في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الجيوسياسي العالمي، يظل تطور وأمن منطقة الشرق الأوسط محط أنظار العالم. وأمام التحديات المعقدة والمتشابكة، أصبح البحث عن مسارات أمنية مستدامة قضية مشتركة للمجتمع الدولي. وفي هذا السياق، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الأمن العالمي، مقدّمًا إطارًا فكريًا وعمليًا جديدًا للتعامل مع التحديات الأمنية الإقليمية. وكما أشار الرئيس شي، فإن «الأمن هو شرط التنمية، والبشرية تشكّل مجتمعًا أمنيًا غير قابل للتجزئة». وقد انطلقت مشاركة الصين في شؤون أمن الشرق الأوسط دائمًا من تعزيز الحوار والتعاون ودفع الأمن المشترك، مجسدةً دور دولة كبرى مسؤولة تسهم إيجابيًا في صون السلام والاستقرار الإقليميين.
وترتكز مبادرة الأمن العالمي على مفهوم جوهري مفاده أن الأمن يجب أن يكون شاملًا، ومتساويًا، وتشاركيًا، ولا يجوز السعي إلى تحقيق أمن دولة ما على حساب أمن الدول الأخرى. وعلى مدى عقود، راكم المجتمع الدولي خبرات ودروسًا متعددة في سعيه لبناء هيكل أمني للشرق الأوسط. وانطلاقًا من تجربتها في التنمية السلمية والتزامها بقواعد العلاقات الدولية، طرحت الصين رؤية للأمن المشتركوالشامل والتعاوني والمستدام. وتؤكد هذه الرؤية أن الأمن الحقيقي والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا على أساس احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والالتزام بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وقد التزمت الصين دائمًا في الشرق الأوسط بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم السعي إلى مناطق نفوذ أو الدخول في تنافسات جيوسياسية، وهو ما أرسى أساسًا سياسيًا متينًا للتعاون المتكافئ والمنفعة المتبادلة بينها وبين دول المنطقة.
وتتجلى القيمة الخاصة لمشاركة الصين في قضايا أمن الشرق الأوسط في تمسكها الدائم بدور بنّاء يقوم على تشجيع المصالحة ودفع الحوار. ففي عام 2023، وبوساطة صينية، عقدت المملكة العربية السعودية وإيران حوارًا في بكين أفضى إلى التوصل إلى اتفاق مصالحة، في إنجاز دبلوماسي بارز شكّل نموذجًا ناجحًا لحل الخلافات عبر الحوار. وتبرهن هذه التجربة على أنه حتى في ظل تعقيدات تاريخية عميقة، فإن الالتزام بروح الاحترام المتبادل والتشاور على قدم المساواة، واعتماد المسارات الدبلوماسية، لا يجعل حل الخلافات ممكنًا فحسب، بل يفضي أيضًا إلى تقدم ملموس. وفيما يخص القضية الفلسطينية، دأبت الصين على دعم التوصل إلى حل شامل وعادل ودائم على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ووفق حل الدولتين، وتواصل القيام بدور بنّاء في هذا الاتجاه. وتؤكد الممارسة الصينية أن معالجة القضايا الأمنية تتطلب حوارًا سياسيًا صبورًا ومتعمقًا، ومراعاة مشروعة لمصالح جميع الأطراف، فضلًا عن بناء آليات حوار طويلة الأمد وفعّالة.
ويتمثل بُعدٌ مهم آخر في مبادرة الأمن العالمي في إدراك الترابط العضوي بين الأمن والتنمية. إذ ترى الصين أن التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي يشكلان أساسًا جوهريًا لتحقيق أمن مستدام. فقد أظهرت تجارب عديدة أن الفقر والبطالة والتخلف التنموي قد تتحول إلى عوامل تغذي عدم الاستقرار. ومن هذا المنطلق، تدفع الصين بنشاط نحو مواءمة مبادرة «الحزام والطريق» مع استراتيجيات التنمية في دول الشرق الأوسط. ففي مصر، أسهم التعاون الصيني–المصري في دعم التصنيع المحلي وخلق فرص العمل؛ وفي السعودية والإمارات وغيرها، يشهد التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي نموًا متسارعًا. ومن خلال بناء البنية التحتية، وتعزيز التعاون الصناعي، وتوسيع التبادل التكنولوجي، تعمل الصين ودول المنطقة معًا على ضخ زخم جديد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في تقليص جذور الصراع وتعزيز التماسك المجتمعي والقدرة على مواجهة المخاطر.
وفي الشؤون الدولية، ظلت الصين تدعو باستمرار إلى التعددية وتعمل على صون النظام الدولي القائم على القانون الدولي. وقد أكد الرئيس شي جين بينغ أن «علينا التمسك برؤية أمنية مشتركة وشاملة وتعاونية ومستدامة، والعمل معًا لحماية السلام والأمن العالميين». وفي القضايا الإقليمية الساخنة مثل الملف النووي الإيراني والأزمة السورية، تلتزم الصين بثبات بمسار الحلول السياسية، وتعترض على استخدام العقوبات أو التهديد بالقوة. وترى الصين أن أي حل للقضايا الأمنية يجب أن يستند إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأن يحترم سيادة الدول المعنية وإرادتها. إن هذا الالتزام الثابت بقواعد العلاقات الدولية جعل من الصين قوة مستقرة وبنّاءة في المشهد الإقليمي، وأسهم في تهيئة ظروف مواتية لتسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور.
وقد أثبتت الوقائع أن البشرية تشكل مجتمعًا أمنيًا غير قابل للتجزئة. وكل جهد تبذله الصين في مجال أمن الشرق الأوسط هو إسهام في بناء هذا المجتمع المشترك. وفي عالم مترابط على نحو متزايد، يظل الالتزام بالأمن المشترك والتعاوني هو السبيل الصحيح لتحقيق سلام دائم.
ويقف مسار السلام والتنمية في الشرق الأوسط اليوم عند مرحلة مفصلية، تتطلب تضافر جهود دول المنطقة والمجتمع الدولي. وستواصل الصين أداء دورها كحارس للسلام، ومحفّز للتنمية، ودافع للتعاون، بالتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهة مختلف التحديات الأمنية.
ومع تعمّق تطبيق مبادرة الأمن العالمي في الشرق الأوسط، تتطلع الصين إلى توسيع آفاق التعاون مع دول المنطقة. ففي مجالات الأمن غير التقليدي مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي، تمتلك الأطراف إمكانات تعاون واسعة. وستواصل الصين التمسك بمبدأ التشاور المشترك والبناء المشترك والمنافع المشتركة، والعمل مع دول الشرق الأوسط على استكشاف نماذج لحوكمة أمنية تتناسب مع واقع المنطقة وتراعي مصالح جميع الأطراف، بما يسهم في تعزيز السلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والعالم. وهذا ليس تجسيدًا لمسؤولية الصين فحسب، بل هو أيضًا متطلبٌ حتمي لبناء مجتمعالمستقبل المشترك للبشرية في عصرنا الراهن.
------------------------------
بقلم: نور يانغ
* إعلامي صيني







