يحجب التركيز على الجانب المتعلق بالانحرافات الجنسية لشخصيات بارزة في النخب الحاكمة في كثير من بلدان العالم، وخصوصا التركيز على إقامة علاقات جنسية مع قاصرات، في ملفات التحقيق في قضية الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، والتي يزيد عددها على ثلاثة ملايين وثيقة، جوانب أهم في القضية تكشفها المراسلات المتبادلة بين إبستين هذه الشخصيات، خصوصًا في ضوء ارتباطه بأجهزة مخابرات في الولايات المتحدة وإسرائيل وفي دول أخرى. فمن الملاحظ أن جانبًا كبيرًا من اهتمام وسائل الإعلام العربية والنخب المثقفة في العالم العربي انصرف إلى البعد المتعلق بالفضائح الجنسية، استنادًا إلى ما تنشره وسائل الإعلام الغربية. ومن الملاحظ أن وسائل الإعلام العربية تعرض هذه التقارير بطريقة مبسطة ومخلة، لغرض الاستهلاك المحلي وتعويض القراء والمتابعين عن غياب أي تناول نقدي للقضايا الرئيسية التي قد تهم القراء العرب. نتيجة لذلك يصبح الكثير من الوقائع التافهة الهامشية، والتي قد تأخذ حيزًا محدودًا في وسائل الإعلام الغربية، قضايا رئيسية لشغل الرأي العام العربي، فتُفرد لها المساحات، وتشتعل بها مواقع التواصل الاجتماعي.
قليل من وسائل الإعلام العربية والتعليقات التفت إلى دلالة نشر وزارة العدل الأمريكية لملفات القضية أواخر يناير الماضي، تنفيذا لقانون "شفافية ملفات إبستين" الذي أصدره الكونجرس بغرفتيه، بأغلبية ساحقة في نوفمبر 2025، ووقع عليه الرئيس دونالد ترامب، والذي يلزم وزارة العدل الأمريكية بنشر جميع ملفاتها المتعلقة بالتحقيقات الجنائية الخاصة بقضية إبستين قبل 19 ديسمبر الماضي، لاسيما تلك الدلالات ذات الصلة بمبادئ الشفافية وحرية تداول المعلومات، الذي نكافح منذ عقود لاستصدار قانون ينظمها، ولم تهتم التغطية الإعلامية أيضًا بصِلة الأمرين، بمحاربة الفساد وفضحه، ولا بمبدأ سيادة القانون، الذي يعني أن لا أحد فوق المحاسبة على ما يُرتكب من انحرافات ومخالفات وانتهاكات لحقوق الآخرين، مهما تكن سلطته أو نفوذه. ولم يركز التناول الإعلامي لدينا على إبراز أهمية الإعلام، باعتباره أحد الحقوق الأساسية للمواطنين الملزم للحكومات، ولا بدوره في فضح المفسدين وتقديمهم للعدالة، لاسيما في النظم الديمقراطية، التي أدركت منذ وقت طويل أن الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية تداول المعلومات وحرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام هي الجبهة الأولى في الحرب على الفساد وتحقيق العدالة وسيادة القانون.
هناك ثلاثة ملامح أساسية لتناول وسائل الإعلام العربية لقضية ابستين. الملمح الأول هو الاهتمام المفرط بالجانب المتعلق بالانحرافات الجنسية للزعماء في المجتمعات الغربية، ليس فقط للاعتبارات المتعلقة بتلبية شغف لدى القراء وملء الفراغ الإعلامي بسبب القيود المفروضة على وسائل الإعلام والتي تؤثر على قدرتها على تناول القضايا المحلية، وإنما أيضا لترسيخ فكرة الانحلال الأخلاقي للمجتمعات الغربية. لقد ترتب على القيود المفروضة على حرية تداول المعلومات وحرية الإعلام تحويل معظم المنصات الإعلامية العربية إلى ما يشبه المراكز الإعلامية الرسمية ومنصات دعائية للترويج للسياسات العامة وتراجع مساحة التناول النقدي لتلك السياسات، وتعويض ذلك النقص بقصص تتناول بقدر من الإثارة موضوعات قد تنتهك حرمة الحياة الخاصة للمشاهير والزعماء، لاسيما الأجانب منهم، وإعادة نشر مثل هذه القصص في وسائل الإعلام العربية، غالبًا لصرف انتباه الرأي العام عن قضايا ملحة وحيوية.
الملمح الثاني، هو الميل إلى سرد الوقائع المرتبطة بهذه القضية، والتي ترد غالبا من وسائل الإعلام الغربية في سياق "نظرية المؤامرة"، التي تلقى رواجًا كبيرًا لدى وسائل الإعلام العربية وأيضًا لدى قطاعات واسعة من الجمهور العربي، الأمر الذي يرسخ هذه النظرية في أسلوب التفكير في العالم العربي، لأنها تسد الفجوات المعلوماتية في القصص المنشورة في وسائل الإعلام الغربية، من خلال تقديم تفسيرات تآمرية للوقائع، وتصور أن هناك "مؤامرة" ما، "صهيونية وأمريكية" في الغالب على بلدان العالم، لاسيما البلدان العربية والإسلامية المستهدفة، وتضاف شبكة إبستين إلى شبكات ودوائر أخرى يعتقد أنصار تلك النظرية أنها تدير العالم. ويدعم هذه النظرية بالطبع الكثير من الوقائع الكبيرة والصغيرة. هذه النظرية لها رواج أيضًا لدى الجمهور الواسع في البلدان الغربية، خصوصًا أن اعتبارات الأمن القومي واعتبارات أخرى تستدعي حجب وثائق أخرى مرتبطة بالقضية. المشكلة الأساسية، التي تطرحها نظريات المؤامرة هي أنها تضعف العقلية التحليلية والنقدية وتسد عدم القدرة على التوصل إلى تفسير منطقي لنظرية المؤامرة، بل ربط بعض المعلقين توقيت نشر هذه الوثائق باستعدادات الإدارة الأمريكية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، ومحاولة لردع ترامب عن الإقدام على هذه الخطوة، دون نظر إلى حقيقة الآليات التشريعية والدستورية التي أدت إلى ذلك والتي تعود إلى عام 2019. وتخدم نظرية المؤامرة تلك الدوائر المعادية للديمقراطية والحريات ومن بينها حرية الإعلام وحرية تداول المعلومات.
الملمح الثالث، يرتبط بترسيخ صورة البلدان الغربية والنخب الحاكمة، وإظهار مدى تفسخ هذه النخب وانحلالها الأخلاقي رغم التقدم العلمي والتكنولوجي للغرب الذي ينتج ما نستهلكه من منتجات مادية ومعارف، خصوصًا في ضوء التركيز على الانحرافات الجنسية واستبعادنا قيما كالصدق واحترام الحريات الفردية والعامة والعدل والنزاهة والانصاف من منظومة القيم، مع الإصرار على مواصلة الكذب على الذات وعلى الأخرين، وإهدار قيم الحرية والعدل والشفافية. ويرتبط هذا الترسيخ بفكرة أعمق متعلقة بالتشكيك في الديمقراطية الغربية، والتركيز على فشلها بما يعزز الطابع الاستبدادي وأسلوب الحكم المتمركز حول رأس السلطة في البلدان العربية، متجاهلين أن الإنكار والتعتيم لا يعني عدم وجود ممارسات فاسدة، وأن مثل هذه الأجواء توفر ملاذا آمنا للفاسدين، وترسيخ قاعدة "من أمن العقاب أساء الأدب".
الفساد ومحاربته بين ثقافتين
على الرغم من وفاة إبستين في زنزانة في نيويورك في العاشر من أغسطس 2019، حيث كان ينتظر محاكمته في اتهامات الاتجار الجنسي، بعد أن رفضت المحكمة الإفراج عنه بكفالة، إلا أن وفاته، التي يشوبها كثير من علامات الاستفهام، لم تغلق ملف القضية، ولم تسقط الاتهامات التي وجهت إليه، خصوصًا أنه كان ُمدرجًا كمجرم جنسي لعشر سنوات منذ إدانته بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة، ووُجهت إليه تهمة إدارة "شبكة واسعة" تستغل قاصرات لأغراض تتصل بالاتجار بالقاصرات واستغلالهن جنسيا. والأرجح أن الملف سيظل مفتوحا وسيطال شخصيات بارزة تورطت معه في هذه الجرائم الجنسية وجرائم تنتهك القانون الأمريكي، ومنها أفعال وممارسات تتنافي مع المبادئ العامة للأخلاق والقيم في مختلف المجتمعات وعبر الثقافات المختلفة والمتباينة. الأمر الذي يعطي لهذه القضية بعدًا خاصًا هو أن أي شخص يرد اسمه في هذه الملفات يكون عرضة لتلويث سمعته وللتشهير به، بغض النظر عن الظروف والملابسات التي ورد الاسم في سياقها، خصوصًا أن إبستين كان مرتبطًا بشبكة كبيرة من المؤسسات ومراكز التفكير والأبحاث التي أسستها مجموعة روكفلر الأمريكية التي كان لديها اهتمام كبير بالشؤون الدولية ولديها الكثير من الارتباطات والعلاقات بكثير من الشخصيات السياسية والفكرية في إطار نشاطها ضمن ما يعرف باللجنة الثلاثية التي كانت تركز على توطيد علاقات واشنطن بأوروبا الغربية وباليابان، في سياق سياستها الرامية إلى تعزيز التحالف الدولي في مواجهة خصومها.
من الوارد أن تظهر أسماء دبلوماسيين وسياسيين وأكاديميين وباحثين وإعلاميين وصحفيين ورجال أعمال وغيرهم من المنتمين إلى النخب في البلدان المختلفة في أنحاء العالم في رسائل متبادلة بين إبستين ومساعديه في سياق الترتيب لمؤتمرات وحلقات نقاش وغيرها من أنشطة نظمتها واحدة من المؤسسات المرتبطة به، ولا يعني ظهور شخصية ما أو حتى ذهابه إلى المنتجع الخاص به أن تكون تلك الشخصية فاسدة أو متورطة في أي من الانحرافات الأخلاقية، ولا ينبغي استغلال ذلك للتشهير بهذه الشخصية أو تلك أو استنتاج وجود علاقات خفية لهذه الشخصيات معه، ولا يجوز استنتاج طلب شخص ما دعمه أو دعم أصدقائه في شبكة نفوذه الواسعة، ولا بد من التدقيق والتمحيص والمراجعة قبل استغلال ظهور اسم هذه الشخصية أو تلك في الملفات من أجل التشهير بها. وسارع كثير من الشخصيات التي ذكرت في تلك الملفات إلى إصدار بيانات تنفي أو توضح ملابسات ظهور اسمه في أي من هذه الملفات.
يتصل البُعد المتعلق بالفساد الذي تكشفه هذه الملفات بالدور الذي تلعبه شبكات النفوذ غير الرسمية في التأثير على قرارات ومواقف الحكومات والدول. ويشير هذا البعد إلى جانبين أساسيين: الأول متعلق بذلك النمط المتوسع من تضارب المصالح الناجم عن ارتباط السياسة بعالم المال والأعمال، مع الصعود السياسي لرجال الأعمال في كثير من المجتمعات الغربية، وما يتضمنه ذلك من بروز أنماط من حكم القلة التي تسعى للالتفاف على القوانين المقيدة لنشاط رجال الأعمال ومصالحهم والتي قد تفتح الطريق لما يعرف بـ"حكم اللصوص" kleptocracy، خصوصًا في حالة حدوث تداخل بين شبكات الفساد والجريمة المنظمة وبين شغل المناصب السياسية، سواء عن طريق الانتخابات أو بالتعيين، علاوة على بروز أشكال جديدة ومستحدثة للنفوذ الواسع الذي تتمتع به شبكات الجريمة المنظمة المماثلة للمافيا في بلدان كثيرة. وقد تكون صداقة التي ربطت بين إبستين وبين السياسي البريطاني بيتر ماندلسون، مثالًا لذلك النمط الناشئ لاستغلال النفوذ وتضارب المصالح، إلا أن الكشف عن القضية أدى إلى خسارة ماندلسون لمنصبه كسفير للمملكة المتحدة لدى واشنطن في عام 2025، وأبضًا في حزب العمال البريطاني، خصوصًا في ظل وجود وشبهات تمس سلوكه وفي أنه أطلع إبستين على معلومات حساسة تمس خطط مالية واقتصادية بريطانية وأوروبية عندما كان الأول وزيراً للتجارة في بريطانيا المتحدة عام 2009.
الابتزاز والفساد الأخلاقي والسيطرة
يُعد استغلال الجنس والتركيز على الميول الجنسية للسياسيين والمسؤولين أحد الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها أجهزة المخابرات لابتزاز السياسيين والتأثير في مواقفهم وقراراتهم، خصوصًا في حالة السلوك الجنسي المشين وفق القوانين والأعراف في هذا المجتمع أو ذاك. وهذه أيضًا نقطة تتعلق باختلاف القيم والمعايير عبر الثقافات، فما قد تعتبره المجتمعات الغربية جريمة جنسية قد يكون مقبولًا في مجتمعات أخرى أو لدى قطاعات نافذة في المجتمعات الغربية، على النحو الذي تكشفه معظم الوقائع المرتبطة بقضية إبستين والتي تشير إلى ولع الدائرة القريبة من أصدقائه، ومن بينهم الرئيس الأمريكي ترامب بالقاصرات، إضافة إلى التهمة الأساسية التي قادت إبستين إلى السجن، وهي تهمة إدارة شبكة للاتجار بالقاصرات. إن جانبًا كبيرا من الانشغال في المجتمع الأمريكي والنخبة الأمريكية المثقفة يهتم بشكل أساسي بالأثر النفسي والإيذاء البدني الذي تعرض له ضحايا هذه الممارسات وعائلاتهم، فتركيز وسائل الإعلام الغربية وكثير من الحركات التي نشأت للدفاع عن الضحايا وضمان حقوقهم لم تتعامل مع هذه القضية بغرض التشهير وإنما من أجل ردع شخصيات مماثلة قد تستغل سلطتها ونفوذها لإجبار من يخضعون لنفوذهم أو للتغرير بهم.
هنا تبرز ميزة أخرى لحرية الإعلام، أكدتها كثير من الوقائع في التاريخ الأمريكي والتي أدت إلى إصلاحات تشريعية وسياسية لإخضاع أجهزة الأمن القومي الأمريكي إلى رقابة مؤسسية وتشريعية وشعبية، عبر الصحافة والإعلام، والتي تحد من إساءة استغلال النفوذ والصلاحيات التي تمليها اعتبارات الأمن القومي والطابع السري لعمل هذه الأجهزة. ويلاحظ أن كثيرًا من الأفلام التي انتجتها السينما الأمريكية والتي ركزت على خطورة الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها هذه الأجهزة على أمن المواطنين وعلى الأمن القومي ذاته، تنبه المجتمع إلى احتمال ظهور شخص يسيء استخدام هذه الصلاحيات واستخدام سلطته ونفوذه لتحقيق مصالح شخصية وخاصة. إن وجود شخصيات مثل إبستين، هو أحد النتائج المترتبة على القيود القانونية المتزايدة على عمل أجهزة المخابرات في المجتمعات الغربية، إذ تلجأ هذه الأجهزة إلى شبكات غير رسمية تتداخل فيها مع شبكات إجرامية وفاسدة لتنفيذ عمليات لا تستطيع تنفيذها بشكل رسمي، وغالبا ما تستفيد هذه الأجهزة من الدول التي تعاني من ضعف في سيادة القانون وتعتمد أساليب الحكم فيها على ترتيبات وشبكات عائلية وغير مؤسسية، وهو نمط في الحكم يزحف في عدد من النظم الديمقراطية والمؤسسية الراسخة على النحو الذي تظهره عدد من الإدارات الأمريكية في العقود القليلة الماضية ويعد ترامب نموذجًا فجًا لمثل هذا التحول الذي قد يفتح الباب لممارسات فاسدة تحول الحكم في أكبر دولة في العالم إلى نمط شبيه بأنماط الحكم في كثير من بلدان العالم الثالث الفاشلة.
ولا غرابة في عداء مثل هذه التيارات السياسية الشعبوية والفاشية في الولايات المتحدة وفي عدد من بلدان أوروبا الغربية للمنظمات الدولية العالمية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والتي تؤسس لمعايير في الحكم والإدارة وممارسة السلطة تستند إلى مبادئ القانون وإلى المعايير الأخلاقية. وربما تكون قضية إبستين والمعركة التي فجرتها في الولايات المتحدة وفي المجتمعات الغربية الأخرى، جرس إنذار لخطورة مثل هذه التيارات على أمن الأفراد ومستقبلهم، ومن الممكن أيضًا أن تكون حافزا يدفع الكثير من الحكومات والأنظمة السياسية إلى الانتباه إلى أهمية وضرورة الالتزام بحكم القانون وقيم مثل الحرية والشفافية والعدالة.
-----------------------------
بقلم: أشرف راضي






