في زمنٍ لم تعد فيه السياسة تُدار من خلف الأبواب الخشبية الثقيلة، ولا عبر الهواتف الأرضية وحدها، صار تطبيقٌ صغيرٌ أخضرُ اللون هو غرفة العمليات الجديدة. “واتساب”، الذي بدأ وسيلةً بسيطةً لتبادل الرسائل والصور بين الأصدقاء، تحوّل إلى منصة إعلامية وسياسية بامتياز. بيانٌ يُكتب في دقيقة، وتسريبٌ يُنشر في أخرى، وتعليماتٌ تصل إلى عشرات الهواتف في اللحظة نفسها. هكذا تغيّرت قواعد اللعبة.
لم يعد “الجروب” مجرد مساحة للدردشة، بل أصبح - في بعض النماذج المشوّهة - أداةً لإدارة المشهد بالكامل. جروبٌ يضم مسؤولين في الموالاة، وبعض وجوه المعارضة الشكلية، وعناصر حزبية، وإعلاميين. جروبٌ واحد، لكن بأدوار متعددة. في الصباح تُرسل “النقاط الرئيسية” للحديث في البرامج. في الظهيرة تصل توجيهات بشأن قضية يجب تضخيمها، وأخرى ينبغي دفنها. وفي المساء يُطلب من هذا أن يهاجم، ومن ذاك أن يرد، بينما الحقيقة غائبة، والمواطن آخرُ من يعلم.
المفارقة أن الموالاة والمعارضة، اللتين يُفترض أن بينهما مسافةً سياسيةً وفكريةً، تجتمعان في المساحة نفسها على شاشة هاتف. الخلافات تُضبط بإيقاع الرسائل، وسقف النقد يُحدَّد بعبارة مقتضبة: “يراعى عدم تجاوز الخطوط”. حتى الغضب يصبح منظمًا، والاعتراض محسوبَ الجرعات. معارضةٌ (شكلية) تؤدي دورها بدقة، وموالاةٌ تعرف متى تُصفّق ومتى تصمت. الكل ينتظر الإشارة.
خطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في مركزية القرار، بل في إفراغ السياسة من مضمونها. حين تُختزل القضايا العامة في رسائل سريعة، ويتحوّل النقاش إلى “إعادة توجيه” للرسائل، وتصبح المواقف نسخًا متطابقة، فإننا أمام صوتٍ واحدٍ متعددِ الوجوه. تعددية شكلية، لكن المحتوى واحد. صخبٌ على الشاشات، وصمتٌ في غرف التفكير.
الإعلام بدوره يدخل الجروب، صراحةً أو مواربةً. تُوزَّع العناوين المقترحة، وتُحدَّد زوايا التناول، ويُعاد تدوير المصطلحات نفسها حتى تفقد الكلمات معناها. يتشابه التحليل، وتتكرر الجُمل، كأننا أمام بيانٍ واحدٍ بأصوات مختلفة. وحين يسأل المشاهد: أين الرأي الآخر؟ تأتيه الإجابة في صورة مشهدٍ تمثيليٍّ مُعدٍّ سلفًا.
لكن السياسة ليست مسرحًا مدرسيًا، وليست مباراةً تُوزَّع فيها الأدوار قبل صافرة البداية. السياسة حوارٌ حقيقي، وصراعُ أفكار، ومساءلةٌ علنية. أما إدارتها عبر جروبٍ مغلق، فذلك اختزالٌ مُخلٌّ بالدولة والمجتمع معًا. لأن من يعتاد تلقي التعليمات عبر رسالة يفقد تدريجيًا شجاعة اتخاذ القرار. ومن يتدرب على المعارضة المنسَّقة ينسى كيف يعارض فعلًا.
كشف هذا النوع من الإدارة ليس ترفًا، بل ضرورة. الشفافية تبدأ من الاعتراف بأن توجيه المواقف عبر قنوات خفية يقتل الثقة العامة. ومواجهة الصوت الواحد لا تكون بالصوت العالي، بل بفتح المجال لأصوات حقيقية، مستقلة، لا تنتظر إشعارًا لتتحدث، ولا تخشى حذفها من المجموعة إن تجاوزت السقف.
قد يكون “الواتساب” أداةً عظيمةً للتواصل، لكنه ليس بديلًا عن المؤسسات، ولا عن النقاش العام المفتوح. حين تُدار السياسة من شاشة صغيرة، تضيق معها مساحة الوطن. وحين يتحول الجروب إلى حكومة ظل ومعارضة ظل، يصبح الظل هو الأصل، ويغيب الضوء.
المطلوب ببساطة أن نعيد السياسة إلى العلن، وأن نكسر وهم الجروب الذي يدير الجميع. فالدولة لا تُدار برسالة، والمعارضة لا تُختزل في إشعار، والوطن أكبر من شاشة هاتف.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






