارة مباشرة من عالم "النقاشة، ولا تحتاج الا قطعة مشمع (بلاستيك) أو قماش مكرمش.
ويتم دهن طبقة من اللون بمادة زيتية تسمى "جليز" لتبقى طرية لفترة طويلة، ثم يوضع المشمع فوقها وهي طرية ويتم "كرمشته" أو الضغط عليه ثم سحبه.
تعطي تأثير "الرخام" أو "الجلد" أو "التعرجات الحادة"، وهي التقنية التي تمنح تأثيرا بصريا معقدا يوحي للمشاهد البسيط بأنها "لوحة فنية معقدة"، بينما هي مجرد "سحبة كيس".
تقنية "المشمع" أو "الترخيم"
وهناك تقنية تعتبر الوريث الشرعي للرسم على الماء في عصرنا الحالي وهى تقنية "الأكريليك المصبوب", ويعتمد الفنان فيها على سكب ألوان الأكريليك المخففة بمواد كيميائية (مثل السيليكون) فوق القماش، ثم يميل اللوحة يمينا ويسارا لتختلط الألوان وتنتج خلايا وتشكيلات متعددة. وتكمن الخديعة في أن النتيجة دائماً "جميلة" و"مبهرة" لأنها نتاج تفاعل كيميائي، والفنان هنا لا يملك سيطرة على الخط أو الشكل. والجمهور يصفق لجمال الألوان، بينما الفنان لم يفعل شيئا سوى "السكب"
تقنية "الأكريليك المصبوب
وتقنية الديكالكومانيا، وهي تقنية قديمة استخدمها السرياليون قديما لكن البعض يعيد تدويرها اليوم كإعجاز. تعتمد على وضع بقع لونية على ورقة، ثم وضع ورقة أخرى فوقها والضغط عليها وسحبها. ينتج عن ذلك غابات وأشكال عضوية غريبة. ويكمن وجه الخديعة فى الإبهار الذى يأتي من "عنصر المفاجأة". فالفنان يترك الورقة تقرر الشكل، ثم "يضحك" على المشاهد بإقناعه أنه خطط لهذا التكوين العبقري.
تقنية الديكالكومانيا
وتقنية النفخ سواء باستخدام الفم أو مجففات الشعر لتحريك بقع الحبر أو الألوان السائلة على السطح، فتعطي أشكالا تشبه الأغصان أو الأعصاب بدقة متناهية. ينبهر الناس بكيفية رسم هذه الخطوط الرفيعة، والحقيقة أنها مجرد "هواء" دفع اللون، وليست يد فنان تمتلك مهارة التحكم في الريشة. وتدفع مبالغ للاشتراك فى مثل هذه الورش.
هناك العديد من التقنيات التى تصنع اللوحة، والفنان في هذه الحالات لا يواجه بياض القماش بذكائه، بل يراهن على "سحر المصادفة"
تقنية النفخ
الإشكالية هنا تكمن في أن الجمهور "البسيط" ينبهر بفيزياء الألوان فوق الماء وتراقصها، أو بنفخ الالوان، أو باستخدام الشمع، معتبرا هذا الإبهار هو جوهر الفن، وأنه بالفعل نفذ لوحة معترف بها من فنان كبير. لكن إذا أوقفنا فيزياء الألوان من المعادلة، فماذا يتبقى من اللوحة؟ إذا كانت الإجابة هي "لاشيء"، فهذا يعني أن الفنان سقط في فخ التقنية، وأنه قدم وسيطا مدهشا بدلا من رؤية عميقة، وبذلك يكون قد استثمر جهل المشاهد بأدوات الحرفة ليحقق نجاحا جماهيريا سهلا.
هذا النمط من "الخداع الفني" لا يقتصر على الأدوات اليدوية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، وظهر فنانو الذكاء الاصطناعي اللذين يقعون في الفخ ذاته؛ فهم يقدمون لوحات مبهرة بصريا أنتجتها الخوارزميات، ويوهمون الجمهور بأن هذا هو مستقبل الفن.
وهذا مثال صارخ أثار جدلاً عالميا وهو فى حقيقة الأمر "ضحك على البسطاء":
تجربة "جيسون ألين" ولوحة "مسرح أوبرا الفضاء". في عام 2022، فاز "جيسون ألين" بالمركز الأول في مسابقة فنية بولاية كولورادو الأمريكية عن لوحة أنتجها باستخدام برنامج الذكاء الاصطناعي . هنا انفجر الجدل حول الانبهار بـ "النتيجة" لا "الفعل": الجمهور ولجنة التحكيم انبهروا بدقة التفاصيل، الإضاءة الدرامية، والتكوين الكلاسيكي المذهل. هذا هو "الإبهار البصري" الذي تحدثنا عنه. لكن عندما كشف أن الفنان لم يمسك ريشة، بل كتب "نصاً" للآلة، شعر الكثيرون بالخديعة. وبدأ التساؤل هل هو "مبدع" أم "مستفيد من التقنية"؟
وجهة نظر ألين: يرى أنه قضى ساعات في كتابة الأوامر وتعديلها، أي أنه "وجه" التقنية.
وجهة نظر النقاد وهي الأقرب للمنطق هو لم "يضف" جديدا للفن، بل استغل قدرة الآلة على محاكاة ملايين اللوحات السابقة ودمجها في صورة واحدة. هنا، الفنان لم يبتكر "لغة" فنية، بل استعرض "قوة محرك البحث" في البرنامج.
الحقيقة هي أن هؤلاء غالبا ما يمارسون دور الوسيط التقني لا المبدع. إنهم يهللون لقدرة الآلة على المحاكاة، ويستغلون انبهار العامة بـالذكاء الاصطناعي لتمرير أعمال تفتقر للصدق الشعوري أو الموقف الفلسفي. تماما كما فعلت التقنيات التى أشرت اليها، تفعل "الخوارزمية": جميعهم يقدمون جمالا جاهزا يغني الفنان عن مشقة الابتكار الأصيل.
لوحة اوبرا الفضاء
مسؤولية الفنان ومسؤولية الجمهور
الحقيقة المرة هي أن التقنية التي لا تطوع لخدمة فكرة جديدة، تظل مجرد جثة هامدة، مهما بلغت درجة بريقها. الفنان الذي يكتفي بكونه "وسيطا" مخلصا لآلته أو لتقنيته القديمة، هو فنان يمارس الاستلاب الذاتي؛ يبيع روحه مقابل تصفيق مؤقت.
أما الجمهور، فهو شريك في هذه العملية؛ فبقبوله للإبهار السطحي وتصفيقه لـلخدعة بدلا من "المعنى"، فإنه يشجع على تكريس ثقافة "الفن السلعي" الذي يهدف للربح والإبهار لا للتنوير والتغيير.
إذا كان الفنان يعيد إنتاج ما يفعله الحرفي التقليدي في ورش العمل، فهو هنا ناقل وليس مبدعا، والجمهور "البسيط" قد يصفق للمهارة اليدوية ظنا منه أنها قمة الفن، بينما نراها تكرارا يفتقد للبصمة. فعندما تتحدث التقنية بصوت عال، يصمت الفن.
الفنان الحقيقي هو من "يهضم" التقنية حتى تختفي، لتظهر رؤيته هو. إذا ظل الجمهور يتحدث عن هذه التجارب كمعجزة تقنية دون الالتفات لموضوع اللوحة، فهذا يعني أن التقنية لم تطوع بالكامل بعد، وظلت مجرد "خدعة" بصرية جميلة.
إن الفن الحقيقي يبدأ حيث تنتهي التقنية، والفنان العظيم هو من يجعلنا ننسى "كيف رسمت اللوحة" لنتأمل "ماذا تقول اللوحة". أما أولئك الذين يقدمون لنا "التكنيك" كبضاعة وحيدة، فهم ليسوا سوى حواة في سيرك كبير، يضحكون على بسطاء العقول، بينما يظل الفن الحقيقي ينتظر من يجرؤ على مواجهة بياض اللوحة بروح عارية، لا تحميها تقنية مستعارة ولا خوارزمية صماء.
----------------------------
بقلم: د. سامى البلشي

تقنية الرسم على الماء






