17 - 02 - 2026

نقد أدبي | "شونم".. الحب مفسرا للتاريخ والواقع

نقد أدبي |

يبدو "محمود الشناوي" في روايته "شونم"، الصادرة حديثا ضمن إصدارات معرض القاهرة الدولي للكتاب لهذا العام، كسينمائي يحشد كل أدواته ويوظفها بمهارة فائقة، ليُسطّر صفحة من التاريخ العربي، تبدأ أحداثها من العراق، تحديدا من إقليم كوردستان، الذي نبتت من أرضه قصة حب "شيرين" الكوردية، و"يحيي"، المصري الذي ساقته الأقدار إلى " الإقليم" ليعمل هناك. وعبر قصة الحب التي اختارها الكاتب لتكون مرآته في كشف ما يظهر على السطح من أحداث تتقاطع معها وتشكل مساراتها، يفكك " الشناوي" هذا الواقع العربي الملتبس؛ ليس من خلال حكايات التاريخ، وإنما من خلال حكايات البشر، فيجعل من الشخصية الرئيسية "شونم" مفتاحا لفهم تلك الأحداث، وهو الذي بدأ روايته بتساؤلات تضرب في عمق هذا الواقع، وتعكس رغبة قوية في الفهم الواعي لتلك اللحظة التي ظهرت عليها "شونم" في ذروة أزمتها، وبحثها عن نقطة بداية تعيد تصويب المسار وفق هذا الوعي، وتستعيد قوة مجدها وعظمة حضارتها تأسيسا عليه. 

إن محاولة تفكيك الوضع الراهن الذي تدور من خلاله أحداث رواية "شونم"، والوصول فيه إلى صورة حقيقية يمكن الارتكان إليها في تأسيس مستقبل قوي، لم تبدأ من اللحظة الحاضرة، التي بدت فيها بطلة الرواية " شونم" على هذه الحالة من الشحوب والتراجع، واختلاط الصور في ذاكرتها، بل لجأ إلى زحزحة الزمن قليلا للخلف، ليتح رؤية أفضل لتلك التفاصيل؛ فمن خلال تقنية " استرجاع الماضي  Flash back" في حديث "شونم" مع الدكتور "إياد"، وتماهي الأخير مع صيغة الحكي في "ألف ليلة وليلة" كإطار لتلك العودة إلى الماضي الذي يفسر لحظة الحاضر، نجد الكاتب يوظف هذا الإطار "الألف ليلي" في صياغاته الفنية؛ فصيغة "احكي لي يا شونم"، لا تتناص فقط مع هذا الشكل التراثي الذي اعتمدته الحكايات الشهيرة في "ألف ليلة وليلة"، وإنما كانت حيلة فنية، استطاع من خلالها "محمود الشناوي" أن يستعيد صفحات هذا التاريخ القريب، الذي تتعدد أقنعته في العصر الراهن، ولكن انتماءاته تعود لجذور واحدة، وإن تعددت الأماكن التي تتشكل على ساحتها؛ فاختيار الأماكن لديه لم يكن اختيارا مجانيا، كما أن تقديمها للقارئ لم يكن خاليا من الحياة، بل يؤكد الحياة فيها تلك التناقضات التي تجمعها مع الموت في نسيج واحد، وكأن فهم أحدهما لا يأتي بمعزل عن فهم الآخر. 

غير أن أهم ما يميز الشخصيات الروائية التي اختارها " محمود الشناوي"، ليست تلك العلاقات التي تربطها بشكل ظاهر فحسب، وإنما تلك القضايا التي تتعلق بوجودها، ومن ثم وجود الأوطان بكاملها؛ لذا فإن "سينوغرافيا النص" لديه، تتوقف طويلا أمام المكان في تكويناته وما ينطوي عليه، وكيف منحت تلك التكوينات سمات واضحة للشخصية، ترسم مواقفها، وتشكل عنصرا حاسما في تطور الأحداث وتحول مساراتها. إن "اقليم كوردستان " الذي كان منطلقا للحكي في رواية " شونم"، كان أيضا ساحة لثقافة تشكلت من خلاله وطبعت أشخاصها، وحددت مسارات الشخصية فيه؛ فشخصية " شيرين"، الأم التي تنتمي لها "شونم"، كانت النافذة الرحبة التي يطل منها الكاتب -مع قارئه- على عادات وثقافة الأكراد، وما تنطوي عليه هذه الثقافة من جذور متأصلة في سلوكياتهم، وعلاقاتهم داخل المجتمعات التي ينتمون إليها، وهي في الوقت ذاته وسيلة من وسائل الفهم التي يدخل بها إلى أعماق الشخصيات، ويحدد بؤر التوتر فيها. لذا، فإن الكاتب، وعبر ستة عشر مشهد سينمائي، هي قوام فصول روايته، منح كل واحد فيه عنوانا فرعيا، يختزل تفاصيل الأحداث ويؤكدها، ويقدم الشخصية شاهدا حيا على تلك الأحداث؛ فبدءا من "الغزو العراقي للكويت"، تبدأ الشخصيات في رحلة تحولات لا تكشفها الأماكن فقط في تبدلها، بل أيضا تحول العلاقات على ساحة تلك الأماكن؛ فـ" شيرين"، وزوجها المصري "يحيي"، بعد تباعد مع أهلها، حكمته التقاليد الكوردية، التي لا تقبل بزواج خارج انتمائها، وخروجه من "إقليم كوردستان" إلى إحدى القرى العراقية الفقيرة " البتاويين"، ومنها إلى "القاهرة" مرورا بالأردن بعد حرب الخليج الثانية، يتعرضان لموجة من تبدل العلاقات مع الدوائر المقربة، تطغى عليها المادة حينا؛ على نحو نراه في "زوج أخته" الذي يعمل في إقليم كوردستان، ويقطع علاقته به على إثر تهديد يلوح في الأفق وينال من مكاسبه المتحققه بفعل تجاوز "يحيي" لتلك التقاليد التي ترفض زواجه من "شيرين"، ثم نراه أيضا في علاقته بإخوته في "رشيد"، إحدى مدن الدلتا، حين طمعوا في ثروته التي كونها على مدار سنوات عمله في العراق، أو كان هذا التبدل بفعل الحروب وموجات العنف التي رأيناها مع "حرب الخليج الثانية"، أو في أحداث "كرداسة" عقب رحيل نظام، وتحول المجتمع المصري إلى حالة سيولة، لم يكن من السهل السيطرة عليها.

وشخصيات "محمود الشناوي" الروائية، مثل أماكنه، لا تقف معزولة عن السياق الزمني للأحداث، ولا تلك التبدلات التي تطرأ على علاقتها، وصياغتها على هذا النحو ترتبط برمزيات أكبر وأكثر اتساعا في دلالتها؛ فالقطيعة التي مُني بها "يحيي" مع حبيبته "شيرين" في كوردستان" على خلفية التقاليد التي تقف حجر عثرة في طريق هذا الزواج، هي نفسها القطيعة التي تكررت معه في بلده " رشيد" من إخوته، الذين تخلوا عن إرث النخوة والشهامة والكرم التي غرست بذرتها الأم منذ الصبا. وقرية "البتاوين" العراقية، التي بدأت فيها رحلة كفاح للاثنين معا، كانت المقابل المكاني لـ" كرداسة"، التابعة لمحافظة الجيزة، بما جسدته من معاني سعي حقيقي على لقمة العيش، وبما طالها من أحداث عنف حركته الأفكار الضالة، التي تتخذ من الدين ونصرته ستارا، بينما الأهواء والمصالح الشخصية وشهوة الانتقام هي الخيوط التي تحركها من خلف الستار، وكلاهما: المكان والشخصية رمزان لمعنى أكبر؛ المكان في إشارته للوطن، سواء كان العراق أو مصر أو غيره من الدول العربية التي تتعرض لموجات عنف تتحد في جذورها، وتختلف في الأقنعة التي ترتديها. والشخصية، التي تحيل إلى هذا الإنسان الذي يؤمن بمقدرات وطنه، ويدافع عنه وإن كلفه الدفاع حياته. 

لقد كان المكان أداة كشف قوية عن جذور الأزمة الإنسانية في الوطن العربي، بمثل ما كانت الشخصية أداة وعي حقيقي بطبيعة تلك الأحداث التي تشكل الأزمة، ومن خلال "الحب" كباعث لحركة الشخصية وموجه لها، استطاع الكاتب، أن يكشف عن جذور الكراهية والتعصب، التي تدمر الأوطان، وتنال من مقوماتها، وينزع الزيف عن كثير من الشعارات المعلنة، بينما باطنها الهلاك والخراب والدمار. وإذا كانت الشخصيات والأماكن في المتن الروائي قد استطاعت أن تحقق هدف الكاتب في تفكيك مفردات المشهد الروائي الراهن، وإعادة صياغته وفق فهم حققه بوسائل فنية اعتمدت تقنيات سينمائية بالدرجة الأولى عبر توظيف اللقطة القريبة، وأخرى بانورامية تضع كل التفاصيل في مرمى عين القارئ، فإن اللغة التي استخدمها في صياغة تلك المشاهد والتنويع في التقنيات المستخدمة لتوضيح محتواها، كانت ذات فرادة من حيث استيعابها للموروث الثقافي الذي تعبر عنه الأماكن، ومن حيث ارتباطها بالمكان والدلالة على أحداثه، بل وفي تشكيل صورة الحروب وما تعكسه أحداث العنف على صفحة المجتمع والشخصيات التي تحيا داخله، فنراه يوصف حالة الفقر الشديد التي ألمت بقرية "البتاويين" العراقية، بعد حرب الخليج الثانية بقوله: " على وقع أيام الجوع، ثمة ذل يرتسم في عيون مسن ضعيف، امرأة عاجزة، طفل يتيم، فقير محتاج، أرملة يائسة، ضغوط نفسية هائلة تبدأ من الإحساس بالعزلة، ولا تنتهي باليأس". وفي ذكر مقابلها المكاني في القاهرة، يصف مدينة "كرداسة" قائلا: "صارت شوارع تلك المدينة وقراها عنوانا لشريط من المعاناة، مسرحا للامعقول من الوقائع تحركها دمى، تعبث بها أيادي غدر وثأر، امتزج فيها الحابل بالنابل". 

نحن إذن، أمام وثيقة فنية وأدبية، استطاعت أن تمزج مقادير الواقع واللحظة الراهنة مع جذور تاريخية، تكشف وتفسر الواقع الاجتماعي الذي تعيشه الشخصية، وهذه الجذور التاريخية ليست مغرقة في بعدها؛ فذاكرة إنسان هذا العصر لازالت تحملها، فقط الصور مختلطة، وبدايات فهمها متشابكة، على النحو الذي ظهرت فيه "شونم" في بداية الرواية، أما الدكتور"إياد"، فإنه المؤمن بالقضية، الذي يعالج الأمور بحكمة، ويعيد ترتيب الأوراق، كي تستعيد "شونم" وطنها، أو يستعيد القارئ وطنه فيها. 
-----------------------
قراءة: د. سميرة أبو طالب