13 - 02 - 2026

شفرة الأمل بين هيمنجواي وكويلو

شفرة الأمل بين هيمنجواي وكويلو

ليست مصادفة أن يحمل بطلا روايتي العجوز والبحر للأمريكي إرنست هيمنجواي والخيميائي للبرازيلي باولو كويلو الاسم نفسه: سنتياجو. كأن الاسم جسرٌ خفيّ بين بحرٍ لا يرحم وصحراء لا تُعطي أسرارها إلا للمغامر الجريء.

في النص الأمريكي، يتجاوز العمل حدود حكاية صيد سمكة مارلين عملاقة على يد رجل عجوزٍ يحمل تاريخًا طويلاً من التجارب الإنسانية. نقرأ سيرة إنسان آماله أكبر من واقعه، وأحلامه أوسع من إمكاناته.

سنتياجو العجوز يخرج إلى البحر بعد أربعٍ وثمانين ليلة من الخيبات والعودة من رحلات الصيد خالي الوفاض، ومع هذا يعاود الذهاب إلى البحر. كان متمسكًا بالأمل، وبأن ماضيه حافل بإنجازات الصيد المميزة وانتصاراته في لعبة مصارعة الذراعين، حتى صار لقبه سنتياجو البطل، لكثرة ما قهر من منافسين.

ها هو بجسد منهك ويدٍ جريحة، وقارب أبسط من أن يحتمل معجزة، يخرج في الصباح الباكر حاملاً أدوات صيد بسيطة. لا لأن البحر وعده بشيء، بل لأن داخله يرفض التصالح مع الهزيمة. إنه لا يطارد السمكة فحسب، بل يطارد معنى ذاته، ويضعها أمام اختبار البقاء، كعادته معها. حين علقت المارلين العملاقة بخيطه، أدرك منذ اللحظة الأولى أن المعركة غير متكافئة، ومع هذا لم يفكر بالانسحاب. استرجع تفاصيل صيد سمكتين عملاقتين تزن كل منهما مئات الكيلوجرامات، كان ذلك في شبابه، ولم يكن وحده. هز رأسه في استسلام من يواجه العاصفة وحده. كان على يقين أن الإنسان قد يُهزم، لكنه لا يُكسَر.

وفي الطرف الآخر من العالم، يسير سنتياجو الخيميائي خلف حلم رآه في منامه. شاب فقير، بلا أدوات، ولا يقين، سوى حدسٍ غامض، وإشارات أكثر غموضًا، تخبره أن هناك كنزًا ينتظره. يهجر القطيع ويغامر بالسفر من موطنه في إحدى قُرى الأندلس إلى سفح الأهرامات البعيد. خسر ماله، وعمل عند بائع كريستال، لكنه تعلّم الإصغاء إلى القلب، فيكتشف أن الطريق إلى الحلم جزء من الحلم ذاته. هنا لا يكون الهدف مجرد الوصول، بل التحوّل الذي يصيب الإنسان وهو يسير.

لم يكن النجاح الظاهري هو ما جمع كلاً من سنتياجو العجوز عندما عاد بهيكل سمكة التهمتها القروش، وسنتياجو الشاب العائد ملهوفًا إلى بلده ليكتشف كنزه. كان ما جمعهما ذلك الإيمان العميق بأن القيمة ليست في النتيجة، بل في محاولات السعي النبيلة التي تُجَرِد الإنسان من خوفه وتعيد تشكيله.

الأمل، في الروايتين، ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل فعل مقاومة. مقاومة للزمن، وللسخرية، وللشيخوخة وضعف الجسد، ولصوت العقل حين يتحول إلى مبرر للتراجع. الأهداف هنا لا تُقاس بالإمكانات المتاحة، بل بالقدرة على الاحتمال. سنتياجو العجوز يعرف أن جسده لن يصمد طويلًا، لكنه يصرّ على خوض المعركة كاملة. وسنتياجو الخيميائي يدرك هشاشته، فيدرب روحه لتحتمل الطريق.

لقد علمنا كلاهما درسًا أخلاقيًا عميقًا مفاده؛ أن تكون أهدافك أكبر من إمكاناتك فهذا ليس ضربًا من الجنون، بل شرطٌ للمعنى. لو كانت الأحلام بحجم ما نملك، لما غادر الميناء مسافر، ولا عبر الصحراء مغامر. الإنسان لا يكتشف طاقته الحقيقية إلا حين يضع نفسه في مواجهة ما يبدو مستحيلًا، حينها يكتشف معجزة الخالق سبحانه وتعالى فيما وهبه من إمكانات.

في النهاية، لا يخبرنا هيمنجواي ولا كويلو كيف ننتصر، بل كيف نعيش بكرامة. كيف نتمسك بخيط الأمل حتى وإن تآكلت أيدينا. كيف نمضي في الطريق، حتى لو عاد البحر فارغًا، وحتى لو كان الكنز رمزيًا. فربما يكون أعظم ما نصطاده، أو نعثر عليه، هي أنفسنا.. لا أكثر.
---------------------------------------

بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

شفرة الأمل بين هيمنجواي وكويلو