18 - 02 - 2026

عجاجيات رمضانية (١) | ليلة الرؤية

عجاجيات رمضانية (١) | ليلة الرؤية

اسمحوا لى أن اصحبكم إلى ستينيات القرن الماضى ونعيش سويا ذكريات مثل هذه الليلة التى نترقب فيها وصول أعز الضيوف وأكرم الشهور شهر رمضان المبارك الذى أنزل فيه القرآن الكريم، مرحبا بكم فى ميدان عابدين حيث أقيم سرادق ضخم أمام شرفة القصر وتوافد عليه كبار المسؤولين وكبار علماء الأزهر الشريف ومشاهير عمالقة دولة التلاوة.

في شارع الشيخ ريحان الممتد من تقاطع القصر العينى مع ميدان التحرير إلى شارع بورسعيد اصطفت جماهير الشعب لتحية موكب الرؤية، تتنامى إلى أسماعنا أصوات الموسيقى النحاسية، فتدق قلوبنا فرحا بقرب رؤية الموكب، بعد دقائق معدودات نري أبناء الطرق الصوفية بأعلامهم يتقدمون موكب الرؤية تتبعهم فرقة من موسيقيات الجيش والشرطة، ومن خلفهم وبمحاذاتهم يمر الفرسان فوق جيادهم مع أفراد من الهجانة فوق الجمال، ومع مرور الموكب تتعالى الزغاريد التى تعبر عن الفرح والسعادة والاستبشار.

يترقب كل أهالى عابدين ومعهم كل أبناء الشعب المصري العظيم بيان فضيلة مفتى الديار المصرية الذى يزف للناس البشري بثبوت رؤية هلال الشهر الكريم، ومجددا تتعالى الزغاريد، مع ملاحظة أنه فى تلك الفترة الزمنية كان الاعتماد على الرؤية المباشرة للهلال على عكس ما يحدث الآن، حيث الاعتماد على الحسابات الفلكية بالغة الدقة التى تحدد موعد ميلاد الهلال بالدقيقة والثانية.

مع ثبوت رؤية الهلال ينطلق كل أهالى عابدين لشراء لوازم السحور من فول مدمس وزبادي وجبنة وحلاوة، والحلاوة بالذات هى ما كانت تشجع الأطفال للاستيقاظ فى عز برد الشتاء والمشاركة فى السحور.

وبالطبع كان كل أهالى عابدين فى الشوارع والحارات يتشاركون فى تعليق الزينات احتفالا بقدوم رمضان واضاءة المساجد وهو ما كان يحدث فى حارة السقايين ودروبها حيث كانت الأضواء الخضراء تزين جامع ابو طبل وسيدى الصحابى وجامع المتبولى وجامع الحنفي والشيخ صالح، وكانت زينات رمضان فى درب المواهى تعلق وبكل الترحاب والتعاون بين البيوت وكنيسة الملاك غبريال رئيس الملائكة والتى تعد من اشهر معالم حارة السقايين.

وكم كانت فرحتنا بسماع صوت المسحراتي الذى ينادى على السكان كل باسمه وكنيته، وكم كانت فرحتنا بصوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، وكم كانت فرحتنا بمتابعة الف ليلة وليلة عبر أثير الإذاعة، رحم الله تلك الأيام التى عشناها بلا انترنت وبلا واتس أو ماسينجر وبلا يوتيوب وتيك توك وبلا فضائيات وبلا تليفونات محمولة، رحم الله تلك الأيام التى كنا نصنع فيها متعتنا بأقل الامكانيات، ايام كان عنوانها الرضا والقناعة والجار للجار وبصلة المحب خروف ويا ضيفنا لو زرتنا لو جدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل.
------------------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج


مقالات اخرى للكاتب

عجاجيات رمضانية (١) | ليلة الرؤية