في خضم التحديات الاقتصادية العالمية وتحوّل موازين القوى الاقتصادية، تستمر العلاقات المصرية–الصينية في التحوّل من شراكة تقليدية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تمتد من التمويل الإنمائي إلى الاستثمار والتبادل التجاري والتمويل الحديث. وتظهر هذه الديناميكية بشكل واضح في ما تقدّمه القاهرة وبكين من خطوات عملية لتوسيع آفاق التعاون في عام 2026، في وقت تسعى فيه مصر إلى تنويع أدوات التمويل الخارجي وتعزيز القدرات التنموية.
التعاون التنموي في صدارة أولويات 2025–2029
عاد التعاون المصري–الصيني ليُبرز نفسه محورًا مهمًا في السياسة الاقتصادية الخارجية لمصر، خاصة بعد توقيع استراتيجية التعاون الإنمائي بين البلدين للفترة 2025–2029، وهي أول استراتيجية بهذا الحجم تضع إطارًا واضحًا للشراكة التنموية بين القاهرة وبكين. وتشمل هذه الاستراتيجية مجالات حيوية مثل الصحة، والاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، والتعليم، والتصنيع المحلي، واستكشاف مشاريع متعلقة بالتحول الأخضر.
وأكدت الجهات الرسمية المصرية أن هذه الاستراتيجية تُعد امتدادًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتُسهم في دعم أهداف رؤية مصر 2030، خاصة في مجالات التصنيع المحلي والتكنولوجيا والتعليم، بما يُعزّز مكانة مصر كقطب تنموي إقليمي.
برنامج تبادل الديون
من أبرز آليات التعاون التي برزت في السنوات الماضية برنامج تبادل الديون مقابل التنمية بين مصر والصين، والذي وقع الإطار العام للمرحلة الأولى منه في 2025. ويُعد هذا البرنامج أحد الأدوات التمويلية المبتكرة التي تسمح بتحويل جزء من الديون الخارجية إلى استثمارات تنموية، وهو ما يعطي مصر هامشًا أوسع لتحويل الديون إلى مشاريع بنّاءة.
ويؤكد المتخصصون أن تبادل الديون لا يزال أحد المكونات المهمة في استراتيجية مصر للتعامل مع أعباء الديون، لا سيّما في ظل الضغوط المستمرة التي تواجه الاقتصاد المصري في إدارة المديونية العامة.
الاستثمارات الصينية وتوسّعها
على صعيد الاستثمار، يُظهر الواقع الاقتصادي تطوّرًا في تدفّق الاستثمارات الصينية إلى مصر، خاصة في القطاعات الثقيلة والحيوية مثل محطات تحلية المياه والطاقة المتجددة. وأعلن أن شركة صينية تخطّط لاستثمار نحو مليار دولار في مشاريع تحلية المياه والطاقة المتجددة في مصر، في خطوة تبرز الاهتمام المتنامي ببناء شراكات مستدامة في مجالات استراتيجية.
كما يساهم النشاط الصيني في منطقة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب استثمارات ضخمة بنحو 11.6 مليار دولار خلال السنوات الماضية، ما يعكس ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال المصرية.
التمويل والبُنى المالية
على المستوى المالي، تعمل مصر على تنويع أدوات التمويل الدولي وتقليل الضغط على الهيكل الدينى، حيث أعلنت الحكومة المصرية عن خطط لطرح سندات دولية بقيمة 2 مليار دولار قبل نهاية السنة المالية 2025/2026، في محاولة لتحسين هيكل الديون وتقليل تكاليف التمويل.
كما شهدت العلاقات المالية بين البنكين المركزيين في مصر والصين اتفاقات لتعزيز التعاون في التسويات بالعملات المحلية والتقنيات الرقمية، ما يمهّد الطريق لآليات تسوية مالية أكثر مرونة وأقل اعتمادًا على العملات الأجنبية الكبرى.
أبعاد سياسية واستراتيجية أوسع
بعيدًا عن الجانب الاقتصادي فقط، تؤكد الصين دعمها لمصر في المنابر الدولية، وتعزيز التنسيق داخل أطر متعددة مثل منظمة شنغهاي للتعاون والأمم المتحدة، ما يعكس رغبة بكين في رؤية دور أقوى للقاهرة على الساحة الإقليمية والعالمية.
هذا التوجّه يتماشى مع استراتيجية مصر في الانخراط الفاعل في مبادرات التكتّل الدولي وتوسيع شراكاتها بعيدًا عن المحاور التقليدية فقط، لتشمل لاعبين رئيسيين في الاقتصاد العالمي مثل الصين.
في المجمل، تجسد العلاقات المصرية–الصينية في 2026 نموذجًا رائدًا للتعاون متعدد الأبعاد يستند إلى مصلحة مشتركة في التنمية والاستقرار المالي والاقتصادي. فبينما يعمل الجانب المصري على تنويع مصادر التمويل، وتعزيز البنية التحتية، وجذب الاستثمار، تسعى الصين لتعميق أطر التعاون من خلال التمويل المتقدم، والاستثمارات الاستراتيجية، والآليات المالية المرنة. في ضوء هذه الديناميكية، يبدو أن الشراكة بين القاهرة وبكين في طريقها إلى مرحلة جديدة من التكامل التنموي الذي يخدم الأهداف الاقتصادية والسياسية على حدّ سواء.






