23 - 02 - 2026

دايتْ المُلحدين وصيامُ المؤمنين

دايتْ المُلحدين وصيامُ المؤمنين

في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وصار الإنسان يلهث خلف «الدايت» في كل شيء، من الطعام إلى الأفكار، يطلّ علينا مشهدٌ عبثيٌّ يستحق التأمل: ملحدٌ يصحو فجرًا – لا ليصلّي – بل ليحسب سعراته الحرارية، ويُمسك عن الطعام ساعاتٍ طوالًا، لا تعبّدًا، بل «دايتًا»، خوفًا على جسده من الترهّل، وحرصًا على مرآةٍ قد تخونه يومًا، بينما يسخر، في الوقت ذاته، من صائمٍ يُمسك لوجه الله، يرجو تزكية الروح قبل خفّة البدن.

لولا الإسلام – وهذه ليست مبالغةً خطابية، بل حقيقة تاريخية وروحية – لكان العالم قد غرق في ماديته حتى أذنيه، ولتحوّلت الأرض إلى سوقٍ كبيرٍ بلا ضمير، يأكل القويُّ فيه الضعيفَ بلا وازعٍ من إيمانٍ أو حساب. لم يأتِ الإسلام ليزيد طقوسًا على طقوس، بل جاء ليضع ميزانًا يردع الشهوة، ويهذّب الغريزة، ويقول للإنسان: لستَ جسدًا فقط، بل روحٌ أيضًا. ولو تُرك الإنسان لشهواته بلا قيدٍ من عقيدة، لقامت قيامته الخاصة قبل قيام الساعة الكبرى.

العجيب أن بعض من ينكرون الدين بدعوى العقلانية يمارسون الصوم بأشكالٍ مختلفة: صيامٌ متقطّع، ودايتٌ قاسٍ، وامتناعٌ عن السكر، ومقاطعةٌ للكربوهيدرات، والتزامٌ صارمٌ بجداول الطعام؛ كل ذلك من أجل الحفاظ على الجسد. ولا اعتراض هنا على العناية بالصحة، فهي نعمةٌ ينبغي صونها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يُستكثر على المؤمن أن يصوم لله طلبًا لصحة الروح، كما تُطلب صحة البدن؟

الصوم في الإسلام ليس حرمانًا عبثيًا، ولا تعذيبًا للجسد، بل مدرسةٌ سنوية تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. حين يصوم المؤمن، فهو لا يجوع فقط، بل يتذكّر الفقير، ويكبح لسانه، ويغضّ بصره، ويحاسب نفسه. الصوم ليس «دايتًا روحيًا» بالمعنى الاستهلاكي للكلمة، بل عبادةٌ خالصة، وتقويمٌ للجسد، وتهذيبٌ للنفس، وارتقاءٌ بالروح فوق سطوة الشهوة.

أما الإلحاد، في نسخته العربية أو المصرية، فغالبًا ما يأتي في صورة ردّ فعل، أو تأثّرٍ بموضةٍ فكرية، أو هروبٍ من التكاليف، إذ يستسهل أغلبهم فكرة إنكار التكليف لأنها تريح الضمير من عبء العبادة، وتمنح النفس مساحةً لتفعل ما تشاء دون سؤالٍ عن حلالٍ أو حرام. إنها معادلةٌ مريحة: لا إله، إذًا لا حساب، ولا صومٌ، ولا صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌ لبيت الله الحرام. لكن هل ترتاح الروح فعلًا بهذا الفراغ؟

المفارقة أن الإنسان، حتى وهو ينكر الإيمان، يبحث عن معنى، يبحث عن نظامٍ غذائي، وعن فلسفة حياة، وعن طقوسٍ صباحية ومسائية، وعن «روتين» يمنحه إحساسًا بالسيطرة. كأنه يعترف – من حيث لا يدري – بأنه كائنٌ يحتاج إلى إطارٍ ينظّم فوضاه. وقد قدّم الإسلام هذا الإطار منذ قرون، لا ليقيّد الإنسان، بل ليحرّره من عبودية نفسه.

دايتُ الملحدين قد يمنحهم جسدًا مشدودًا، لكنه لا يجيب عن سؤال: لماذا نعيش؟ وصيامُ المؤمنين قد يُنقص من أوزانهم قليلًا، لكنه يُثقِل موازينهم معنىً ورضًا وسكينةً. الفرق بين الاثنين ليس في الامتناع عن الطعام، بل في النيّة والغاية. هناك من يصوم ليُرضي صورته في المرآة، وهناك من يصوم ليُرضي خالقه.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقًا في فضاء الضمير: أيهما أولى بالعناية، جسدٌ فانٍ مهما طال به العمر، أم روحٌ خالدة ستقف يومًا بين يدي ربها؟ هنا يتمايز الدربان، ويُعرَف الفارق بين دايتٍ عابر، وصيامٍ يرفع صاحبه درجات.
-----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

دايتْ المُلحدين وصيامُ المؤمنين