16 - 02 - 2026

هيكل الرسوم الجمركية

هيكل الرسوم الجمركية

مع إعلان وزارة المالية عن دراسة هيكل جديد للرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الصناعي، يعود الأمل في انتعاش اقتصادي وإعادة تشغيل لقطاع الصناعة المحلية، والذي عانى من التراجع بعد الضربات المتتالية التي تلقاها خلال جائحة كورونا وما أعقبها من أزمات عالمية ومحلية، القضية هذه المرة لا تتعلق بتعديل أرقام في جداول جمركية فقط، بل بإمكانية حقيقية لإعادة تشغيل مصانع، وفتح خطوط إنتاج متوقفة، وإعادة آلاف العمال إلى مواقعهم، واستطاعة المواطن العادي للشراء دون أن يضطر لتحمل ما لا يمكن تحمله في سبيل الحصول على أقل متطلباته واحتياجاته الشخصية والحياتية.

على مدار السنوات الماضية، تضررت الصناعة المصرية بشدة من ارتفاع تكلفة المدخلات، في وقت أصبحت فيه المنافسة مع المستورد شبه مستحيلة، كثير من المصانع خفّضت طاقتها التشغيلية، وأخرى أغلقت أبوابها بالكامل، بينما وجد عمال مهرة أنفسهم خارج سوق العمل، تجاوزت كلفة الإنتاج حدود الاحتمال بسبب الرسوم الجمركية، ربما جاءت كورونا لتكشف هشاشة هذا الوضع، لتزيد الأوضاع سوءاً بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الشحن والخامات عالميًا.

من هنا، فإن تنفيذ هيكل جمركي جديد يخفف العبء عن مستلزمات الإنتاج قد يشكّل نقطة بداية حقيقية للتعافي، خفض الرسوم على الخامات والمكونات يعني تقليل تكلفة المنتج النهائي، ويمنح المصانع فرصة لزيادة الإنتاج، واستعادة قدرتها على التشغيل الكامل أو شبه الكامل، كل زيادة في الطاقة الإنتاجية تعني عمالة أكثر، سواء مباشرة داخل المصانع أو غير مباشرة في قطاعات النقل والخدمات والتوريد، يقدر الخبراء أن أي تحسن جدي في مناخ التصنيع قد ينعكس سريعًا على سوق العمل، خاصة في الصناعات كثيفة العمالة مثل الغزل والنسيج، والصناعات الغذائية، والهندسية، ومواد البناء، فهذه القطاعات وحدها قادرة، إذا أُتيحت لها الظروف المناسبة، على استيعاب عشرات الآلاف من العمال الذين خرجوا من السوق خلال السنوات الأخيرة، والأهم أن هذه الوظائف ليست مؤقتة، بل مرتبطة بإنتاج فعلي وقيمة مضافة.

هي فرصة رغم اتساعها، تظل مشروطة بحسن التنفيذ، فتعافي الاقتصاد والصناعة خاصة لا يتحقق بقرار واحد، ولا بإعفاءات عشوائية، بل بسياسة متكاملة تضمن أن يذهب خفض الرسوم فعلًا إلى المصنع، لا إلى ربح إضافي يستفيد به المستورد، كما أن ربط التيسيرات الجمركية بمعدلات التشغيل والتصنيع المحلي سيكون عاملًا هاماً في تحقيق الهدف الاجتماعي والاقتصادي للقرار، وفي مقدّمته خلق فرص عمل حقيقية ودائمة، إن إعادة تنشيط الصناعة تعني أكثر من أرقام نمو؛ تعني استعادة الثقة لعمال تضرروا لسنوات، وإعادة دمج خبرات خرجت من السوق قسرًا، وبناء قاعدة إنتاج قادرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.

لهذا، فإن الهيكل الجديد للرسوم الجمركية، إذا خرج إلى النور بروح الإصلاح لا المجاملة والمحاباة لأصحاب المصالح، سيكون بداية مسار مختلف، تنتج فيه المصانع بدلاً من الركود، لتنخفض نسب البطالة، ويُستبدل الاستيراد بالإنتاج وربما التصدير، يبقى الحكم في النهاية مرهونًا بالفعل لا بالنية، التجربة وحدها ستثبت إن كنا أمام تحول حقيقي في فلسفة التعامل مع الصناعة، أم مجرد محاولة أخرى لاحتواء أزمة واسكات أصوات الصارخين، "أفلح إن صدق".
----------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

مقالات اخرى للكاتب

هيكل الرسوم الجمركية