تمثل رواية "مقامات الغضب" للكاتبة صفاء النجار تجربة سردية مركبة تحاكي لحظة تاريخية مأزومة، وتعيد إنتاج أثرها النفسي والاجتماعي داخل ذوات فقدت يقينها الأول، دون أن تنجح (الشخصيات وليس الرواية) في بناء يقين بديل.ويمكن اعتبار الرواية نموذجًا للرواية البوليفونية الحديثة، حيث تتجاور الأصوات، تتصادم أحيانًا، لكنها لا تلغي بعضها، ولا تمنح أيًا منها امتلاكًا كاملًا للحقيقة. من هنا، تصبح الرواية تجربة مزدوجة، تقنية سردية فنية من جهة، ودراسة نفسية واجتماعية لما بعد الحدث من جهة أخرى.
الثورة داخل النص
تقنية "تعدد الأصوات" هي واحدة من أهم السمات الفنية في الرواية، يتوزع السرد على خمسة أصوات رئيسية، لكل منها زاويتها الخاصة، وذاكرتها، ومخاوفها، ومبرراتها، وأحيانًا أعماها الخاصة: أروى، سلوى، اللواء يسري صالح، علي قنديل، وفادي. اختيار ضمير المتكلم لكل صوت يمنح كل شخصية سلطة مؤقتة على السرد، لكنها سلطة هشّة سرعان ما تُنتزع عند انتقال السرد إلى صوت آخر.
هذه الهشاشة تعكس جوهر الرواية، فالمعنى ليس حقيقة ثابتة، ولكنه احتمال مفتوح على التأويل،
ففي لحظة يناير، كان تعدد الأصوات امتدادًا طبيعيًا للشارع، عامل، طالب، أم، متدين، حالم، خائف، كلهم يتكلمون في اللحظة ذاتها. والرواية، حين تستدعي هذه اللحظة، فإنها توظف تقنية الأصوات المتعددة لمحاكاة جمالية لبنية الثورة نفسها. فليس ثمة راوٍ عليم يحتكر الحقيقة، ولا صوت أعلى من غيره، ولا تسلسل هرمي للرؤية. هنا تتحول التقنية إلى صيحة احتجاجية سردية، تقوّض سلطة الصوت الواحد، سواء سياسيًا أو روائيًا، بما يجعل القارئ يعيش تجربة الثورة من داخل تعددها الأفقي، وليس من منظور مركزي.
الغضب كبنية شعورية
الغضب، في الرواية، هو مبدأ تنظيمي يحكم حركة الأصوات وحدود ما تكشفه وما تحجبه. هو سلطة خفية تربط الشخصيات ببعضها، وتمثل إيقاعًا داخليًا ينسج التجربة. الرواية لا تقدم الغضب باعتباره انفجارًا لحظيًا، ولكن كطاقة ممتدة تتحول تدريجيًا إلى حيرة، ترقّب، قلق، ثم إلى ترحال مادي أو نفسي أو روحي. بهذا المعنى، تصبح المقامات - بوصفها فصول الرواية - درجات شعورية يصعدها أو يهبطها الغضب، فتتحول إلى حالات وجودية أكثر من كونها محطات سردية،
فالمقام عند الصوفية هو منزلة تُكتسب بالمجاهدة، لكن الرواية تعيد توطين المصطلح في سياق دنيوي، نفسي واجتماعي، حيث تصبح "مجاهدة" الشخصيات بحثًا عن احتمال النجاة، وفهم كيف نعيش بعد انكسار المعنى. الغضب إذن هو سارد خفي، ينسج إيقاع النص الداخلي، ويوحد الأصوات ضمن بنية متشابكة، رغم تعدد زوايا الرؤية.
مرايا للغضب والتحولات
يقدم كل صوت في الرواية تجربة فريدة للغضب، فأروى التي تمثل مركز الثقل العاطفي في النص، وغضبها صاخب، متقلب، موجّه إلى الخارج والداخل معًا، تمنحها ثورة يناير فائض الغضب والرغبة في كسر الوصاية، لكنها تغرق في حالة وجودية بعد فقدان الأفق، ما يجعل الغضب تجربة شخصية وليست موقفًا سياسيًا ثابتًا.
أما سلوى، وهي نموذج الغضب الصامت، يرتد غضبها إلى الداخل، يتحول إلى جلد للذات ومحاسبة قاسية. سردها أقرب إلى محاكمة طويلة، تبحث عن فهم متأخر لدورها في إعادة إنتاج الفشل، ولا تهدف إلى تبرئة أو إدانة الآخرين.
ويكسر صوت اللواء يسري صالح ثنائية الثورة/السلطة. هو تجسيد لوعي تشكّل داخل مؤسسة الأمن. يرى الثورة من زاوية الخطر وليس الأمل، وغضبه موجّه ضد الفوضى وليس الظلم. بهذا التعقيد، تمنح الرواية صوت السلطة بعدًا إنسانيًا دون أن تبرّئه.
ويمثل علي قنديل الشيخ الأزهري، نموذج المتدين المتأرجح بين الطمأنينة والقلق. إيمانه متردد، وصعوده الاجتماعي مشروط، مما يجعل غضبه جزءًا من تجربة ذاتية اجتماعية معقدة، ومثله فادي، الذي يعكس التحولات الدينية والشخصية، بداية أزمة جديدة وليس خلاصًا جاهزًا، وغضبه يظل متداخلًا بين هويتين متصارعتين، بين التجربة الفردية والتحولات المجتمعية.
هكذا، لا تمتلك أي شخصية الحقيقة الكاملة، بل تعمل كل واحدة كمرآة تعكس تباين التجربة الإنسانية والاجتماعية في اللحظة المأزومة.
ما بعد الحدث
لا تنشغل رواية "مقامات الغضب" بالثورة بوصفها حدثًا مكتملًا، بقدر انشغالها باقتفاء أثرها المتشظي داخل ذوات فقدت يقينها الأول. بعد إجهاض الثورة، لا تختفي الأصوات، لكنها تفقد انسجامها المؤقت. لم تعد جوقة متحدة في ساحة، بل شظايا تتجاور في عزلة، فقدان البوصلة والتفكك الاجتماعي يصبحان محور الرواية،
ويتحول التعدد الصوتي من أداة تحرير إلى علامة على الانكسار. ما تبقى ليس الصمت، بل كلام كثير بلا أفق مشترك. هذه المفارقة تعكس مهارة الكاتبة في توظيف التقنية البوليفونية ليس فقط لمحاكاة الثورة، بل لتصوير ارتداداتها النفسية والاجتماعية بعد سقوطها، مع إبراز حالة التشظي والتردد الأخلاقي والمعرفي الذي يعيشه الأفراد والجماعات.
البنية الفنية واللغة
تنهض الرواية على تراكم بطيء للتجربة، عبر ما يمكن تسميته بـحصاد الاختيارات، فلا تُروى الأحداث الكبرى (الثورة، التحولات السياسية، الانكسارات الاجتماعية) كوقائع تاريخية ولكن كارتدادات نفسية، ارتباك أروى، جلد الذات عند سلوى، يقين اللواء المشوب بالخوف، براجماتية علي قنديل، وانكسار فادي وتمزقه بين هويتين.
هنا تعمل اللغة كأداة كشف، تتنقل بين الجفاف التقريري والانفجار الشعري، بحسب درجة الغضب المسيطرة على الصوت السارد. الحوار يدمج ضمن المتن دون فواصل تقليدية، مما يعكس التشظي والضغط النفسي للشخصيات، ويجعل القارئ يعيش حالة ارتباك مماثلة لتجربة الأصوات داخل الرواية.
الحل والترحال
يتوزع الفضاء الروائي بين القاهرة ومغاغة، لكن الرواية تقدمه وكأنه ذاكرة متآكلة، فالبيوت تفقد روحها، والحي يتغير، والزرع يتم دكه تحت جنازير السلطة. المكان مرآة للزمن، وللسقوط التدريجي لفكرة الاستقرار، وينتهي السرد عند مقام الترحال، بوصفه حركة مفتوحة. لا أحد يصل، ولا أحد يُشفى. فقط تخف الأحمال قليلًا. وهنا تعلن رفضها الخاتمة المطمئنة، واعترافها بأن الغضب لم ينتهي، ولكن تغيّر شكله.
هكذا تكشف "مقامات الغضب" عن حالات تحول الصوت، من الهتاف إلى الهمس، ومن الجماعة إلى التشظي. رواية تحاول تفكيك الغضب ليس لتمنح قارئهاطمأنينة، ولكن لتجعله أكثر وعيًا.
جوهر الرؤية
تمثل البنية البوليفونية جوهر الرؤية في الرواية، فالأصوات لا تتقاطع دائمًا، وقد تتصادم أحيانًا، لكنها تُبقي القارئ داخل ارتباك مقصود، تعكسه في تفاعلها. هذا التداخل بين الأصوات يحاكي تجربة الثورة والانكسار بعد الحدث، الحركة الأفقية والانفجار الجماعي يتحولان إلى عزلة وتشظي، وهنا تتحول التقنية من أداة محاكاة إلى رمز للغضب المتشظي والحياة بعد الانكسار. بحيث يمكن القول إن الرواية تقدم الغضب كسارد خفي، ينسج وحدة داخلية للنص رغم تعدد الأصوات وتباين التجارب، ويجعل الرواية رحلة وجودية أكثر من كونها سردًا تاريخيًا أو سياسيًا.
وختاما فإن "مقامات الغضب" رواية لحظة مأزومة، يشكل الغضب فيها تجربة ذاتية وجمعية، تبدو كرحلة نحو وعي أكثر إيلامًا بنقص الخلاص نفسه، نحو فهم كيف يمكن للغضب أن يتحول من طاقة تغيير إلى حالة إقامة دائمة داخل الأفراد والمجتمع، فالغضب لم ينتهِ، لكن تغير شكله، وتظل الأصوات بعد الثورة تتحدث، لكنها بلا أفق مشترك، تكشف عن هشاشة اليقين، وعن تغير تجربة الإنسان في العالم بعد تعرضه للانكسار.
---------------------------------------
قراءة: أحمد رجب شلتوت






