من الحماية إلى الصراع: قوانين الأحوال الشخصية بين النص القانوني والممارسة الاجتماعية
لم يكن قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد نصوص قانونية تنظّم الزواج والطلاق والحضانة، بل كان – ولا يزال – مرآة للتحولات الاجتماعية وصراعات السلطة داخل الأسرة. ومع تطور هذه القوانين بدعوى حماية المرأة والطفل، ظهرت إشكالية جديدة تتمثل في تحول القانون من أداة عدالة إلى أداة صراع وانتقام في بعض الحالات، وقد لعبت السينما والدراما المصرية دورًا بالغ الأهمية في كشف هذا التناقض بين المقصد الإنساني للنص القانوني وسوء تطبيقه على أرض الواقع.
تنظر الأنثروبولوجيا إلى القانون لا بوصفه نصوصًا محايدة، بل باعتباره ممارسة اجتماعية تُعيد إنتاج السلطة داخل الحياة اليومية. ومن هذا المنظور، يصبح قانون الأحوال الشخصية في مصر حقلًا مركزيًا لفهم كيفية تشكّل العلاقات الجندرية، وتوزيع القوة داخل الأسرة، وتحويل العاطفة إلى موضوع ضبط قانوني، فالعلاقة الزوجية التي يؤسسها الخطاب الديني على المودة والرحمة، تتحول داخل الممارسة القانونية إلى مجال صراع تُدار فيه مفاهيم مثل الطاعة – النشوز- الحضانة والنفقة بوصفها أدوات تفاوض وهيمنة.
عرض تطوّري مختصر ودقيق لقوانين الأحوال الشخصية في مصر، مع التركيز على الطلاق، الخُلع، مسكن الزوجية، الحضانة، وسنّ الطفل، وربطها بالسياق الاجتماعي والسياسي
أولًا: المرحلة التقليدية (حتى منتصف القرن الـ20)
• المرجعية: الفقه الإسلامي (خاصة المذهب الحنفي).
• الطلاق: حق شبه مطلق للزوج، دون اشتراط توثيق
• المرأة: لا تطلّق إلا للضرر وبإثبات صعب
• الحضانة: للأم غالبًا حتى سن صغيرة جدًا (7 للذكر، 9 للأنثى).
• مسكن الزوجية: حق للزوج، وتُجبر المطلّقة على الخروج غالبًا.
ثانيًا: مرحلة الإصلاح الأولى – الخمسينيات والستينيات
قانون 25 لسنة 1920 و25 لسنة 1929 (مُفعلين بقوة لاحقًا)
• الطلاق للضرر: الاعتراف بحق المرأة في التطليق (الضرر، الغياب، الهجر)
• تقييد تعسف الزوج جزئيًا
• الحضانة: تحسين نسبي لموقف الأم.
• السياق: صعود الدولة الحديثة بعد ثورة 1952، وخطاب العدالة الاجتماعية.
ثالثًا: السبعينيات – بداية الصدام الاجتماعي
• تزايد الطلاق مع التحولات الاقتصادية
• مشاكل عملية: تشريد المطلّقات والأطفال
• ضغط نسوي وقضائي لتعديل القوانين
رابعًا: قانون 44 لسنة 1979 (قانون جيهان السادات)
• نقطة تحوّل كبرى قيّد الطلاق (إخطار الزوجة)
• مسكن الزوجية: أولوية للحاضنة توسيع حقوق المرأة
• أُلغي لاحقًا بحكم دستوري (1985) لأسباب إجرائية لا مضمونية
خامسًا: قانون 100 لسنة 1985 (التوازن المحافظ)
• أعاد بعض حقوق 1979 بصيغة أهدأ
مسكن الحضانة للحاضنة استمرار حق التطليق للضرر
• الحضانة: حتى 10 للولد و12 للبنت (مع إمكانية المد)
سادسًا: قانون الخُلع – 2000 (القانون 1 لسنة 2000)
• الخُلع: حق المرأة في إنهاء الزواج دون إثبات ضرر
• المقابل: التنازل عن الحقوق المالية وردّ المهر
الأثر الاجتماعي جدل واسع حول الأسرة والتفكك
سابعًا: تعديلات الحضانة وسن الطفل (2005–2008)
• رفع سن الحضانة للولد والبنت 15 سنة
ثم يُخيّر الطفل ( وهو إختيار شبه محسوم فالطفل الذي تربي مع الام طوال 15 عام في الاغلب عاطفيا وتعوديا لن يختار الأب.).
مسكن الزوجية حق ثابت للحاضنة حتى انتهاء الحضانة.
الرؤية حق للأب غالبًا ساعات محدودة أسبوعيًا (محل انتقاد مستمر)
ثامنًا: ملامح النقاش المعاصر (2014– حتى الآن)
• مطالب بإعادة التوازن الاستضافة بدل الرؤية - إعادة النظر في سن الحضانة - تنظيم أدق للخلع والطلاق الشفهي - مشروع قانون جديد مطروح للنقاش المجتمعي ولم يُحسم نهائيًا حتى الآن.
أولًا: تطور قانون الأحوال الشخصية وسؤال العدالة
مرّ قانون الأحوال الشخصية في مصر بمراحل متعددة، بدأت بتقنين الأحكام الفقهية في عشرينيات القرن العشرين، ثم شهد تعديلات جوهرية منذ الخمسينيات، وصولًا إلى قوانين الخلع والحضانة والنفقة الحديثة. وقد سعت هذه التعديلات إلى معالجة ظلم تاريخي وقع على المرأة، خصوصًا في قضايا الطلاق وإثبات الضرر.
غير أن هذا التطوير، رغم ضرورته، لم يصاحبه ضبط كافٍ لآليات التطبيق، ما فتح المجال أمام استغلال القانون من قِبل بعض الأطراف، سواء عبر إطالة أمد التقاضي، أو استخدام الحضانة والنفقة كسلاح ضغط، وهو ما أفرز شكلًا جديدًا من الظلم المقنّع بالقانون
الفقه كنظام رمزي: من المودة إلى الإجراء
في المستوى الرمزي، يؤسس القرآن الزواج باعتباره سكنًا نفسيًا وتعاقدًا أخلاقيًا متبادلًا، لا علاقة قهر. غير أن الأنثروبولوجيا تكشف كيف تتحول المفاهيم الفقهية، عبر التاريخ، من اجتهادات مرنة إلى طقوس قانونية جامدة. فـ«بيت الطاعة»، رغم غيابه عن النص القرآني، اكتسب شرعية اجتماعية بوصفه رمزًا لـ«استعادة النظام» داخل الأسرة، لا بوصفه ممارسة دينية
هنا لا يُفهم الفقه كنص، بل كـمخزون ثقافي تُعيد السلطة تأويله بما يخدم حاجتها للضبط الاجتماعي
النشوز بوصفه وصمًا اجتماعيًا
يُظهر التحليل الأنثروبولوجي أن مفهوم النشوز تحوّل من حالة نزاع مؤقتة إلى هوية أخلاقية ملتصقة بالمرأة. ورغم أن النص القرآني يعترف بنشوز الزوج والزوجة على السواء، فإن الممارسة الاجتماعية أعادت إنتاج المفهوم بشكل غير متكافئ.
هذا الوصم لا يعمل فقط داخل قاعة المحكمة، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي، حيث تُعاد صياغة السمعة والشرف والانتماء من خلال الأحكام القضائية
الدولة الحديثة: القانون كامتداد للسلطة الأبوية
مع نشوء الدولة الحديثة، لم تُلغَ السلطة الأبوية، بل أُعيد تنظيمها قانونيًا. فالدولة، عبر قانون الأحوال الشخصية، تتدخل في أدق تفاصيل الحياة الأسرية، وتُعيد تعريف • من يملك القرار من يربي الطفل ومن يحق له البقاء داخل المجال الأسري
وبذلك تتحول الأسرة إلى موقع تفاوض بين الأبوة البيولوجية والأبوة القانونية، حيث يُختزل الأب أحيانًا في دوره الاقتصادي، بينما تُمنح الأم سلطة رمزية وقانونية شبه مطلقة، ما يخلق اختلالات جديدة بدلًا من تصحيح القديمة.
من منظور أنثروبولوجيا الطفولة، لا يُنظر إلى الطفل كمتلقٍ سلبي، بل كفاعل اجتماعي يتشكل وعيه داخل شبكة علاقات مشحونة بالصراع. فحين تمتد الحضانة حتى سن الخامسة عشرة دون تدخل اجتماعي فعّال، تتحول الأم – في بعض السياقات – إلى وسيط ثقافي ينقل خطاب الخصومة، وتتحول المحاكم إلى جزء من التنشئة الاجتماعية، وهكذا يُربّى الطفل على تصور القانون كأداة انتقام، لا كآلية عدالة، وتُعاد إنتاج الخصومة عبر الأجيال
الفن بوصفه إثنوغرافيا شعبية من «أريد حلًا» إلى «تحت الوصاية
تتعامل الأنثروبولوجيا مع السينما والدراما بوصفهما نصوصًا إثنوغرافية تكشف عن التوترات المكتومة داخل المجتمع. بعد نجاح فيلمها الأول "أريد حلا" 1975
يتناول الفيلم مشاكل الطلاق والأحوال الشخصية في المجتمع المصري، ويركز على قصة امرأة تواجه صعوبة في الحصول على الطلاق بسبب القيود القانونية والاجتماعية آنذاك. يتخلل الفيلم صراعات قانونية وعاطفية، ويكشف عن القيود التي تعاني منها المرأة في حياتها الزوجية والاجتماعية، الفيلم يُعد من أهم الأفلام المصرية التي ناقشت قضية الطلاق بطريقة اجتماعية وإنسانية، وهو مثال مبكر على عرض قضايا النساء في السينما المصرية الكلاسيكية..
قانون جيهان السادات (مرسوم 1979) يُعدّ محطة مفصلية في تاريخ قوانين الأحوال الشخصية في مصر، إذ جاء كتعديل واسع يهدف إلى تعزيز حقوق المرأة وحمايتها اجتماعيًا بعد الطلاق. ارتبط اسمه بالسيدة الأولى الراحلة جيهان السادات، نظرًا لدورها البارز في الدفع نحو صياغته وإقراره، ركّز القانون على ضمانات أساسية للزوجة، أبرزها إلزام الزوج بإخطارها رسميًا بالطلاق، وإقرار حقها في النفقة، وتمكينها بصفتها حاضنة من الاستمرار في مسكن الزوجية خلال فترة الحضانة إلى جانب إطالة مدة حضانة الأطفال للأم. كما قيّد تعدد الزوجات بمنح الزوجة حق طلب الطلاق حال زواج الزوج بأخرى، إذا ثبت الضرر.
سعى القانون في جوهره إلى تحقيق قدر من الأمان الاجتماعي للمرأة وتأمين مستقبل الأطفال في حالات الانفصال، إلا أنه أثار جدلًا واسعًا منذ صدوره. فقد تعرّض لانتقادات حادة من بعض علماء الدين، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الحليم محمود، الذين اعتبروا بعض مواده مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، ومجحفة بحق الرجل، لما تضمنته من قيود على الطلاق وتعدد الزوجات ورغم هذا الجدل، استمر العمل بعدد من بنوده، وترك أثرًا عميقًا في إعادة تشكيل نظرة المجتمع إلى قضايا الطلاق والحضانة وحقوق المرأة، ليصبح أحد أكثر القوانين إثارة للنقاش في تاريخ الأحوال الشخصية المصرية، ومثّل لحظة انكشاف جماعي، أعادت فيها المرأة تعريف ذاتها خارج خطاب الطاعة.
وفيلم «امرأة مطلقة» 1986 في مشهد راجح المحامي الذي يجسّده صلاح قابيل، يطعن في دستورية قانون الأحوال الشخصية، معتبرًا أنه ربط الزوجة بمسكن الزوجية والإنجاب وحدها، متجاهلًا الطرف الآخر. ويتساءل: لماذا يُفترض أن يتحمّل أحد الطرفين الضرر كاملًا؟ ولماذا لا يكون الهدف الحقيقي هو حماية الطفل من التفكك والصراع؟
يشير المحامي إلى أن الرجل قدّم عمره و«دم قلبه» لتكوين أسرة، لكنه يفاجأ بقانون يحوّل الزواج من شراكة إلى مخاطرة، ويزرع حظرًا نفسيًا شديدًا داخل العلاقة الزوجية، ما قد يدفع بعض الرجال إلى العزوف عن الإنجاب خوفًا من العواقب القانونية.
الأطفال، الذين كان يُفترض أن يظلّوا مساحة للطهارة والابتسامة يتحوّلون بفعل هذا القانون إلى عبء وصراع، بل إلى لعنة تهبط على رأس الأب لا ذنب لهم فيها، والأسوأ أن القانون يمنح أحد الطرفين سلاحًا بالغ الخطورة، يمكن استخدامه في أي لحظة خلاف، فتتحوّل المحاكم إلى أداة إنهاك ودوّامة لا تنتهي ويذهب الطرح أبعد من ذلك، ملمّحًا إلى أن هذا المسار القانوني قد ينسجم، عن قصد أو غير قصد، مع سياسات الدولة في تحديد النسل، فيبدو وكأنه دعاية غير مباشرة لتنظيم الأسرة، لا حماية حقيقية لها.
وفيلم«الشقة من حق الزوجة» 1985 يظهر الصراع بين القانون والممارسة اليومية، حيث تُعرّي الدراما فجوة السلطة بين التشريع والواقع.
يتجسّد أثر قانون الأحوال الشخصية حين يتحوّل مسكن الزوجية من فضاء للشراكة إلى أداة صراع، إذ يمنح هذا القانون الزوجة — عمليًا — سلطة إقصاء الزوج من بيته، وكأن لها «شريعة» خاصة تبيح طرده. هكذا يُعاد تعريف الحق لا بوصفه حماية للأسرة، بل كسلاح قانوني يُستخدم عند الخلاف، فتنهار فكرة البيت المشترك، ويغدو الزواج علاقة قابلة للإلغاء من طرف واحد لا للتسوية
و«عندما تتفتح الزهور» 1984 ويحكي المسلسل عن أم لثلاثة أطفال تعيش منفصلة عن زوجها، ونظرًا لعملها تستعين بالمدرس لتدريس الأولاد، ومن هنا تتغير الأحداث حيث يرتبط الأطفال بمعلمهم ارتباطا شديدا نظرا لفقدانهم الأب وثم تتقدم الأحداث لتتكون علاقة حب بين المدرس والأم، وفي نهاية القصة سيضحي المدرس والأم بحبهما من أجل سعادة أطفالهم، التي سوف تكون طبيعية في بيت به أمهم وأبيهم الفعليين، أما في «أوراق الورد»،1979 فالقصة تدور حول زوجين منفصلين لهما طفل واحد، فيلجآن إلى المحكمة لتحديد حق الحضانة، فيصدر الحكم بأن يقضي كل منهما أسبوعًا مع الطفل
فتوثّق مرحلة انتقالية، يُعاد فيها تعريف الأمومة والأبوة داخل منظومة قانونية متوترة أما الأعمال المعاصرة مثل أزمة الأسرة المفككة، حيث يتحول الطلاق من نهاية علاقة زوجية إلى بداية حرب طويلة، يدفع الأطفال ثمنها نفسيًا. يظهر القانون هنا عاجزًا عن حماية الطفل من الصراع، مكتفيًا بتنظيم شكلي للحضانة والرؤية.
يقدّم مسلسل «فاتن أمل حرب»2022 نموذجًا دراميًا لتحوّل قانون الأحوال الشخصية من أداة حماية إلى بنية عنف مؤسسي حيث لا يُمارس القهر عبر الضرب فقط، بل عبر الإجراءات والانتظار وإعادة إنتاج السلطة الذكورية داخل مؤسسات الدولة وبذلك يصبح القانون شريكًا في العنف لا حكمًا محايدًا عليه.
تحوّل الفن إلى وسيط تفاوضي بين المجتمع والسلطة، حيث يُسمح بتمرير النقد في إطار درامي إنساني، دون المساس المباشر ببنية الحكم مسلسل «تحت الوصاية» 2023
أم لطفلين في الإسكندرية، تتغير حياتها بعد وفاة زوجها، فتنتقل إلى دمياط لتعمل في الصيد وتقود مركبًا وسط الرجال، متحدية الصعاب والصراعات القانونية على أبنائها، وتسعى لتأمين مستقبلهم.
من منظور أنثروبولوجي لا تعمل الرقابة على منع النصوص بقدر ما تعمل على ضبط المعنى، فالسلطة تسمح بتمرير نقد قانون الأحوال الشخصية حين يُقدَّم في إطار إنساني أو عاطفي لكنها تقاوم أي محاولة لتحويل هذا النقد إلى مساءلة بنيوية لدورها في إنتاج الظلم، وهكذا يصبح الفن مساحة تفاوض بين المجتمع والسلطة، لا مساحة تحرر كامل.
يكشف التحليل الأنثروبولوجي أن أزمة قانون الأحوال الشخصية في مصر ليست أزمة نصوص، بل أزمة ثقافة قانونية تُعيد إنتاج السلطة داخل الأسرة. فبين فقه يقوم على الرحمة، وقانون يقوم على الضبط، وفن يقوم على الكشف، تتشكل الأسرة كميدان صراع رمزي وقانوني مستمر
من الحماية إلى الانتقام – حين يتحول القانون إلى أداة صراع
تكشف النماذج الواقعية والدرامية على السواء أن بعض النزاعات الأسرية لا تنتهي بالحكم القضائي، بل تمتد لسنوات طويلة، وتنتقل أحيانًا من جيل إلى جيل. في هذه الحالات، تُستخدم الحضانة أو الوصاية أو الدعاوى المتكررة كوسيلة للانتقام، ويُستغل الطفل نفسيًا بوصفه أداة ضغط.
حيث تُمنح الحقوق دون آليات رقابة نفسية واجتماعية، ودون تدخل فعّال لمنع ما يُعرف بـ الاغتراب الأبوي، أي زرع العداء والكراهية تجاه أحد الوالدين
استغلال الزواج العرفي: بين هشاشة الإطار القانوني وتحولات السلطة داخل الأسرة
يُعدّ الزواج العرفي أحد أكثر أنماط العلاقات الزوجية إثارة للجدل في السياق القانوني والاجتماعي المصري، ليس فقط بسبب غياب التوثيق الرسمي، بل لما يترتب عليه من اختلال في موازين القوة بين الطرفين، خاصة عند حدوث الإنجاب. ففي كثير من الحالات، يتحول هذا النمط من الزواج من علاقة رضائية مؤقتة إلى أداة ضغط قانوني واقتصادي تُستخدم لاحقًا لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية، لا سيما في ظل غموض المراكز القانونية للزوجين..
أولًا: الإنجاب كأداة لإعادة تشكيل العلاقة
يمثل الإنجاب داخل الزواج العرفي لحظة فاصلة، إذ ينتقل النزاع من كونه خلافًا بين شخصين بالغين إلى نزاع مؤسسي تُستدعى فيه الدولة عبر القضاء، فبمجرد ثبوت النسب يصبح الأب ملتزمًا قانونيًا بالإنفاق والرعاية، بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة أو مدتها أو ملابسات انتهائها. وهنا يتحول الطفل، دون قصد منه إلى وسيط قانوني يعاد من خلاله ترتيب السلطة والالتزامات
ينص الفقه والقضاء المصريان، استنادًا إلى القاعدة الشرعية المستقرة «الولد للفراش»، على إلحاق النسب بالأب متى وُجدت علاقة زوجية – ولو عرفية – وثبتت المعاشرة، حتى في حال وجود شك أو نزاع حول النسب هذا المبدأ، رغم كونه موجَّهًا لحماية الطفل من الضياع الاجتماعي، يفتح في التطبيق العملي بابًا لإشكاليات معقدة، حيث يُلزم الرجل قانونيًا بنسبة طفل قد يشك في كونه ابنه تُقدَّم مصلحة الاستقرار الاجتماعي على حساب الحقيقة البيولوجية
• يصبح النسب أداة قانونية نهائية يصعب الطعن فيها، حتى مع تطور وسائل الإثبات العلمية
في بعض الوقائع لا يتوقف النزاع عند حدود إثبات النسب أو النفقة، بل يمتد إلى ممارسات ضغط ممنهجة مثل
• التهديد بالإفصاح عن العلاقة أو إبلاغ الزوجة الأولي
• استخدام دعاوى الحبس أو إسقاط الرؤية كوسيلة ابتزاز
• تحويل العلاقة السابقة إلى صراع طويل الأمد داخل أروقة المحاكم
الطفل بين الحماية القانونية وإعادة إنتاج الصراع
• رغم أن التشريع يهدف ظاهريًا إلى حماية الطفل، إلا أن الممارسة العملية تكشف أحيانًا عن إعادة إنتاج الصراع عبر الأجيال، حيث يُنشَّأ الطفل في سياق عدائي تجاه الأب.
• تُستَخدم الحضانة كأداة عقابية لا كمسؤولية تربوية تتحول العلاقة الأسرية إلى علاقة قانونية بحتة، قائمة على النفقة والدعاوى، لا على الرعاية المشترك
وفي هذا الإطار، يصبح السؤال هل تحمي القوانين الطفل فعلًا، أم تعيد صياغته بوصفه فاعلًا داخل نزاع لم يختره؟
وهي ظاهرة لا يمكن اختزالها في ثنائية «ضحية/جلاد»، بل تستدعي مقاربة أنثروبولوجية نقدية ترى القانون كحقل سلطة، والأسرة كبنية متحولة، والطفل كذات اجتماعية تُعاد صياغتها داخل النزاع ، قد يمتد حتى بلوغ الطفلة أو الطفل سن الخامسة عشرة، حيث يُعاد توظيف حق الاختيار أو الاستمرار في التقاضي لإدامة الصراع ومعاقبة الطرف الآخر رمزيًا واجتماعيًا. ويكشف هذا المسار كيف يمكن لقانون وُضع أصلًا للحماية أن يتحوّل في غياب الضبط المؤسسي والتدخل الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج العنف الرمزي داخل الأسرة.
ولا يمكن فهم هذه الحالات في إطار ثنائية الجاني والضحية، بقدر ما ينبغي قراءتها بوصفها نتاج تداخل معقّد بين هشاشة الإطار القانوني والتحولات الاقتصادية وأزمة القبول الاجتماعي
واستخدام القانون كوسيلة لإدارة الغضب والرفض والانتقام لا لتحقيق العدالة أو الاستقرار الأسري أي تطوير حقيقي يجب أن يقوم على مبدأ العدالة المتوازنة،. وتقديم مصلحة الطفل بوصفه كيانًا مستقلًا لا كورقة ضغط ولا كغنيمة انتقام
أولًا: الطاعة في القرآن – مفهوم أخلاقي لا إجراء قهري
لم يرد في القرآن الكريم مصطلح بيت الطاعة، كما لم يُقرّ أي صيغة لإجبار الزوجة على السكن أو المعاشرة بل أسّس النص القرآني العلاقة الزوجية على
• السكن النفسي:
﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21)
• المعاشرة بالمعروف:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19)
• الفراق الإنساني:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: 229)
وقد قيد القضاء المصري لاحقًا هذا المفهوم، معتبرًا أن الطاعة مشروطة بأمان المسكن ماديا ونفسيا وإقتصاديا، غير أن الخطاب المجتمعي ظل يتعامل مع الطاعة بوصفها واجبًا مطلقًا، في مفارقة تكشف الفجوة بين النص الفقهي، والتشريع، والتطبيق
تحوّل القانون دون تحوّل الثقافة
تحويل النزاع الأسري إلى نزاع قضائي طويل العنف
أولًا: هل تغيّر القوانين هو السبب؟ لا، لكنه عامل كاشف لا مُنشئ
• قوانين الأحوال الشخصية لم تُنشئ الصراع بل كشفت صراعات كانت تُدار بالصمت والقهر
المشكلة الحقيقية
• تحديث النص القانوني مع بقاء الثقافة القديمة
النتيجة قانون حديث يُطبّق بعقلية تقليدية → صدام دائم
فالقانون أعطى المرأة أدوات حماية (خلع، حضانة)، فأصبح القانون ساحة تصفية حسابات
هل الفكر الوهابي هو السبب؟
ليس السبب الوحيد، لكنه عامل مضاعِف للعنف
أثر الفكر الوهابي
إعادة تعريف الزواج كـ طاعة – ولايه – ضبط – لا كشراكة إنسانية
• النتيجة شيطنة الطلاق - شيطنة المرأة الخارجة من العلاقة
• شيطنة أي تفاوض خارج منطق السيطرة
• الأخطر: أن هذا الفكر لم يبقَ دينيًا فقط،
بل تسرّب إلى الخطاب القانوني والخطاب الإعلامي والممارسة القضائية أحيانًا
ثالثًا: لماذا تحوّلت الأسرة إلى ساحة محاكم؟
لأن الدولة انسحبت من الوساطة ودخلت كقاضٍ فقط
• الدولة لم تبنِ مؤسسات تسوية حقيقية لم توفّر دعمًا نفسيًا للأسرة
• فتركت الطرفين يتصارعان قانونيًا حتى الإنهاك
• الخلاف → قضية
• المشاعر → محاضر
• الطفل → ملف دعوى
المحاكم لا تحل النزاعات الأسرية، بل تُديرها حتى تستنزف الجميع
العنف القانوني… الشكل الجديد للعنف
• العنف اليوم لم يعد جسديًا فقط : بل إطالة التقاضي والحبس وإسقاط الرؤية والوصايا هذا هو العنف المُقنّع بالقانون وهو أخطر لأنه شرعي مؤسسي طويل الآمد ويُمارس باسم «الحق»
لماذا الطفل هو الضحية الدائمة؟
لآن القانون يحميه نظريًا لكنه يتركه نفسيًا بلا حماية يعيش داخل خطاب كراهية يرى القانون كسلاح يتعلّم أن العلاقة = صراع
هنا يتم توريث العنف عبر الأجيال انهيار الأسرة في مصر ناتج عن:
• قانون تغيّر دون ثقافة مصاحبة مع فكر ديني سلطوي ودولة تخلّت عن دور الوسيط فتحوّلت المحاكم إلى ساحة حرب باردة
ليست أزمة الأسرة في مصر أزمة قوانين أو دين، بل أزمة إدارة النزاع داخل بنية اجتماعية لم تتعلّم بعد كيف تفصل بين العدالة والانتقام، وبين الحماية والهيمنة
تحوّل الزواج والطلاق في بعض الحالات إلى بزنس تحكمه الثغرات القانونية، لا الاعتبارات الإنسانية. فباسم قوانين الحضانة والرؤية، قد يُثقل كاهل الأب بالتزامات مادية تفوق قدرته، كإلحاق الطفل بمدارس لغات لا تتناسب مع دخله، ليجد نفسه مهددًا بالحبس إن عجز عن السداد. وهنا يُطرح السؤال: هل من العدل أن يُزجّ بالأب في السجن مع المجرمين والقتلة بسبب نزاع أسري؟
الأخطر أن بعض القضايا تتحول إلى أداة انتقام، حيث تُستغل الطفلة أو الطفل نفسيًا، ويُزرع الكره في وجدانهم تجاه الأب، وتُرفع دعاوى الحبس لا بدافع المصلحة الفضلى للطفل، بل كوسيلة ضغط بعد الطلاق. هكذا يصبح القانون - الذي وُضع للحماية - سلاحًا يُساء استخدامه، فتتضرر الأسرة كلها، ويتحوّل الخلاف الفردي إلى أزمة اجتماعية أوسع.
لم يعد الزواج في كثير من الحالات مشروعًا لتكوين أسرة، بل ساحة صراع: من يجرّ الآخر إلى المحاكم أطول وقت ممكن، ومن ينتظر حكم القانون ليُنصفه لا ليُصلح العلاقة، بل لينتقم. وفي خضم هذا الاشتباك، تضيع الفكرة الأصلية للزواج، ويتحوّل الخلاف إلى معركة استنزاف.
ورغم في نماذج بعد الانفصال قد يتم أحيانًا بشكل صحي، حيث يعيد كل طرف بناء حياته ويتزوج من جديد، ويعيش الطفل مع الأب أو الأم في بيئة مستقرة ومناخ إنساني سليم، فإن هذا النموذج يظل استثناءً القاعدة اليوم . لأن تآكل الاحترام، وتراجع القيم الأخلاقية، وتحويل الطفل إلى ورقة ضغط بدل أن يكون محور الحماية.
تكشف قراءة قانون الأحوال الشخصية في مرآة الفن والأنثروبولوجيا أن الأزمة ليست أزمة نصوص بقدر ما هي أزمة تطبيق وثقافة قانونية. فبين فقه يؤسس للرحمة، وقانون يسعى للضبط، وفن يفضح التناقضات، تظل الأسرة المصرية ساحة صراع مفتوحة تحتاج إلى مقاربة أكثر توازنًا، تُقدّم مصلحة الطفل، وتعيد الاعتبار لفكرة العدالة بوصفها تسوية إنسانية لا أداة انتقام، لا أهاجم المرأة، ولا أبرئ الرجل، بل أهاجم سوء التطبيق وتحويل القانون إلي أداة انتقام وغياب الوساطة الاجتماعية.
--------------------------------------
بقلم: إيمان عبدالعال النقادي






