03 - 03 - 2026

الحب وشيءٌ من الجنون!

الحب وشيءٌ من الجنون!

يروي الإعلامي الكبير حمدي قنديل (1936-2018) في مذكراته الصادرة تحت عنوان (عشتُ مرتين)، أن الفنانة نجلاء فتحي، اتصلت به كعادتها صباح كل يوم، بعد توصيل ابنتها ياسمين إلى المدرسة، فسألها (عملتي لفة في النادي النهارده؟)، وكانت قد تأخرت في الاتصال به ذلك اليوم قليلاً، فأجابته (كثير .. أكثر من اللازم)، فعقب يستحثها على البوح وقد استيقظ فيه حس الصحفي (لابد في حاجة شاغلة بالك؟)، فأجابت ببساطة وعفوية (حقيقي!)، وسكتت لحظة ثم عاودت الكلام بنبرة من يود حسم أمر يشغله (حمدي.. معاك بطاقة... أنا ها أتجوزك النهارده)، فأجابها بعفوية لا تقل عن عفويتها (عظيم .. عظيم)، واتفقا على أن يلتقيا في بيتها في الخامسة بعد الظهر ومعه جواز سفره، بعد ما اكتشف أن بطاقته غير سارية، وعُقد القران واستمر زواجهما ربع قرن، حتى رحيله عن عالمنا.

كان حمدي قد تعرف على نجلاء، بالصدفة، إثر الترتيب للقاء تليفزيوني، كان فيه وسيطًا بين القناة التليفزيونية وبينها، ولم يكن تعارفهما قبلها يتجاوز المجاملات الرسمية. أتاحت لهما تلك الصدفة أن يقتربا من بعضهما أكثر، وأن يكتشف كل منهما مساحات جديدة في حياة الطرف الآخر. أُعجب ببساطتها وتلقائيتها، وأصبح التواصل اليومي بينهما طقسًا ضروريًا، حتى جاءت اللحظة التي كانت فيها نجلاء أكثر حسمًا -أو قل جنونًا إن شئت- من حمدي، وتزوجا.

في كتابه الممتع (مجانين العشق العربي) الصادر عام 1993، يقول الشاعر أحمد سويلم، "لابد أن هناك فرقًا بين العاشق القديم والعاشق العصري! ثم ماذا عن الجنون في العشق؟ .. وهل كان العشاق المجانين في التراث العربي صادقين في مشاعرهم وأشعارهم؟ .. لابد أنهم كانوا يمثلون نماذج بشرية متفردة في عصورهم.. فكيف نراهم اليوم وقد فصلتنا عنهم قرون من الزمان؟".

ويستعرض سويلم في كتابه نماذج لأشهر العشاق العرب؛ يزيد بن الطثرية.. عاشق اليمامة، والـمُخَبّل وحبيبته مَيلاَء، وعبد الله بن علقمة وصاحبته حُبَيش، والقُشيري مجنون رُبا، والقيسان؛ ابن الملوح وابن ذُريح ومحبوبتهما ليلى ولبنى، على الترتيب، وجميل بن معمر وبثينة، وكُثير عزة.

ويرى سويلم أن الكثير من قصص العشاق العرب في العصر الجاهلي لم تُروَ، ولم تصل إلينا، ويرجع ذلك إلى عدم تدوينها، وغلبة التقاليد المحافظة، وظروف الحياة الخشنة في الصحراء، وكذلك كثرة الصراعات والحروب.

ولعل في تلك القصص ما يضاهي نظيره العالمي، بل يفوقه أحيانًا، فإذا كانت قصة روميو وجوليت تروى كمثال للحب والتضحية، فإنها لم تكتسب شهرتها إلا بعد تحويلها إلى مسرحية على يد الكاتب الإنجليزي الأشهر ويليام شكسبير، بعد ما وقع على نسخة مترجمة للإنجليزية نقلاً عن الإيطالية، فأعاد صياغتها، وزاد في مساحات شخصياتها، وأحكم حبكتها الدرامية، فتحولت إلى أيقونة عالمية، وهو ما افتقدته قصص العُشاق العرب، فلا هي حظيت بترجمات تنقلها إلى غيرها من الألسنة، ولا هي بمعالجات أدبية متنوعة تعرضها على الشاشات والمسارح وغيرها من أندية الثقافة، فاختُزلت في عنوان قصير، "مجنون ليلى".

ولعل المتأمل في قصص العشاق العرب يرى فيها جمالاً في العرض والغرض، فالعاشق لا يرى في نساء العالمين غير محبوبته، يبحث في الزحام عن وجهها، ولا يهدأ باله وتستقر نفسه إلا إن تلاقت الأعين، وشربت من رسائل الصمت ما شاء لها الله أن تشرب، ومن ذلك ما قاله ربيعة بن سفيان بن مالك، الملقب بالـمُرقش الأصغر لنمشٍ في وجهه:

"أفاطم لو أن النساء ببلدةٍ .. وأنتِ بأخرى لاتبعتُك هائما"

ويظل هذا حاله، حتى إذا ما جاد الزمان عليه بلقاء تفيض فيه أنهُر الشوق من دون حساب، يقع العاشق بين نارين، نار القرب ونار الفراق، فلا يعرف لنفسه مكانًا.. في القرب يذوب، وفي البعد يجف، فقل لي بالله عليك أين يقف؟

ومن ذلك أيضًا، قصة الصُمة بن عبد الله التغلبي وابنة عمه ريا، والتي تتشابه مع قصة عنترة بن شداد وعبلة، ذلك أن الصُمة وابنة عمه تربيا معًا، وكَلِفَ بها حبًا، فلما أراد خطبتها طلب عمه منه مائة من الأبل، فوهبه أباه ما يملكه منها، وكانت دون المائة بقليل، فلما عرضها على عمه، أبى إلا تمام المئة، فعزت عليه نفسه ففارق القبيلة إلى العراق، وهناك قابل كاهنًا أخبره أنه لا يتزوج منها أبدًا، فعاد الصُمة وقد أخذ منه الشوق مأخذًا عظيما، فوجدها قد تزوجت من رجل أمهرها ثلاثمائة من الإبل، فأصابته كآبة لم تفارقه حتى توفي مهمومًا محزونا عليها، ورَيَا هانئة مشغولة ببيتها وحالها.

ويُروى أن الشاعر الحسن بن هانئ، المعروف بأبي نواس، أحب جاريةً تُدعى جَنان حُبًا عظيمًا، وكانت إلى جانب حسنها أديبةٌ تروي الشعر، وكان يحتال حتى يراها، فلما علم بعزمها على الحج، انطلق في أثرها، وصار يتتبعها في المناسك، حتى إذا ما همت بتقبيل الحجر الأسود، دفع رأسه معها ليقترب منها أشد ما يكون القرب، فساءها ذلك، فأنشد يقول:

فلما لم أجد سببًا إليها .. يقربني وأعيتني الأمورُ

حججت وقلت قد حجت جنانُ .. فيجمعني وإياها المسيرُ

ومع استنكار أمر كهذا، في مكان له من القدسية ما له، إلا أنه يكشف عن جنونُ العاشق! وإنكار المعشوق (جَنانْ)، وكأننا بين نقيضين؛ نارٌ وثلج!، أو قل: جنونٌ ونقيضه!

في أحد مشاهد رواية "زوربا اليوناني"، للكاتب نيكوس كازانتزاكيس، يحث زوربا الستيني العمر، الشاب الثلاثيني باسيل، على ترك نمطه المحافظ للاستمتاع بالحياة فيقول له (عليك أن تتحلى بشيء من الجنون يا رجل حتى تستطيع أن تنال هذه السيدة!).. يبدو أن نجلاء شاهدت الفيلم، وأرادات أن تكون الأكثر جرأة، أو حتى جنونًا! 
-------------------------------
بقلم:
د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

الحب وشيءٌ من الجنون!