21 - 02 - 2026

حرية الفكر بين منطق النمل ومنهج النحل

حرية الفكر بين منطق النمل ومنهج النحل

يصف الفيلسوف والمفكر الكبير الدكتور زكي نجيب محمود (1905-1993م)، الفترة من القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري (الثامن إلى الثالث عشر ميلاديًا)، بأنها ذروة إبداع الحضارة العربية الإسلامية. اتسمت بازدهار العقل النقدي لا النقلي، مع حضور قوي للفلسفة، والعلوم، والطب، والرياضيات، وتفاعل ديناميكي خلاق مع تراث الحضارات اليونانية، والفارسية، والرومانية، والهندية، دون الذوبان فيها. ومع أن كلا من النحل والنمل مثالين بارزين لحسن العمل، إلا أن العرب كانوا في تلك الفترة أقرب لسلوك النحل لا النمل فأنتجوا مصهورًا عربيًا خالصًا بأيدي علماء ومفكرين عرب من قبيل الكندي، والفارابي، وابن سينا، وغيرهم من علماء الطبيعة والرياضيات.

ويزيد الدكتور زكي نجيب على ذلك بأن شخصية عربية واحدة من أفذاذ تلك الفترة، تفوق كثيرًا من نظرائها في الحضارة الغربية، قياسًا بما قدموه من فكر، فابن خلدون مثلاً يفوق مونتيسكيو، وأوجست كونت بتأسيسه علم العمران البشري وتفسير حركة التاريخ عبر مفاتيح العصبية والاقتصاد والاجتماع، وذلك قبل تأسيس علم الاجتماع بصورته الحديثة. كما سبق ابن الهيثم فرانسيس بيكون وديكارت بوضعه المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة والتحقق، وعندما قرر الغرب التقدم أعاد اكتشاف الحضارة العربية وتقديمها بروح غربية.

في بناء أدبي شيق ورصين يتناول الكاتب الموريتاني أحمد فال الدين، سيرة عمرو بن بحر البصري، المعروف بالجاحظ (775 – 868م) في رواية بعنوان "الحدقي"، استعرض فيها جوانب ومواقف من حياته.

منذ نعومة أظافره، اشتُهر الجاحظ بعينٍ فاحصةٍ تلتقط التفاصيل، وذهنٍ حاضرٍ يدوّن الوقائع، وذاكرةٍ حافظةٍ ضمّنت العلم في خزائن لا تَنسَىَ، وعين ذكية لا تثبت على زاوية، فأنتج أدبًا لا تمحوه رمال السنين. كان لا يُرى إلا ومعه كراريسه وأقلامه في كيس تحت إبطه، يلتقط الصورة بعينيه ويشرع يحللها ويصنفها ويدونها ويربط بين أضدادها.

تفرد عن نظرائه - وقل إن تجد له نظيرًا - بخوضه في غريب الموضوعات. كتب في الحيوان عدة أجزاء صنفها المتخصصون بأنها موسوعة في مجالها، وكتب عن الزرع والنخل، والمذاهب من إمامية وشيعية ومعتزلة وزيدية وغيرها، وسرد شطرًا من نوادر الطفيليين والبخلاء، وكتب عن اللصوص وفنونهم، وعن البرصان والعرجان والعميان والحولان، وغيرها من موضوعات لم تألفها المكتبة العربية.

كان في أول حياته يرغب أن يكون شاعرًا، ويمني نفسه بذَهب الخليفة وعطاياه، إلا أن مشهد قتل الشاعر بشار بن برد (714-784م)، على يد جنود الخليفة المهدي، ترك في نفسه أثرًا لا يُمحى. كان على يقين أنه قُتل لهجائه الخليفة، وليس لما نُسب إليه من زندقة. قُدِمَ الرجل قربانًا للولاء، على خلاف ما اتسم به ذلك العصر من حرية فكر ساهمت بشكل رئيس في صناعة الجاحظ.

كان أبو عثمان قد قضى شطرًا من فترة تعليمه في صباه على يد العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي، أحد أعظم عقول الأمة الإسلامية، كما يصفه الدكتور زكي نجيب، اختزله المتحدثون في زاوية اللغة؛ بتأسيسه علم العَرُوض، وهمشوا دوره في الموسيقى والرياضيات، فضلاً عن كونه مفكرًا فذًا.

وقد دخلت به أمه على الفراهيدي بعد أن لاحظت نهمه المبكر للمعرفة، وإسرافه في شراء الكتب، وحرصه على طرح أسئلةٍ تتجاوز سنه، وهو ما رأت فيه حاجةً إلى توجيهٍ يؤسس لعقلٍ منظمٍ ومعرفةٍ رصينة. وفي تلك البيئة العلمية الثرية، زامل الجاحظُ الشاعرَ الحسن بن هانئ، المعروف بأبي نواس (756-814م)، وتتلمذ في مناخٍ فكريٍ لا يعرف حدوداً، ولا يضع سقفاً للأفكار، مما أسهم في تشكيل عقلية الجاحظ النقدية الموسوعية، القادرة على الربط بين العلوم والأدب والحياة.

لم يكن الجاحظ ابن موهبة فذة فحسب، بل ابن عصر أتاح للعقل التفكير دون خوف، وللسؤال أن يُطرح دون وصاية، وللاختلاف أن يُدار بالحجة لا بالسيف.

كان عقلاً أقرب لمنهج النحل القائم على معالجة ما يلتقطه من رحيق وحبوب لقاح من شتى الزهور والرياحين وتقديمها في مزيج من عسل مصفى، وحين غاب هذا المناخ، وانكمش العقل تحت وطأة النقل، لم يتراجع الأدب وحده، بل تراجع الإنسان نفسه، وتحول إلى منطق النمل القائم على النقل والتخزين دون قيمة مضافة. 

كلاهما – النحل والنمل - مثالٌ في النظام، ولكن شتان بين المنتج النهائي. حرية الفكر ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا أصيلًا للإبداع. الحضارات لا يبنيها النمل. النحل يستطيع.
----------------------------------
بقلم: د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

حرية الفكر بين منطق النمل ومنهج النحل