تعيش منطقة الشرق الأوسط سباقا مع الزمن..
ترامب يسعى لإنهاء صفقة مع إيران، ودفع بغالبية أصوله العسكرية للضغط، ويناشدها بضرورة التوقيع على الصفقة، لبث الهدوء بالمنطقة والتفرغ للبدء في مشروعات البيزنس في غزة وجنوبي لبنان وسوريا تمهيداً لإنشاء ممر التجارة العالمي "الهند ـ حيفا" كل ذلك بمساعدة عسكرية من جانب إسرائيل التي تقوم بعملية تنظيف الأراضي لتكون صالحة لإقامة المشروعات، فضلاً عن تسريع وتيرة قضم الضفة الغربية بكل الوسائل العسكرية والإدارية لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى كواقع اقتصادي واستيطاني.
وفي المقابل يسعى الثلاثي الصلب "مصر وإيران والمقاومة"، بدعم من قطر وسلطنة عُمان، لإنجاز صفقة طهران، لتفادي المنطقة ويلات الحروب التي انهكتها، والتفرغ لتمرير مشروع لجنة التكنوقراط الفلسطينية في غزة كبداية لفرض الهيمنة الفلسطينية على غزة ثم لكامل الأراضي الفلسطينية.. وتحت صوت آلات الحفر والبناء تقوم المقاومة بإعادة التأهيل والاستعداد لساعة الحسم، يوم تكون المشاريع الاقتصادية لأصحاب الأرض، ويعلن قيام الدولة الفلسطينية.
المشكلة التي ستواجه مشروعات ترامب، وهي كابوس سيكتشفه فيما قريب، أنه يبني قصوراً في رمال منطقة عقائدية، لن تغريها الشيكات البنكية والوظائف عالية الرواتب والرفاهية والشقق الفاخرة بناطحات السحاب.
ترامب يسعى لتنفيذ حلم إسرائيل الكبرى عبر المناطق الاقتصادية والمنتجعات والممرات التجارية، وهو ما يطلق عليه "السلام الاقتصادي"، لكن المفاجأة أن ما يطلق عليه "فتيان التلال" والمقصود بهم المستوطنين الراديكاليين وحاخاماتهم، ينظرون للأرض كجسد إلهي لا يجوز تدنيسه بمشاركة الأغيار (أي غير اليهود) وهم يرفضون فرض إدارة دولية على أرضهم الإلهية في جنوبي لبنان وسوريا وغزة والضفة، لذلك يحاول نتنياهو إقناعهم بأن المناطق الحرة والممرات الاقتصادية هي غطاء، ومرحلة انتقالية لإسرائيل الكبرى يمنع العالم من إدانتهم، إلا أن فتية التلال لا يريدون غطاء، هم يريدون تطهير الأرض من الأغيار العرب فما بالكم بالأجانب (؟) لذلك من المتوقع أن يقوم هؤلاء الراديكاليين بإشعال الأرض، كما يقومون في الوقت الحالي بقتل الفلسطينيين والاستيلاء على ممتلكاتهم بالضفة الغربية بحماية الجيش الإسرائيلي، غير مبالين بالإدانات العالمية، ويقومون باجتياز الحدود اللبنانية والسورية وإقامة خيام تمهيداً للاستيطان، ويضعون اللافتات التي تؤكد نظريتهم.
وهناك أيضاً، اختلاف بين وجهتي نظر داخل المنظومة الحاكمة للصهيونية العالمية، وهو ما يراه البعض بالانقسام داخل الدولة العميقة في أمريكا وإسرائيل، ويصفه بالصراع بين اليمين القومي الرأسمالي بقيادة ترامب، والذي يرى أن الاحتلال الناعم بالسيطرة على العقول والأسواق أجدى من الغرق في رمال غزة وجبال جنوب لبنان، مقابل اليمين الديني الاستيطاني بقيادة سموتريتش وبن غفير، وهي رؤية عقائدية متمسكة بتطبيق ما قاله الرب لإبراهيم "لنسلك من الفرات إلى النيل" والتي تتبنى الاستيلاء على الأرض وتهجير سكانها، وهؤلاء يرون في بيزنس ترامب صهيونية علمانية مشوهة تؤجل حلم إسرائيل الكبرى، لذلك من المتوقع أن يقوم هؤلاء بعمليات ميدانية لإجهاض مشروعات ترامب بمجرد منعهم من أداء طقوسهم التوراتية في أي زاوية من زوايا المناطق الاقتصادية الترامبية.
وهنا مأزق نتنياهو، أيضاً، فهو داعم ومنفذ لنظرية "السلام الاقتصادي" لكنه حالياً رهينة لليمين العقائدي حفاظاً على تواجده السياسي، وهو يحاول إرضاء طموحات ترامب الاستثمارية، وتلبية رغبات حلفائه في الضم والتهجير، ولأنه يجيد الرقص على الحبلين، واللعب في المنطقة الرمادية، فهو يمارس سياسة "عقيدة البيزنس" بتحويل المناطق التي يريد اليمين ضمها إلى كانتونات اقتصادية تحت سيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة، ويستخدم مصطلح "السيطرة الأمنية من النهر إلى البحر" لإرضاء ترامب بأنها ترتيبات أمنية لحماية البيزنس، وإرضاء اليمين بأنها إلغاء عملي لفكرة الدولة الفلسطينية، لكن هل ستنجح لعبة ترامب ونتنياهو مع هؤلاء(؟)
وفي المقابل توجد المقاومة العربية التي تنظر للأرض كحق وواجب ديني، وليست عقاراً، أو مولا تجاريا، وهي تدرك أن المناطق الاقتصادية والممرات التجارية ما هي إلا قيد ذهبي يهدف لمقايضة السيادة بالرفاهية، والكرامة بالاستقرار الهش، وأن ذلك القيد ما هو إلا التفاف على فكرة إسرائيل الكبرى، لذلك فالصدام بين فتية التلال والمقاومة قادم لامحالة في ذلك، وهي مسألة وقت.
وخلف المقاومة تقف مصر، التي توصف بالمهندس الصامت ويعمل ببرود أعصاب سياسي، ولن يقبل بتحويل غزة لدبي الصغيرة، ولن يرتضي بغير قيام الدولة الفلسطينية، وينظر للجنة التكنوقراط على أنها نواة للسلطة الفلسطينية، وإلى جانب مصر يقف شمشون صانع السجاد في إيران، والذي يدرك أن ترامب لا يريد الحرب من أجل الحصول على جائزة نوبل، كما أنه يريد تهدئة المنطقة لتنفيذ مخططه، ومن المهم لدى ترامب أيضاً منع وصول البترول الإيراني للصين التي تستحوذ على 80% من إنتاجها، برفع العقوبات ودمجها في سوق النفط مما يؤدي لخفض أسعاره، وهي كلها مكاسب لأمريكا، وأيضاً مكاسب لطهران التي تريد التهدئة والتقاط الأنفس استعداداً للمعركة القادمة والحاسمة.
مصر وإيران يعملان حالياً على تبريد المنطقة، والمقاومة انحنت للعاصفة تجنباً للانتحار، والرأسمالية المتوحشة لترامب ستتحطم على صخرة الأيديولوجيات المتطرفة لليمين الإسرائيلي الذي يريد "تطهيراً عرقياً" واستيطاناً توراتياً كاملاً، ويصر على تحويل مناطق ترامب إلى "كنتونات" دينية مغلقة.. وأصحاب الأرض "مقاومة وشعب" لن تغريهم سياسة إشباع البطون عندما يفقد سيادته على أرضه، وأن الجوع بكرامة أفضل من شقة في ناطحة سحاب تحت وصاية أمنية إسرائيلية.
-----------------------------
بقلم: محمد الضبع






