21 - 02 - 2026

أحوال الناس وصرخة من أجل الإنصاف والعدل

أحوال الناس وصرخة من أجل الإنصاف والعدل

في كل صباح، يستيقظ المواطن البسيط في مصر كما في كثير من دولنا العربية النامية، وهو يحمل همَّ يومه قبل أن يحمل خبزه. لم يعد السؤال: كيف نعيش؟ بل أصبح: كيف نصمد؟ وكيف نحافظ على كرامتنا وسط أمواجٍ متلاطمة من الغلاء، وتراجع فرص العمل، وضغوطٍ اقتصاديةٍ تضيق بها صدور الأوطان قبل صدور الناس؟

إن ما يعيشه المواطن في مصر يشبه إلى حد بعيد ما يعانيه أشقاؤه في عدد من بلدان منطقتنا العربية؛ بطالة بين الشباب، تآكل للطبقة الوسطى، ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات سكنٍ وتعليمٍ وعلاج.

ليست الأزمة في ضيق الموارد وحده، بل في كيفية إدارتها، وفي عدالة توزيع ثمار التنمية، بحيث لا يبقى الخير حبيس قلة، ولا يتحول الكفاح اليومي إلى قدرٍ أبدي على الأغلبية.

ومن أخطر الظواهر الاجتماعية التي باتت تؤرق الأسر، تأخر سن الزواج بين الشباب والفتيات، حيث أصبح كثير منهم يبلغ الثلاثين، بل والأربعين، وأحيانًا الخامسة والأربعين من العمر، دون قدرةٍ حقيقية على تحمُّل تكاليف الزواج الباهظة. بين أسعار مساكن مرتفعة، ومتطلبات اجتماعية مبالغ فيها، ومهورٍ وتجهيزات تفوق طاقة الطبقة المتوسطة، يقف الشباب حائرًا بين الرغبة المشروعة في الاستقرار، والواقع الاقتصادي القاسي.

هذا التأخر لا ينعكس فقط على الاستقرار الأسري، بل يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة. بعض الشباب قد يقع تحت ضغط الحاجة والوحدة في سلوكيات خاطئة أو انحرافات أخلاقية نرفضها جميعًا، وهو ما يهدد تماسك المجتمع وقيمه. ولا يمكن مواجهة هذه الظواهر بالوعظ وحده، بل بإزالة أسبابها الحقيقية: الفقر، والبطالة، وغياب العدالة في توزيع الفرص.

إن مسؤوليتنا جميعًا — دولةً ومجتمعًا — أن نُيسِّر لا أن نُعسِّر، أن نُخفِّف أعباء الزواج لا أن نُضاعفها، أن نُعيد النظر في عاداتٍ اجتماعية أصبحت عبئًا على أبنائنا وبناتنا. فحماية القيم تبدأ بتوفير سبل الحياة الكريمة، لا بإغلاق الأبواب أمام من لا يملك إلا الحلم.

لقد آن الأوان أن نعيد الاعتبار لقيمة الإنصاف، لا كشعارٍ يُرفع، بل كمبدأٍ يُمارس. فالعدل ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبقاء الدول واستقرار المجتمعات. حين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون تمييز، وأن الفرص متاحة على أساس الكفاءة لا الوساطة، وأن الكرامة الإنسانية مصونة بلا استثناء، فإن روح الانتماء تتجدد، ويتحول الألم إلى أمل.

المساواة الحقيقية تعني تكافؤ الفرص، وتعني أن لا يُقصى إنسان بسبب فقره، أو دينه، أو لونه، أو انتمائه الاجتماعي. تعني أن نواجه كل أشكال التمييز والعنصرية بحزمٍ أخلاقي وقانوني، لأن المجتمعات التي تسمح بالتمييز تزرع في تربتها بذور الانقسام والاحتقان.

وفي خضم الأزمات، يبرز خطر آخر لا يقل جسامة: خطر العنف والتطرف. حين تضيق السبل، قد ينجرف البعض نحو خطاب الغضب واليأس. لكن الحقيقة التي يجب أن نتمسك بها أن العنف لا يبني وطنًا، والتطرف لا يصنع عدالة. الطريق الآمن هو الحوار، والاحتكام إلى القانون، والإيمان بأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شراكةٍ ومسؤوليةٍ مشتركة.

ومن موقع العمل النقابي، أؤكد أن الدفاع عن حقوق العمال ليس مواجهةً مع أحد، بل هو دفاع عن استقرار المجتمع كله. العامل الذي يحصل على أجرٍ عادل، وتأمين صحي، وبيئة عمل آمنة، هو شاب قادر على الزواج والاستقرار، وهو أسرة مطمئنة، وهو اقتصاد أقوى. العدالة الاجتماعية ليست عبئًا على التنمية، بل شرطًا لنجاحها.

كما أن نشر السلام والتآخي بين شعوب العالم لم يعد خيارًا مثاليًا، بل ضرورة إنسانية. عالمنا مترابط، وما يحدث في دولة يؤثر في غيرها. فلنمد جسور التعاون بدل أن نحفر خنادق العداء. لنعلّم أبناءنا أن الاختلاف ثراء، وأن التنوع قوة، وأن الإنسانية تجمعنا قبل أي انتماء آخر.

إن الأوطان لا تُقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية، بل بقدرتها على حماية أضعف أبنائها، وتمكين شبابها من العمل، والزواج، والحياة الكريمة. الدولة القوية هي التي تُنصت لصوت الناس، وتراجع سياساتها حين يلزم، وتضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار. والشعب الواعي هو الذي يطالب بحقوقه بسلمية ومسؤولية، ويتمسك بوحدته، ويرفض أن يكون أداة في يد دعاة الفوضى أو الكراهية.

لسنا دعاة تشاؤم، بل دعاة إصلاح. ولسنا أنبياء أزمة، بل شهود واقع يحتاج إلى مراجعة شجاعة. إننا نؤمن أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، إذا توافرت الإرادة الصادقة، وتكاملت مع وعيٍ شعبيٍ ناضج، يقوم على العدل والمساواة ونبذ التمييز والعنصرية، ويرفض العنف والتطرف، ويؤمن بأن السلام هو الطريق الأقصر إلى التنمية والاستقرار.

لنضع الإنسان أولًا.

لنُعطِ العمل قيمته.

لنُيسِّر الزواج ونحفظ القيم.

لنُحقق العدل قبل أن نطالب الناس بالصبر.

فبالإنصاف تُبنى الأوطان، وبالعدل تستقر، وبالمساواة تتماسك، وبالسلام تزدهر.

والله من وراء القصد.
------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

أحوال الناس وصرخة من أجل الإنصاف والعدل