حين يُذكر اسم خالد صلاح، يتبادر إلى الذهن فورًا ذلك الصحفي الذي التقط مبكرًا نبض التحول الرقمي، وقفز من ضيق الصفحة الورقية إلى اتساع الشاشة، مؤسسًا تجربة مختلفة مع «اليوم السابع»، التي خرجت إلى النور قبل سنوات قليلة من ثورة يناير المجيدة. يومها لم يكن أحد يتصور أن المواقع الإخبارية ستبتلع الجرائد المطبوعة ابتلاعًا، وأن «الأونلاين» سيصبح سيد المشهد بلا منازع.
خالد صلاح – بشهادة كثيرين – كان من أوائل من فهموا قواعد اللعبة الجديدة. درس تطور الصحافة الإلكترونية، وراقب تجارب العالم، واستوعب أن السرعة، وتدفق الأخبار، وصناعة «التريند» هي مفاتيح الهيمنة. لذلك لم يكن نجاح تجربته الأولى محض صدفة، بل نتيجة وعي مبكر بأن المستقبل للشاشة لا للحبر.
لكن البدايات لم تكن تقنية فقط، بل سياسية أيضًا. في أول عدد من جريدة «اليوم السابع» كتب خالد صلاح مقالًا بعنوان «أوامر أمن الدولة»، وهو عنوان صادم بقدر ما هو كاشف. قرأه البعض باعتباره إقرارًا بطبيعة العلاقة المعقدة بين الصحافة وأجهزة الدولة في مصر، حيث الرقابة حاضرة، والمعلومة أحيانًا تمر عبر قنوات رسمية، والانفراد قد يكون ثمرة قُرب لا يتوافر لغيره. وآخرون رأوه مجرد توصيف ساخر لواقع كانت تعيشه الصحافة كلها، لا مؤسسة بعينها.
الحقيقة أن العلاقة بين الإعلام والأجهزة السيادية في مصر ليست سرًا، لكنها أيضًا ليست قصة سوداء بالكامل. هناك من يعتبر أن بعض المؤسسات الصحفية استفادت من تدفق معلومات حصرية، وسُمح لها بالوصول إلى مصادر لا تُفتح أبوابها بسهولة. في المقابل، يرى أنصار هذا النمط أن الدولة – في لحظات الاضطراب – تحتاج إلى منابر قوية قادرة على تمرير رسائلها وحشد الرأي العام.
من هنا نفهم لماذا يظل اسم خالد صلاح مثيرًا للجدل. فهو عند أنصاره «أبو الصحافة الإلكترونية»، المعلم الذي سبق غيره بخطوات، وعند خصومه نموذج لصحافة قريبة من السلطة تعرف من أين تؤكل الكتف. وبين هذا وذاك، تبقى تجربته علامة فارقة في تاريخ الإعلام الرقمي المصري.
اليوم، وبعد انتهاء علاقته بـ«المتحدة للخدمات الإعلامية»، يعود الرجل باسم جديد لموقع جديد: «يوليو» (You L You). اسم ذكي، متعدد الدلالات. يمكن قراءته «منك وإليك»، ويمكن سماعه بإيقاع قريب من المنصات العالمية، ويمكن – لمن يحب المجاملة – أن يربطه بـ«يوليو»، بما يحمله الشهر من رمزية سياسية في الوعي المصري، سواء 23 يوليو 1952 أو 3 يوليو 2013.
هل في الاسم رسالة؟ ربما. هل هو إعلان استعداد لتموضع جديد داخل الخريطة الإعلامية؟ وارد. السياسة في مصر تُقرأ بين السطور، والإعلام جزء من هذه اللعبة.
غير أن المؤكد أن خالد صلاح يعرف كيف يصنع الحدث حتى قبل أن يكتب سطرًا واحدًا. يعرف أن الاسم نصف الحكاية، وأن الجدل أفضل دعاية مجانية. ويعرف أيضًا أن السوق متعطش دائمًا لمن يملك المعلومة، أو يوحي بأنه يملكها.
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للصحافة أن تتحرر تمامًا من ظلال الأجهزة السيادية في دولة معقدة البنية مثل مصر؟ أم أن التشابك قدر محتوم، تتغير درجاته ولا يختفي؟
في كل الأحوال، تجربة خالد صلاح – بما لها وما عليها – تكشف أن الصحافة في مصر ليست مجرد مهنة، بل مساحة شد وجذب بين السلطة والمجتمع، بين المعلومة والرسالة، بين الاستقلال والاقتراب. ومن يفهم هذه المعادلة جيدًا يعرف كيف يبقى في الصورة… حتى لو تغيّر الاسم، أو تبدلت المنصات.
-----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






