13 - 02 - 2026

مراحل صناعة الدولة الصهيونية | من البحث عن "ملجأ" إلى الإستيطان في فلسطين

مراحل صناعة الدولة الصهيونية | من البحث عن

لم يكن قيام الدولة الصهيونية فوق الأراضي الفلسطينية عام 1948 وليد صدفة جغرافية أو مسار سياسي واحد، بل كان نتاج تخطيط طويل وتجارب لصناعة مركز صهيوني يصبح "وعاء" جغرافيا لاحتواء المشروع الصهيونية من خلال غطاء القومية اليهودية.

قبل أن تستقر البوصلة نهائياً على القدس وحيفا ويافا، طافت الحركة الصهيونية ومعارضوها في أروقة السياسة الدولية، حاملة خرائط لمناطق في أربع قارات، من أدغال أفريقيا إلى سهول سيبيريا، بحثاً عن موطئ قدم.

1. بذور الفكرة وبحث "هرتزل" عن الملاذ (1896 - 1903)

بدأت الرحلة فعلياً مع صدور كتاب ثيودور هرتزل "الدولة اليهودية" عام 1896.

في تلك المرحلة، كانت الصهيونية حركة "عملية" تبحث عن حل للمسألة اليهودية في أوروبا بأي ثمن. شهدت نهايات القرن التاسع عشر مقترحات استيطانية في الأرجنتين وباراغواي، حيث قامت جمعيات يهودية بشراء أراضٍ زراعية فعلياً، لكنها ظلت مستوطنات ريفية معزولة افتقرت إلى "الروح القومية" والسيادة السياسية.

2. "مشروع أوغندا": المنعطف الأخطر (1903 - 1905)

في عام 1903، وفي ظل تصاعد العنف ضد اليهود في روسيا القيصرية، قدمت بريطانيا عرضاً رسمياً لهرتزل لإقامة مستعمرة يهودية في شرق أفريقيا (أوغندا البريطانية، والتي تقع في كينيا الحالية).

أثار هذا العرض انقساماً حاداً داخل المؤتمر الصهيوني السادس؛ فبينما رآه هرتزل "ملجأً مؤقتاً"، اعتبره "صهاينة صهيون" خيانة للهدف التاريخي.

وبوفاة هرتزل عام 1904، طُوي الملف رسمياً في مؤتمر عام 1905، ليعلن الصهاينة أن "لا بديل عن فلسطين".

3. مشاريع "الوطن البديل" خارج الأجندة الصهيونية (1920 - 1934)

لم تكن الحركة الصهيونية هي اللاعب الوحيد؛ فقد حاولت قوى دولية تقديم حلول بعيدة عن صراع الشرق الأوسط:

* مشروع بيروبيجان السوفييتي (1928): أسس ستالين "المنطقة اليهودية ذات الحكم الذاتي" في أقصى شرق روسيا على الحدود الصينية. كان الهدف خلق بديل علماني وشيوعي للصهيونية. ورغم صمود المنطقة إدارياً حتى اليوم، إلا أنها فشلت في جذب الكتلة البشرية اليهودية.

* مقترحات أمريكا الشمالية: برزت أفكار فردية لتوطين اليهود في مناطق داخل ولاية نيويورك أو كندا، لكنها قوبلت برفض قاطع من الحكومات الغربية التي لم تكن مستعدة لمنح حكم ذاتي لأي عرقية داخل حدودها السيادية.

4. التوجه نحو الشرق: سيناء واليمن (أوائل القرن العشرين)

قبل تثبيت الأقدام في فلسطين، جرت محاولات لاستكشاف "الجوار الجغرافي". نُوقشت مشاريع لتوطين اليهود في شبه جزيرة سيناء (مشروع العريش) لاستغلال القرب من فلسطين وتحت الإدارة البريطانية، لكن عوائق نقص المياه والمعارضة الفنية أجهضت المخطط.

وفي الوقت ذاته، كانت هناك محاولات لجذب يهود اليمن نحو تجمعات زراعية منظمة، كتمهيد لعمليات تهجير كبرى لاحقة.

5. الحسم التاريخي: من "وعد بلفور" إلى الإعلان (1917 - 1948)

تغيرت موازين القوى مع الحرب العالمية الأولى. منح وعد بلفور (1917) الحركة الصهيونية الشرعية الدولية التي كانت تنقصها في مشاريعها السابقة. تحولت فلسطين من "خيار ضمن خيارات" إلى "هدف أوحد" تدعمه القوة الاستعمارية الكبرى (بريطانيا).

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية ووقوع المحرقة (الهولوكوست)، استغلت الحركة الصهيونية حالة التعاطف الدولي والضغط السياسي لتصفية كافة المشاريع "البديلة" (مثل مشاريع التوطين في أستراليا أو مدغشقر التي طرحتها ألمانيا النازية سابقاً) لصالح فرض واقع الدولة في فلسطين.

الخلاصة: لماذا نجح مشروع فلسطين وفشلت الأوضاع الأخرى؟

إن قراءة هذه المحطات توضح أن فشل مشاريع "أوغندا" أو "الأرجنتين" أو "بيروبيجان" لم يكن تقنياً فحسب، بل لأن تلك المناطق افتقرت إلى "الأسطورة الدينية والتاريخية" التي استخدمتها الصهيونية كوقود لحشد المهاجرين، ولأن بريطانيا وجدت في فلسطين موقعاً استراتيجياً يخدم مصالحها الإمبراطورية عبر زرع كيان حليف في قلب العالم العربي.

لقد كان الطريق إلى تل أبيب يمر عبر "أنتيب" الأفريقية وسهول "باتاغونيا" الأرجنتينية، لكن السياسة الدولية والمصالح الاستعمارية هي التي رسمت الحدود اللانهائية حيث نراها اليوم.
----------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

مراحل صناعة الدولة الصهيونية | من البحث عن