19 - 02 - 2026

في فكرنا الديني (1) | فكر بشري

في فكرنا الديني (1) | فكر بشري

من أولى المهمات التي ينبغي أن نهتم بها، مراجعةً وتصويبًا وتجويدًا، ما يتعلق بـ"فكرنا الديني"، الذي لا شك أنه يسهم وبدرجة كبيرة في تشكيل وعينا بصفة عامة، وبالتالي له دور مهم في حياتنا.

وقد يتعجب البعض من أن يرتبط "الفكر" بـ"الدين"، تصورًا منه أن "الدين" بما أنه منهج إلهي مقدس من عند الخالق سبحانه، لا يَلحق به "الفكر"، أو يقترن به الفكر؛ الذي هو عمل إنساني يقبل الصواب والخطأ، بل ربما كان خطؤه أكثر من صوابه.

والحقيقة أن هذا الاعتراض صحيح في مقدمته، وليس كذلك في نتيجته! نعم، "الدين" منهج إلهي مقدس، نزل من عند الله تعالى المتصف بالعلم والحكمة، والمنزَّه عن الخطأ والنسيان والغفلة.. لكن هذا "الدين" بمجرد أن يتناوله الإنسان، بالفهم والدرس والاستنتاج والتطبيق، يصبح "فكرًا بشريًّا"؛ أي منسوبًا للبشر وليس لله تعالى.. فضلاً عن أن الدين ذاته يحض على العلم ويعلي درجته، ويجعله سبيلاً للخشية من الله؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: 28). وقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29).

لكن تقرير حقيقة أن الفكر الديني فكر بشري، لا يعني أن نهيل عليه التراب، ولا أن نتجاوزه، بزعم ما فيه من بشرية.. ذلك أنه فكر يقوم على الدينِ؛ والدينُ فيه أصول ثابتة، وكليات هادية، وقواعد مستقرة؛ مثل العقائد والعبادات وأصول المعاملات ومبادئ الأخلاق.. وكلما اقترب الفكر الديني من ذلك، كان أقرب إلى الصواب، ونال درجة من الاعتبار والرسوخ، ولا أقول "القداسة".

فما يطرحه الفكر الديني من رؤى واجتهادات، هو فكر منسوب لأصحابه، وليس مقدسًا بحال من الأحوال.. لكنه يقترب من الصواب ويحظى بالمكانة، بقدر اقترابه من حقائق الدين وتعبيره عنها.

فهو فكر ينبع من الدين لكن لا يتطابق معه، ويحاول التعبير عنه من غير ادعاء بأنه هو الدين نفسه..

وتقرير هذا، ليس دعوة لتجاوز الفكر الديني؛ وإنما لوضعه في الموضع الصحيح، من غير تقديس ولا تسفيه.
---------------------------------
بقلم: د. السنوسي محمد السنوسي
دكتوراه في الدراسات الإسلامية

مقالات اخرى للكاتب

في فكرنا الديني (1) | فكر بشري