النص الذي كتبه الأستاذ الدكتور عادل القليعي ينتمي إلى مدرسة السؤال القَلِق ، لا إلى مدرسة الإدانة المباشرة . فهو لا يهاجم بقدر ما يستفهم ، ولا يحكم بقدر ما يُحرِّك الوعي العام نحو المساءلة . وهذه في حد ذاتها قيمة فكرية تُحسب له ، خصوصاً حين تصدر عن أستاذ فلسفة يشتغل بطبيعة الحال على منهج الشك والسؤال .
أولاً : قوة المقال
- المحور المركزي واضح
- السؤال الجوهري: هل التعديل الوزاري سيغيّر الواقع فعلاً أم هو تبديل أسماء فقط؟ وهذا سؤال مشروع في أي نظام سياسي معاصر .
- اتساع الرؤية:
لم يقتصر الكاتب على الاقتصاد، بل امتد إلى التعليم ، والثقافة ، والإعلام ، وآليات الرقابة ، والتناغم الحكومي . هذا الاتساع يعكس وعياً بأن الإصلاح لا يكون قطاعياً بل منظومياً .
- طرح قضية الشفافية: الدعوة إلى بث اجتماعات الحكومة أو إشراك المواطن في الحوار العام تمثل طرحاً جريئاً في سياق الحديث عن الحوكمة والمساءلة.
- التأكيد على مبدأ الثواب والعقاب: وهذه نقطة فلسفية أخلاقية قبل أن تكون سياسية ؛ إذ لا إصلاح بلا محاسبة واضحة المعايير .
ثانياً: ملاحظات موضوعية
المقال اعتمد على صيغة “ بغض النظر … ” المتكررة ، وهي تقنية بلاغية تؤكد تراكم الأسئلة، لكنها قد توحي أيضاً بأن الكاتب يتجاوز تفاصيل قد تكون جوهرية في الحكم النهائي .
التركيز على صندوق النقد (الذي وصفه بـ" الخراب ") يعكس موقفاً نقدياً واضحاً، ربما يحتاج إلى تحليل اقتصادي أعمق يوازن بين الضرورة والبدائل الواقعية .
كثافة الأسئلة دون تقديم مقترحات تنفيذية محددة تجعل النص أقرب إلى بيان تحفيزي منه إلى ورقة سياسات .
ثالثاً: القيمة الفكرية للنص
المقال في جوهره لا يسأل: من جاء ؟
بل يسأل: ماذا سيفعل؟ وكيف؟ وتحت أي رقابة؟
وهذا انتقال مهم من منطق الأشخاص إلى منطق الأداء . فالسياسة الحديثة تُقاس بالمؤشرات والنتائج ، لا بالأسماء والألقاب .
كما أن تساؤله : هل سنبقى في ثقافة المعايشة أم ننتقل إلى معايشة الثقافة ؟
هو سؤال حضاري يتجاوز حدود التعديل الوزاري ذاته .
رابعاً: تساؤلات مكمّلة
هل المشكلة في الأشخاص أم في البنية الإدارية والاقتصادية نفسها ؟
هل يمكن لحكومة أن تنجح دون إصلاح جذري في آليات اتخاذ القرار ؟
ما حدود الواقعية السياسية في ظل تعقيدات الداخل والضغوط الخارجية ؟
وهل الإصلاح يحتاج وقتاً أطول من صبر الشارع ؟
"خلاصة الرأي"
مقال الدكتور عادل القليعي يمثل صوتاً نقدياً مشروعاً يسعى إلى تحريك الضمير العام باتجاه المحاسبة والشفافية . هو نص تحفيزي أكثر منه تقنياً ، أخلاقي أكثر منه إحصائياً ، وسؤالي أكثر منه تقريرياً .
وإذا كانت الفلسفة تبدأ بالدهشة ، فإن الإصلاح يبدأ بالسؤال .
ويبقى الفيصل دائماً : ليس من يجلس على المقعد … بل ماذا يغيّر وهو جالس عليه.
-------------------------
بقلم: سمير ابراهيم زيان






