في عصرنا الحالي، أصبح مفهوم الزمن مختلفًا تمامًا عما عرفناه في الماضي.
لم تعد حياتنا اليومية تسير بوتيرة ثابتة، بل أصبحت مليئة بالتسارع والإلحاح، والأحداث تتلاحق بسرعة كبيرة تجعلنا نشعر بأن الأيام أقصر مما كانت عليه سابقًا.
أحد أهم الأسباب وراء هذا الشعور هو الانتشار الواسع للسوشيال ميديا، التي غيرت الطريقة التي نتواصل بها ونتلقى بها المعلومات.
والهاتف أصبح رفيقنا الدائم، ومنصات السوشيال ميديا مثل فيسبوك وتويتر وإنستجرام وسناب شات باتت جزءًا من حياتنا اليومية، كل ذلك يجعلنا نعيش في زمن متسارع على نحو غير مسبوق.
قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كان الناس يعتمدون على وسائل الإعلام التقليدية لمعرفة الأخبار والاختراعات الجديدة وكل ما يطرا. كانت الصحف تنشر، والتليفزيون يقدم نشراته في أوقات محددة، أما البريد فكان وسيلة لنقل الرسائل التي قد تستغرق أيامًا أو أسابيع.
في ذلك الوقت، كان الإنسان يعيش في إيقاع أبطأ يسمح له بالتفكير والتأمل قبل اتخاذ أي قرار.
أما اليوم، فبمجرد نشر أي خبر على الإنترنت، يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص في ثوانٍ قليلة، على منصات التواصل الاجتماعي.
هذا التدفق المستمر للمعلومات جعل الوقت يبدو أسرع، وأصبح الإنسان يشعر وكأنه يركض دومًا لمحاولة مواكبة كل جديد كالشخص الذي يريد ان يلحق القطار اذا تاخر عنه.
الزمن المتسارع في عصر السوشيال ميديا أثر بشكل كبير على قدرتنا على التركيز والانتباه. الاعتياد على التصفح السريع والاطلاع على مقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات المتعددة يحد من قدرتنا على الانخراط في التفكير العميق أو قراءة محتوى طويل.
أصبح من الطبيعي أن نشعر بالملل بسرعة أو بالحاجة المستمرة للتحقق من الهاتف، وكأن العقل أصبح مبرمجًا على توقع المعلومات بشكل مستمر وفوري.
هذا التحول النفسي يجعل الناس أقل قدرة على الاستمتاع بالهدوء أو التركيز على المهام لفترات طويلة، ويزيد من الإحساس بالزمن المتسارع.
تأثير السوشيال ميديا على العلاقات الاجتماعية أيضًا لا يمكن تجاهله. فقد تغيرت طبيعة التواصل بين الناس، وأصبح الرد الفوري متوقعًا في كل شيء، سواء كان ذلك بالرد على الرسائل أو التعليقات أو متابعة أخبار الأصدقاء.
هذا الضغط المستمر يخلق شعورًا بالتوتر، وكأننا نعيش في سباق دائم مع الوقت .
العلاقات الاجتماعية أحيانًا تتأثر بسبب هذا الانشغال الدائم، لأن كثيرًا من الأفراد يقضون معظم أوقاتهم علي وسائل التواصل الاجتماعي، ويصبح لديهم وقت أقل للتواصل المباشر أو لتجارب الحياة اليومية.
الزمن المتسارع لا يؤثر فقط على حياتنا الاجتماعية، بل يمتد أيضًا إلى الصحة النفسية. كثرة الأخبار والإشعارات والتحديثات اللحظية تخلق شعورًا دائمًا بالضغط والقلق، وأحيانًا بالإرهاق الذهني.
يجد الكثير من المستخدمين أنفسهم غير قادرين على الاسترخاء أو التركيز على لحظاتهم الحقيقية، لأن انتباههم دائمًا مشتت بين الرسائل الجديدة والمحتوى الذي يتدفق بلا توقف.
هذا الأمر قد يؤدي إلى اضطرابات في النوم، والتوتر المزمن، والشعور بعدم الرضا عن الحياة، وهو ما أظهرته العديد من الدراسات الحديثة التي تربط بين كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة مستويات القلق والاكتئاب.
رغم هذه التحديات، للسوشيال ميديا إيجابيات كبيرة لا يمكن تجاهلها. فقد أصبحت هذه المنصات وسيلة للتواصل السريع مع الأصدقاء والعائلة، ومصدرًا هامًا للمعرفة والمعلومات.
يمكن لأي شخص متابعة الأخبار فور حدوثها، تعلم مهارات جديدة من خلال الفيديوهات التعليمية، والبقاء على اتصال دائم مع الأشخاص البعيدين جغرافيًا.
السرعة هنا تعتبر ميزة إذا استُخدمت بحكمة، حيث تتيح للإنسان الوصول إلى ما يحتاجه دون تأخير، وتفتح أبوابًا واسعة للتعلم والتفاعل الاجتماعي.
لذلك، أصبح من الضروري تعلم إدارة الوقت والحرص علي أوقاتنا .
يمكن تحقيق ذلك من خلال وضع حدود واضحة لاستخدام الهاتف، تقليل الإشعارات غير المهمة، وتخصيص أوقات محددة لتصفح علي السوشيال ميديا.
كما يساعد الانخراط في أنشطة خارج الشاشات، مثل ممارسة الرياضة، القراءة، أو قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، على استعادة التوازن في المجتمع .
هذه الإجراءات تساعدنا على استعادة السيطرة على وقتنا وتقليل شعورنا بالضغط الناتج عن التسارع المستمر.
الزمن في عصر السوشيال ميديا أصبح أسرع من أي وقت مضى، من سرعة المعلومات إلى توقعات الرد الفوري.
نحن نعيش في عالم لا يتوقف عن الحركة، حيث كل لحظة تحمل جديدًا، وكل ثانية يمكن أن تغير الكثير.
لكن مع الوعي بأهمية إدارة الوقت والاهتمام بالصحة النفسية، يمكننا الاستفادة من مزايا هذه السرعة دون أن تصبح عبئًا علينا.
إدراك تأثير الزمن المتسارع والعمل على تحقيق التوازن هو المفتاح لعيش حياة أكثر هدوءًا ورضا، رغم تسارع الأحداث حولنا.
--------------------------------
بقلم: أحمد سعد
كلية الآداب جامعة العاصمة.






