13 - 02 - 2026

إبداعات | الحسناء والكلب

إبداعات | الحسناء والكلب

حين وصلتُ العيادة البيطرية رفقة حماتي بغيةَ شراء شاتين من الطبيب البيطري؛ ثقةً في شياهه وتحصيناتها، استقبلني والده بحفاوة وترحاب، قدَّمتُ له حماتي فرحب بها، وعرض علينا تناول أي مشروب، لكنني كنتُ في عجلة من أمري، فرجوته أن ينادي لنا الدكتور، فأخرج محموله واتصل به، ثم قال لي: عشرة دقائق فقط، ويُحضر لك ما تشاء.

 بعد قليل أقبلت فتاة جميلة، ناعمة، تبدو في أول العقد الثالث من عمرها، ومعها سيدة عنيفة، يبدو على ملامحها وحركات يديها الاضطراب والتوتر، همست الفتاة للرجل قائلة: هل الدكتور هنا؟

أجاب: نعم.. سيقدم حالاً، أقدر أساعدكِ في شيء؟

قالت المرأة العنيفة: الكلب مريض جدا.

استوضح من الصغيرة التي قالت وهي تغالب حزنها: الكلب فجأة قعد بلا حركة، يهزُّ رأسه لي ولا يتكلم، وانقطع عن الأكل والشرب.

سألها: هل يُخرج من فمه رغاوي؟

قالت المرأة العنيفة: نعم.

فقال الرجل: قد يكون تسمم، لعله تناول أكلاً سيئاً.

قالت الرقيقة: كلا.. إنه حساس جداً، لا يمكن أن يتناول أي شيء سيء، هو رقيق للغاية، ويتشمم كل شيء قبل تناوله، ومن المستحيل أن يأكل أي شيء غير صحي.

كانت تتحدث وهي متأثرة للغاية، ومن رهافتها تكاد تبكي.

تدخلتُ في الحوار فقلتُ لها: هل له تاريخ مرضي؟ أو هل مرت به حالة مشابهة؟

أجابت وهي تتحول نحوي قائلة: إنه لا يمرض إلا نادراً، أنا حزينة من أجله، وأخاف أن يمسسه سوء.

قالت حماتي: البيت الذي فيه كلب لا تدخله الملائكة.

تدخلت المرأة العنيفة قائلة: هل سمعتِ يا أسماء؟ تقولُ البيتُ الذي فيه كلب لا تدخله الملائكةُ. 

ثم توجهت نحوي متسائلة: لو سمحت، أريد أن تجيبني، ألم يحفظ الله أهل الكهف ثلاث مائة سنة وتسع سنوات في الكهف؟

قال والد الدكتور، وهو يشير لهما إليَّ: الدكتور، دكتور في الأزهر الشريف، أي عالم في مجال الإسلام.

فقالت السيدة: واضح على ملامحه، ثم استطردت قائلة: الله قال: نقلِّبهم ذات اليمين وذات الشمال، كيف كان يقلِّبهم؟ كانت الملائكة تدخل عليهم تقلِّبهم لئلا يصابوا بقرحة الفراش، صح أم خطأ؟

قلت لها: أين السؤال؟

أجابت: ألم يكن الكلب موجوداً معهم على باب الكهف؟ ولم يمنع ذلك دخول الملائكة لتقليبهم.

قلت لها: الكلب كان باسط ذراعيه بالوصيد لئلا يدخل عليهم سبعٌ أو ذو ناب فيفترسهم وهم نيام، أي كان يحرسهم، وما دام الكلب للحراسة فهو لا يضرُّ، ولا يمنعُ الملائكة، فهل كلبكما للحراسة؟

أجابت الرقيقة: نعم.. الكلب يحرسنا، حين أمشي به في الشارع يتجنبني الجميع، ويخافونه، ولكنه لا يقترب من الأطفال إلا إذا استهزءوا به واقتربوا منه اقتراباً شديداً.

قالت السيدة العنيفة: إن الكلب يقضي معظم وقته على السطح في حاله، ورفضت تزويجه. 

قلت لها: هل هو كبير؟

قالت المرأة: نعم كبير، لقد رزقنا الله به منذ ثلاث سنوات هدية من أخي الكبير، وهو نادراً ما يهدينا شيئا ذا قيمة.

سألت الرقيقة: أنتِ في الجامعة؟

أجابت: أنا تخرجت في كلية التمريض، وأعمل في مستشفى كبير في المدينة، أنتظر التكليف الحكومي في شهر يوليو القادم.

سألتها: كم عمركِ؟

قالت: 24 سنة.

عدتُ فقلت: مخطوبة؟

قالت المرأة العنيفة: أسماء ابنتي يأتيها كل يوم عريس، لكنها ترفضهم كلهم، ولا ترضى أن تزوَّج الكلب.

قلتُ والجميع ينصت إليَّ: أفهم أن البعض لديه طاقات عاطفية مشحونة ويخرجها في صورة الحب والتعاطف مع بعض الحيوانات، إذا لم يوفقه الله لتفريغ تلك الطاقة العاطفية مع إنسان مناسب، ولعلكِ يا أسماء تخرجين كل الحب للكلب.

قالت: لو رأيته ستقع في غرامه.

قلت لها: أنا؟ معاذ الله..

قالت أمها: أنا كل يوم أقتطع من طعامي وأهبه له، وأنظف له وأحميه بالماء والصابون، يستغرُق مني كل يوم أكثر من ساعة عمل، ولكني لفرط حبي له لا أبخل عليه بأي شيء.

تعجبت حماتي وقالت: أنا أحسست إن الكلب فرد من الأسرة.

قالت الأم: نعم، لقد عاش معنا على الحلوة والمرة، ولم نرَ منه إلا الخير.

   قلت لأسماء: كل يوم يدق بابكِ خطيب وترفضين بسبب حبكِ للكلب؟ سوف أجيئكِ بعريس يعالج ُالكلب، فما رأيكِ؟

قالت: الدكتور سيعالجُ الكلب.

قلتُ لها: كلا.. الدكتور يفهم في العلم، ولعل حالة الكلب تكون إجهاد نفسي عنيف بسبب منعكِ الزواج عنه؛ غيرة عليه، فالعريس الذي أقترحه لكِ يفهم في تلك الأمور النفسية.

قالت أمها: ومَنْ هذا العريس؟

قلت: أنا.. أنا سوف أسهر على راحة الكلب، وصاحبته.

نظرت حماتي نحوي قائلة: وهل ستعرف زوجتك بذلك؟

قلت لأسماء: حماتي معي الآن، جاءت لشراء الماعز، وهي ستبلغ ابنتها، ومعي الآن خمسون ألف جنيها، فما رأيكِ؟

قالت أمها: يأتيها كل يوم عريس، لكن نريد أن نطمئن على الكلب أولاً، أرجوك يا حاج اتصل على الدكتور، استعجله ضروري، كل لحظة تمرُّ فيها خطر على حياته.

أقبل الدكتور علينا، رحب بي وصافحني، فلم تنتظر المرأة إتمام حديثه معي، فقالت له: الكلب مرض فجأة منذ ساعة، ينظر في الأرض، ويغلق فمه وينظر نحو الأرض، ونشكُّ أن عنده صرعاً، فما الحل؟

قال لها: أعدميه.

فزعتْ وحين التقت عيني بعيني أسماء رأيت الدموع تزاحم تصنعها القوة، فقالت: ماذا قلت؟

عاد فقال: الكلب سيكولوجياً ليس كالإنسان، فطالما وصل لمثل هذه الحالة، سيبدو رقيقاً لوقتٍ ما، ثم فجأة يتحول لوحش كاسر ويتنكر لأحبابه، وقد يقتل أحداً، فلابد من سرعة إعدامه.

  كانت كلماته هادئة ومتزنة، نظرت إلى حماتي فوجدتها سعيدة برأي الدكتور، ولكن أسماء استرحمته وقالت: مستحيل يؤذي أحداً، إنه رقيق للغاية، أرجوك، أنا متأكدة أنه صرع، وحين نعطيه بعض الدواء سيخفُّ ويعود كما الأول.

لكن الدكتور أصرَّ على رأيه، ثم قال: خذي هذه الحقنة، احقنيه بها، لكن كوني حذرة جداً، فوحشيته الكلب تظهر فجأة، كوني حذرة للغاية.

قالت أمها: لن يعطيه الحقنة أحدٌ غيري، هو حبيبي.

تعجبت حماتي من قولها، وقالت أسماء: أنا مشرفة تمريض، وهذا دوري.

قال الدكتور محذراً: رأيي أنه من الضروري إعدامه قبل أن يستفحل الأمر وتحدث كارثة، على أي حال لقد قلتُ رأيي، والقرار لكما.

قالت أسماء: بعد أن نحقنه ماذا نفعل؟

قال: تنتظرين ساعة، وتراقبين سلوكه من بعيد، إذا لم يتغير للأفضل، نادي على الخفير يقوم بإعدامه.

تدخلتُ قائلاً: هناك قوانين رادعة خاصة بتربية الكلاب، وتقريباً هناك قانون ينصُّ على تغريم كل مَن يقوم بتربية كلب دون ترخيص من الطب البيطري بغرامة قدرها 50 ألف جنيها، وربما سنة حبس.

قالت أسماء: القانون يقول: يُعاقب بالحبس مدة ثلاث أشهر وبغرامة 30 ألف جنيه كل مَن يقتني كلباً يقوم بعقر شخص ما في غير منزله أو لم يبلغ عن الكلب إذا أُصيب بمرض شديد، أنا أعرف كل شيء يخصُّ الكلب.

فقلت لها: ألم أخبركِ أن الدكتور رجل علم، والعريس سيعالجه نفسياً ويقبل بوجوده معكِ في عش الزوجية.

ضحكت ودفعت أمها ثمن الحقنة، ثم خرجتا، قالت الأم: الرجاء إخلاص الدعاء بشفاء الكلب، نحن نأخذ بالأسباب، لكن الشافي هو الله، رجاءً أخلصوا في الدعاء.

قلت لحماتي: لا تخبري زوجتي بشيء مما حدث، وسوف أشارك معكِ في ثمن الشياه.

ثم التفتُّ إلى الدكتور، وقلتُ له: هيا إلى المزرعة لقد تأخرنا كثيراً، وحماتي وقتها ضيق، وقد ضاق صدرها لمرض الكلب الذي يؤلم الحسناء وأمها.
-------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش