22 - 02 - 2026

بنك الجلد الإسرائيلي: أكبر بنك للبشر في العالم.. من المتبرعون؟

بنك الجلد الإسرائيلي: أكبر بنك للبشر في العالم.. من المتبرعون؟

- مفارقة بنك الجلد الإسرائيلي: كيف تغلبت 'البراجماتية العسكرية' على 'العقيدة الدينية'؟.
- مع غنائم الجسد: بنك الجلد الإسرائيلي بين التفوق الطبي والانتهاك الأخلاقي والقانوني.
- في دهاليز الاستباحة: دراسة في ملف بنك الجلد الإسرائيلي ومصادره المجهولة
- بنوك الجلد.. من مختبرات الإنقاذ إلى دهاليز الاستباحة"

في تاريخ الطب الحديث، لم تكن "بنوك الأنسجة" مجرد منشآت طبية، بل كانت تمثل قمة التضامن الإنساني، حيث يهب الموتى الحياة للأحياء. ولكن، حين تقترن التقنية الطبية المتطورة بعقيدة احتلالية، يتحول هذا الإنجاز العلمي من "جسر للشفاء" إلى "أداة للانتهاك". إن ما يسمى بـ "بنك الجلد الإسرائيلي" لا يمثل فقط مفارقة طبية، بل يمثل لغزاً أخلاقياً وقانونياً يتحدى الضمير العالمي، ويطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تحولت تقنية أوجدت لخدمة الإنسانية إلى وسيلة لاستباحة أجساد الضحايا تحت غطاء الضرورة العسكرية؟

تاريخ بنوك الجلد عالمياً: المسار العلمي للتضامن

بدأت الرحلة العلمية لبنوك الجلد في أربعينيات القرن العشرين، وتحديداً خلال الحرب العالمية الثانية، عندما واجه الأطباء تحدي حروق الطيارين والجنود. كان الجراح البريطاني توم جيبسون وزميله بيتر مداور (الحاصل على نوبل لاحقاً) أول من وثق علمياً أن الجسم يرفض الجلد الغريب، مما أدى لاحقاً إلى تطوير تقنيات الحفاظ على الأنسجة.

أول بنك للجلد في العالم: تأسس رسمياً في عام 1949 من قبل البحرية الأمريكية (U.S. Navy Tissue Bank) في ولاية ميريلاند، وكان الهدف هو توفير جلود بشرية معالجة لاستخدامها كغطاء مؤقت للحروق الكارثية.

تطور التقنية: 

في السبعينيات، تطورت تقنيات "الحفظ بالتجميد" (Cryopreservation) باستخدام النيتروجين السائل، مما سمح بتخزين الأنسجة لسنوات، وهو ما جعل بنوك الجلد مؤسسات استراتيجية في الدول المتقدمة.

انتقال التقنية إلى إسرائيل: السياق والمنعطف

لم تكن إسرائيل سباقة في هذا المجال، بل جاء اهتمامها كاستجابة مباشرة لدروس الميدان. فبعد حرب أكتوبر 1973، واجهت المنظومة الطبية العسكرية الإسرائيلية عجزاً هائلاً في التعامل مع إصابات الحروق الكيمياوية والحرارية الناتجة عن الصواريخ والمدرعات.

المرحلة التأسيسية: في أواخر السبعينيات، بدأت إسرائيل بإرسال فرق طبية للتدريب في الولايات المتحدة وأوروبا لنقل خبرات "معالجة الأنسجة".

العقبة الهيكلية: اصطدم المشروع فوراً بمعارضة الحاخامية الكبرى، حيث تحرم الشريعة اليهودية (Halakha) الانتفاع بالميت" (Hana'at   (HaMet، مما جعل الاعتماد على المتبرعين الإسرائيليين شبه مستحيل.

الحل البراجماتي المشبوه: في عام 1985، ومع صدور الضوء الأخضر الديني المشروط بـ "إنقاذ الحياة"، تم تأسيس البنك رسمياً. ولكن، لتعويض النقص الحاد الناتج عن امتناع المجتمع الإسرائيلي عن التبرع، بدأت التقارير الحقوقية والشهادات الداخلية تشير إلى تحول بوصلة المصادر نحو "جثامين الفلسطينيين"، مستغلين السيطرة العسكرية الكاملة وغياب الرقابة القانونية.

بهذا الانتقال، لم تعد التقنية مجرد وسيلة طبية، بل أصبحت جزءاً من "اقتصاد الحرب" الذي يتغذى على أجساد من لا يملكون صوتاً للاعتراض.

في زمن تتصارع فيه الأمم على براءات الاختراع والتفوق التكنولوجي، وتتبارى المستشفيات في تطوير أحدث تقنيات زراعة الأعضاء، يبقى السؤال الأخلاقي الأعمق معلقاً في الأذهان: من أين تأتي الأعضاء والأنسجة البشرية التي تنقذ حياة الآلاف؟ وماذا يحدث عندما تتحول الجثث إلى سلع، والمستشفيات إلى أسواق، والصراع السياسي إلى غطاء لانتهاك أقدس ما يملك الإنسان: جسده حتى بعد الموت؟

هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي واقع مؤلم يتجسد في واحدة من أكثر المفارقات الطبية إثارة للجدل في العالم: إسرائيل تمتلك أكبر بنك للجلد البشري في العالم، ولكن الإسرائيليين أنفسهم لا يتبرعون بالأعضاء بمعدلات تقارب أي دولة غربية أخرى. فمن أين يأتي هذا المخزون الهائل من الجلد البشري؟ ولماذا يكتنف الغموض هذه المنشأة الطبية الفريدة؟ الإجابة تقودنا إلى متاهة من الاتهامات والاعترافات والأدلة التي تمتد لعقود، وتضع علامات استفهام كبرى حول الحدود بين الطب والأخلاق، وبين إنقاذ الأرواح وانتهاك الكرامة الإنسانية.

نشأة بنك الجلد الإسرائيلي: من حرب إلى مؤسسة

تعود فكرة إنشاء بنك للجلد البشري في إسرائيل إلى أعقاب حرب أكتوبر 1973، تلك الحرب التي خاضتها إسرائيل ضد مصر وسوريا، والتي أسفرت عن سقوط آلاف الجنود الإسرائيليين وهو انتصارا مصريا ساحقا، كثير منهم أصيبوا بحروق بالغة في المعارك . كانت الحاجة ملحة لإنشاء بنك يخزن الجلد البشري لعلاج الحروق، لكن المشروع واجه عقبة دينية كبرى: اليهودية المتدينة تمنع التبرع بالأعضاء، وتعتبر جسد الإنسان أمانة يجب أن تدفن كاملة دون انتقاص.

استغرق تجاوز هذه العقبة اثني عشر عاماً كاملة. ففي عام 1985، وبعد مفاوضات معقدة مع الحاخامات، صدر فتوى دينية تسمح باستخدام الجلد البشري لعلاج الحروق، وبدأ المشروع فعلياً في التأسيس . ولكن السؤال الذي ظل معلقاً هو: من أين سيأتي الجلد إذا كان الإسرائيليون لا يتبرعون به؟

منذ البداية، كان المصدر الرئيسي لهذا البلد المذهل من الأنسجة البشرية هو جثث الفلسطينيين. تقرير للمفوضية الأوروبية لزراعة الأعضاء بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية كشف عن عزوف واضح من الإسرائيليين عن التبرع بالأعضاء، في تناقض صارخ مع امتلاك إسرائيل أكبر بنك جلد في العالم . هذا التناقض هو ما يسميه الباحثون "مفارقة بنك الجلد الإسرائيلي".

الضرورة الطبية كدافع للانتهاك الأخلاقي:

"من الناحية الطبية الصرفة، يظل الجلد البشري  (Allograft) هو المعيار الذهبي والعلاج الذي لا بديل له حتى الآن في حالات الحروق الكبرى من الدرجتين الثانية والثالثة، حيث يفوق في كفاءته كافة البدائل الصناعية أو الحيوانية من حيث القدرة على الالتصاق ومنع التسمم. هذا الاحتياج الطبي الملح، خاصة في ظل الطبيعة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي وتكرار الحروب، جعل 'الطلب' على الأنسجة البشرية في حالة ذروة دائمة. وهنا تظهر البراجماتية البحتة: حيث يتم تقديم المصلحة الطبية والعسكرية لجنود الاحتلال على حساب أبسط المبادئ الأخلاقية وحقوق الإنسان، ليتحول 'الاحتياج الطبي' إلى غطاء لسرقة الأنسجة.

الاعتراف الذي هز الأوساط الطبية

في مارس 2014، حدث ما يشبه الزلزال في الأوساط الطبية والحقوقية. ملكا شاؤول، مديرة بنك الجلد الإسرائيلي، أدلت بتصريحات تلفزيونية كشفت فيها النقاب عن حجم هذه المنشأة الفريدة. قالت صراحة إن إسرائيل تمتلك بنك جلد يفوق نظيره في الولايات المتحدة، وعندما سألها المحقق عن نسبة المتبرعين الإسرائيليين، أجابت بعبارة صادمة: "هذا سؤال غريب.. النسبة منخفضة جداً.. تقريباً لا يوجد متبرعون" .

هذا الاعتراف الرسمي من مديرة البنك نفسه فتح الباب أمام تساؤلات لم تعد تقبل التجاهل. إذا كان الإسرائيليون لا يتبرعون، والبنك هو الأكبر في العالم، فمن أين يأتي هذا الجلد؟

الإجابة قدمتها الدكتورة ميرا فايس، خبيرة الأنثروبولوجيا الإسرائيلية، التي عملت في المعهد الإسرائيلي للطب الشرعي لسنوات. في كتابها الصادم "على جثثهم"، وفي مقابلات متعددة، كشفت فايس عن تفاصيل مروعة عن انتزاع أعضاء من جثث فلسطينيين دون موافقة ذويهم. قالت: "بينما كنت أعمل هناك، تم انتزاع أعضاء، وبالإضافة إلى كل المهام المنوطة بمعهد الطب الشرعي. تحدثت مع مدير المعهد، وقلت له إنه يتعرض لضغوط ليكون مصدر توريد، لكنه رفض ثم طُرد من منصبه" .

ووصفت فايس كيف كانت أجزاء من جثث الفلسطينيين تؤخذ دون علم ذويهم: "لم يكونوا يسلمون الأجزاء في كثير من الأحيان، لكنها كانت تخرج من المنطقة الخلفية بطريقة لا يلاحظها سوى الأطباء المتخصصين" .

تاريخ طويل من الاتهامات والاعترافات

قصة بنك الجلد الإسرائيلي لا تبدأ في 2014، بل تمتد جذورها إلى عقود سابقة. في التسعينيات، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، كان المعهد الطبي القانوني في القدس هو المورد الرئيسي لهذه الأنسجة البشرية . تقارير إعلامية متعددة، من بينها تقرير في صحيفة الجارديان البريطانية عام 2009، أكدت أن إسرائيل اعترفت بأن أطباء شرعيين انتزعوا أعضاء من جثث فلسطينيين دون موافقة ذويهم .

في عام 2000، نشرت وسائل إعلام أمريكية تقارير عن قيام الجيش الإسرائيلي في التسعينيات بانتزاع أعضاء من جثث فلسطينيين وقتلى آخرين دون موافقة . وفي 2009، نشرت صحيفة أفتونبلاديت السويدية تقريراً اتهم الجيش الإسرائيلي بقتل فلسطينيين وسرقة أعضائهم .

لكن أخطر اعتراف جاء في 2014 من البروفيسور يهودا هيس، المدير السابق لمعهد الطب الشرعي، الذي أكد في فيلم وثائقي على القناة العاشرة الإسرائيلية أن الأطباء الشرعيين كانوا ينتزعون الأعضاء من جثث الفلسطينيين في التسعينيات دون موافقة عائلاتهم. اعترف هيس بأن المعهد كان يزود جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنسجة جلدية وأعضاء أخرى، بما في ذلك القرنية وصمامات القلب والعظام .

الصحفي الإسرائيلي جاي ميروز، الذي أعد تحقيقاً للقناة العاشرة، وصف تلك الأدلة بأنها "الأكثر صلابة على الاستخدام الواسع لأجزاء منتزعة من أفراد لم يعد بإمكانهم إسماع صوتهم" .

شبكة عالمية لتهريب الأعضاء: إسرائيل على القمة

الأمر لا يتوقف عند جثث الفلسطينيين فقط. تقارير دولية متعددة تشير إلى أن إسرائيل أصبحت مركزاً عالمياً لتجارة الأعضاء البشرية، في شبكة تمتد من كوسوفو إلى أوكرانيا، ومن البرازيل إلى جنوب أفريقيا.

في عام 2004، أدلى ضابط سابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي بشهادته أمام محكمة برازيلية، كشف فيها أن الحكومة الإسرائيلية مولت شبكات لتهريب الأعضاء من خلال أربعة برامج صحية وطنية. قال الضابط: "لم أتخيل أبداً أن الحكومة الإسرائيلية ستمول أنشطة غير قانونية. أولئك الذين يبيعون أعضاءهم يعيشون في ظروف مروعة. المتاجرة بالأعضاء البشرية تضم أكثر من 100 عصابة" .

في عام 2010، قضت محكمة جنوب أفريقية بتغريم شركة Netcare الطبية الكبرى 780 ألف راند لانتهاكها قانون الأنسجة البشرية. الشركة اعترفت بإجراء 92 عملية زرع كلى لمرضى إسرائيليين، حيث كان بائعو الكلى من فقراء البرازيل .

وفي 2012، كشفت تحقيقات في كوسوفو عن شبكة لتهريب الأعضاء كانت تستهدف فقراء أوروبا الشرقية، حيث كان يتم شراء كليتهم ببضع آلاف من الدولارات، وبيعها للمرضى الإسرائيليين بمئات الآلاف .

مع اندلاع الحرب في سوريا وأوكرانيا، ظهرت تقارير عن استغلال هذه الصراعات للحصول على أعضاء بشرية. تقارير روسية كشفت عن تهريب أطفال من شرق أوكرانيا إلى إسرائيل لاستخدامهم كمتبرعين بالأعضاء . وفي سوريا، اتهمت تقارير عصابات إسرائيلية باختطاف أطفال وبيع أعضائهم .

المفارقة: نقص المتبرعين الإسرائيليين

في قلب هذه القضية تقف مفارقة لافتة: إسرائيل هي الدولة الأكثر احتياجاً للأعضاء في العالم المتقدم، وأكثرها امتلاكاً لبنوك الأنسجة، لكنها في الوقت نفسه من أقل الدول في معدلات التبرع الطوعي.

السبب الرئيسي ديني: اليهودية المتدينة تعتبر التبرع بالأعضاء تدنيساً لجسد الميت، وتمنع انتزاع أي جزء منه قبل الدفن. هذا الموقف الديني أدى إلى عزوف واسع عن التبرع، رغم محاولات بعض الحاخامات التحرريين إصدار فتاوى تجيز ذلك .

نتيجة هذا العزوف، بلغت نسبة التبرع بالأعضاء في إسرائيل نحو 14% فقط، وهي نسبة منخفضة جداً مقارنة بالدول الغربية. هذا يعني أن الطلب على الأعضاء داخل إسرائيل يفوق العرض المحلي بمئات المرات، مما يخلق سوقاً سوداء ضخمة تدفع باتجاه البحث عن مصادر بديلة .

هذه الفجوة بين الحاجة والموارد المحلية هي ما جعل إسرائيل، وفق تقارير دولية، في قمة هرم تجارة الأعضاء العالمية. فهي المستورد الأكبر للأعضاء البشرية، وأكثر الدول تورطاً في شبكات التهريب الدولية.

ما بعد 7 أكتوبر: اتهامات جديدة

مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، عادت الاتهامات المرتبطة ببنك الجلد الإسرائيلي إلى الواجهة. تقارير من المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش تحدثت عن انتزاع أعضاء من جثث فلسطينيين في غزة .

في ديسمبر 2023، سلمت إسرائيل 80 جثة فلسطينية عبر معبر كرم أبو سالم، ملفوفة في أكياس بلاستيكية زرقاء. بعد فحصها، لاحظت مكاتب حكومية في غزة "سرقة واضحة للأعضاء الحيوية" من هذه الجثث . هذا التقرير أضاف بعداً جديداً لاتهامات قديمة، في سياق حرب أوقعت آلاف القتلى والجرحى.

منذ 7 أكتوبر 2023، شنت إسرائيل عدواناً على قطاع غزة أدى إلى سقوط آلاف المدنيين، وإصابة أكثر من خمسين ألف آخرين. في هذه الأجواء، عاد الجدل حول مصير الجثث الفلسطينية المحتجزة في الثلاجات الإسرائيلية. مصادر إعلامية كشفت أن إسرائيل لا تزال تحتجز أكثر من 370 جثة لشهداء فلسطينيين، بعضها محتجز منذ 2015، والبعض الآخر مدفون في مقابر بالأرقام .

هذه الجثث، حسب منظمات حقوقية، مدفونة في سرية تامة، كل جثة تحمل رقماً يتوافق مع ملف لدى السلطات الإسرائيلية يحتوي على معلومات عن صاحبها. ولا يُعرف ما حدث لهذه الجثث، وما استخرج منها .

الجانب الآخر: إنقاذ الأرواح أم انتهاك الكرامة؟

المدافعون عن إسرائيل يقدمون رواية مختلفة. البروفيسور أريه إلداد، مؤسس بنك الجلد الإسرائيلي، يروي قصة امرأة من غزة تعرضت للحرق على يد عائلتها بسبب الشكوك بالزنا. يقول إلداد إن بنك الجلد زودها بجلد بشري لعلاجها، وتم شفاؤها في مستشفى سوروكا ببئر السبع. لكن بعد شفائها، تم ضبطها تحاول تفجير نفسها في العيادة التي أنقذت حياتها .

هذه الرواية، التي يرويها إلداد في مقالات متعددة، تستخدم لتبرير وجود بنك الجلد كمنشأة إنسانية تنقذ الأرواح، وتصوير الصراع كصراع بين "الحضارة والبربرية". لكن هذه الرواية الفردية لا تقدم إجابة على السؤال الأساسي: من أين يأتي الجلد الذي أنقذ تلك المرأة، إذا كان الإسرائيليون لا يتبرعون به؟

المستشفيات الإسرائيلية تقدم خدمات طبية متطورة. تقرير من مستشفى شيبا الإسرائيلي يصف بنك الأنسجة الوطني الذي يخزن العظام والأوتار والجلد وصمامات القلب، ويستخدمها في عمليات إنقاذ الحياة، خاصة للأطفال مرضى السرطان . الدكتور أيهليت دي سيغني، مديرة بنك الأنسجة في شيبا، تصف منشأتها بأنها "أكثر مستودع مراقب لقطع غيار البشر يمكنك تخيله" .

لكن حتى في هذا التقرير الذي يهدف لإبراز الجانب الإنساني للطب الإسرائيلي، يظهر التحدي نفسه: "أكبر عقبة تواجهنا هي العدد المنخفض من المتبرعين". الدكتور رون بورستين يؤكد أن التبرع بالأنسجة غالباً ما يُغفل مقارنة بالتبرع بالأعضاء، وأن متبرعاً واحداً يمكن أن يساعد 75 مريضاً .

هذه الدعوة للتبرع تؤكد من جديد أن المشكلة قائمة، وأن الاعتماد على المتبرعين الإسرائيليين غير كافٍ لتغذية أكبر بنك جلد في العالم.

غياب الإطار القانوني والرقابة الدولية

جزء من تفسير هذه القضية يعود إلى الفراغ القانوني الذي تعمل فيه إسرائيل. إسرائيل لم تصدق على أقسام رئيسية من اتفاقية جنيف الرابعة، مما خلق حسب وصف الباحثين "فراغاً أخلاقياً" في المنطقة . كما أنها لم توقع على إعلان اسطنبول بشأن الاتجار بالأعضاء، مما يجعل الرقابة الدولية على ممارساتها محدودة.

منظمات حقوقية تطالب بالتحقيق في هذه الانتهاكات أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكن التحدي الأكبر هو جمع أدلة جنائية تحت الاحتلال العسكري .

في إسرائيل نفسها، هناك محاولات للمساءلة. في 2017، فتحت الشرطة تحقيقاً مع منظمة "متنات حاييم" (هدية الحياة) بتهمة الاتجار بالأعضاء، لكن مؤسس المنظمة لم يعاقب، بل نال تكريماً من وزارة الصحة والمستشفيات . هذا التناقض يعكس حالة من التسامح الرسمي مع هذه الممارسات، رغم التحقيقات.

الفراغ القانوني المتعمد ومبدأ الإفلات من العقاب:

لا يمكن فهم استمرارية هذه الممارسات دون النظر إلى الموقف الإسرائيلي من القانون الدولي؛ فإسرائيل ترفض التصديق على بنود جوهرية في اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وخاصة تلك التي تنظم التعامل مع جثامين الموتى وحرمة أجسادهم. هذا الرفض ليس مجرد إجراء إداري، بل هو خلق متعمد لـ 'فراغ قانوني' يتيح للمؤسسة الطبية والعسكرية العمل بعيداً عن الرقابة الدولية، مما يكرس حالة من الإفلات من العقاب ويحول الجسد الفلسطيني إلى منطقة مستباحة قانونياً.

رسالة إلى العالم العربي: الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار

ما تطرحه قضية بنك الجلد الإسرائيلي من أسئلة يتجاوز حدود الصراع السياسي ليمس جوهر الكرامة الإنسانية. جسد الإنسان، حياً وميتاً، هو أقدس ما يملك. انتهاك حرمة الموتى، وسرقة أعضائهم، والاتجار بها، هي جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

العالم العربي، بتاريخه وتراثه، يمتلك رؤية مختلفة للتعامل مع الجسد الإنساني. ثقافتنا وديننا يقدسان الموتى، ويحرمون التمثيل بالجثث، ويعتبرون دفن الموتى بكرامة واجباً مقدساً. هذه القيم ليست مجرد تراث، بل هي ضمانة للكرامة الإنسانية في مواجهة منطق السوق الذي يحول البشر إلى سلع.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نواجه مثل هذه الانتهاكات؟ هل بالصمت والتجاهل، أم بالفضح والتوثيق والمقاطعة والمحاكمة الدولية؟ تجارب التاريخ تؤكد أن الجرائم المرتكبة في الظلام لا يمكن مواجهتها إلا بكشفها للنور.

بنك الجلد بين الطب والأخلاق

بين الرواية الإسرائيلية التي تقدم بنك الجلد كمؤسسة إنسانية تنقذ الأرواح، والاتهامات الموثقة التي تتحدث عن انتزاع أعضاء من جثث الفلسطينيين وفقراء العالم، تقف حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: إسرائيل تمتلك أكبر بنك جلد في العالم، والإسرائيليون لا يتبرعون بالأعضاء.

هذه المفارقة تحتاج إلى تفسير. وهذا التفسير، حسب عشرات التقارير والاعترافات والتحقيقات، يقود إلى مصدر واحد: جثث الفلسطينيين، وآلاف الفقراء حول العالم الذين يبيعون أعضاءهم لإنقاذ حياتهم من الفقر، ليجدوا أنفسهم في سوق عالمية يديرها تجار الموت.

قضية بنك الجلد الإسرائيلي ليست مجرد قضية طبية أو حتى سياسية. هي قضية أخلاقية بامتياز، تختبر حدود الإنسانية في زمن تتحول فيه الجثث إلى سلع، وتصبح فيه المستشفيات أسواقاً، وتتحول فيه الحروب إلى فرص للاستيلاء على ما تبقى من كرامة إنسانية.

اللحظة حاسمة، والأدلة متراكمة، والجراح ما زالت مفتوحة. فهل يتحرك المجتمع الدولي لوضع حد لهذه الانتهاكات، أم تبقى ضمائر البشر رهينة المصالح السياسية والتوازنات الدولية؟

ختاماً، إن قضية بنك الجلد الإسرائيلي تكشف الوجه المظلم للحداثة الطبية عندما تتجرد من الأخلاق. إن استغلال 'الضرورة الطبية' لترميم أجساد الغزاة عبر تمزيق أجساد الضحايا، في ظل 'فراغ قانوني' مصطنع، ليس نصراً طبياً بل هو سقوط قيمي مدوٍّ. إن الجسد الإنساني ليس 'مستودعاً لقطع الغيار'، والكرامة البشرية لا تقبل القسمة على انتماء سياسي أو ديني. سيبقى هذا البنك شاهداً ليس على تفوق الطب، بل على مدى الانحدار الذي يمكن أن تصل إليه البشرية عندما يتحول العلم إلى أداة للاحتلال، وتتحول الأجساد إلى غنائم حرب.

سؤال للقارئ

بينما تقرأ هذه السطور، عشرات الجثث الفلسطينية لا تزال محتجزة في ثلاجات إسرائيلية، وآلاف الفقراء حول العالم يبيعون أعضاءهم ليعيشوا، وتجارة الأعضاء تزدهر في ظل الصراعات والحروب. ما هو دورنا كأفراد ومجتمعات في مواجهة هذه الجرائم؟ وكيف نحمي كرامة الموتى من أن تتحول إلى سلع في أسواق لا تعرف رحمة؟

اللحظة حاسمة، والضمير الإنساني ينتظر من يوقظه. فهل نتحرك قبل فوات الأوان؟
----------------------------
د. إيهاب محمد زايد
- رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية