ما هذا الإنبهار، وما تلك الدهشة، التي نشعر بها، والارتياح الذي يبدو على قسمات الوجه رغم رحيله مبكرا منذ 60 عاما، ونحن نشاهد فوزي، ونستمتع بزمنه وزمانه وهو الذي لا يفارقنا في الذاكرة والخيال، كلما صادفنا عملا من أعماله التي لم يمحها الزمن، نحاول أن نرسم بالكلمات بعض ملامح "البورتريه" لنقرب صورة "أسطورة الغناء" لقارئ لا يزال يتغني به ومعه، رغم النهايات الحزينة ، نحاول أن نوثق ثراء المشوار، وآلام ووجع المرض والرحيل..
الفنان محمد فوزي، 15 أغسطس 1918 ـ 20 من اكتوبر 1966
ولد محمد فوزي في احدى قرى محافظة الغربية، وهو الإبن الذي ولد في بيت مزدحم بالأشقاء؛ حيث كان ترتيبه الحادي والعشرين من أصل خمسة وعشرين ولدا وبنتاً، منهم المطربة والممثلة هدى سلطان التي حملت عند مولدها إسم "بهيجة الحو" قبل أن تغير إسمها وتختار إسم فني هدى سلطان؛ فيما حمل محمد فوزي إسمه الحقيقي بعد أن إختصر منه اللقب "عبد العال الحو"، كان فوزي تلميذا نجيبا في مدرسته الإبتدائية، فحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة طنطا العام 1931م، أحب الموسيقى والغناء منذ الصغر، تحديدا حدث هذا العشق عندما كان تلميذاً في مدرسة طنطا الابتدائية التي كانت مهتمة بالأنشطة الفنية، وكان قد تعلم أصول الموسيقى في ذلك الوقت على يدي أحد رجال الخدمة المدنية واسمه (محمد الخربتلي) كان من أصدقاء والده وكان يصحبه لحفظ الأغاني والأناشيد في الموالد والمناسبات الإجتماعية، إلا أنه عندما أتيحت له فرصة الإستماع إلى "الفونوغراف" والراديو ـ تأثر كثيرا بأغاني قطبي الغناء في تلك الفترة: محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وأصبح يجد متعة في ترديد أغانيهما على مسمع من جمهور كان يحتشد في حديقة المنتزه بميدان طنطا، وفي احتفالات المدينة بالمناسبات الدينية كان أهل بلدته يستدعونه للغناء وإلقاء المواويل، بعدها بدأت مرحلة جديدة في حياته، عندما إلتحق بدراسة الشهادة الإعدادية بمعهد فؤاد الأول للموسيقي في القاهرة، وبدأ صوته يتشكل مع مرحلة البلوغ، لتتفاجأ أسرته ومحبوه بعد عامين بتخليه عن الدراسة ليعمل في مسرح محلي تمتلكه الشقيقتان (رتيبة وإنصاف رشدي) قبل أن يتعرف على مالكة أكبر مسرح بالقاهرة بديعة مصابني، التي ألحت في طلبه بالعمل في صالتها بأي أجر يريده، وهو ما استجاب له؛ ليغزو العاصمة بخجله وفقره، وعند بديعة تعرف على فريد الأطرش، محمد عبد المطلب، والملحن محمود الشريف، وارتبط بصداقة متينة معهم، ونافسهم في سن مبكرة في تلحين الاسكتشات والاستعراضات للمونولوجست، أو غنائها قبل أن ينطلق في أعماله السينمائية
مطرب الإذاعة
لفت فوزي الأنظار بشدة، وعرف إسمه وخامة صوته الفريدة كبار المطربين، فتشجع وتقدم وهو ابن العشرين من عمره، إلى امتحان الإذاعة كمطرب ليكون زميلا لمطربه المحبوب فريد الأطرش الذي سبقه إلى الإذاعة بعامين فقط، إلا أنه تلقى الصدمة الأولى؛ حيث رسب مطرباً ونجح ملحنا مثل الموسيقار محمود الشريف الذي سبقه إلى التجربة نفسها، هنا قرر الاستقرار في القاهرة عام 1938م، وعانى من صعوبات قلة المال، قبل العمل في فرقة بديعة مصابني ثم فرقة فاطمة رشدي ثم الفرقة القومية للمسرح

3 زيجات وخطوبة شادية
تزوج فوزي أكثر من مرة، وكانت زيجته الأولى من السيدة "هداية"، وقد تشرفت بمقابلتها في شقة الزوجية بعمارة الإيموبيليا بوسط العاصمة ولمست فيها إحتراما كبيرا لفوزي رغم زواحه من أخرى، تزوجته في سن مبكرة من حياتها حتى أنها كانت لا تتعدى الخامسة عشر من عمرها، وكان الزواج عام 1943، وأنجب منها ثلاثة أبناء، من الطريف أنه استمد من أسماء أبنائه أسماء لشخصياته السينمائية في أفلامه وأصر على ذلك وقبل المخرجون وجهات الإنتاج كما قال لي إبنه الراحل مهندس الإلكترونيات نبيل، ثم وقع الإنفصال بين الزوجين، وهجر فوزي عش الزوجية مع لمعان إسمه كمطرب ونجم سينمائي بعد 9 سنوات من زواجه الأول، كان ذلك عام 1952 ، في نفس العام كانت قد توطدت علاقته بالفنانة مديحة يسري عام 1955 وتزوجها، وأنجب منها "عمرو" بطل مصر في رياضة الكاراتيه ومات عمرو في حادث سيارة ، كما توفي لهما ابنان آخران في صغرهما، وانفصل عن مديحة يسري عام 1959، التي قالت لي أن فوزي لم يتخلص من طابعه الريفي فكان غيورا، وسرعان ما تزوج من الفنانة كريمة الحائزة على لقب "فاتنة المعادي" التي كانت زوجته الثالثة واختار لهما شقة في عمارة بلمونت الشهيرة بحي جاردن سيتي الراقي، تم الزواج في العام التالي لانفصاله عن مديحة يسري عام 1960، وأنجب منها ابنته الصغرى "إيمان" عام 1961، وهي الزيجة التي استمرت حتى رحيله، وقيل أن فوزي كان على وشك أن يتزوج الفنانة شادية، وعرض على والدها أن يعقد قرانه عليها، في الوقت الذي كانت شادية مراهقة تخطو أولى خطواتها في عالم الفن، وعمرها لا يتجاوز 17 عاما، عندما اكتشفها وقدمها فوزي في فيلم "العقل في إجازة"، وكان والدها في ذلك الوقت يصحبها أثناء ذهابها للبلاتوهات، وكان هناك مشهد في الفيلم لفوزي معها، عاطفي، فاعترض والدها، حتى فوجئ بعرض من فوزي ليتزوجها، لكنه رفض لفارق السن بينهما، بقى أن نذكر أن محمد فوزي قام بالتلحين للعديد من مطربي عصره، أمثال: محمد عبدالمطلب، ليلى مراد، وشقيقته هدى سلطان، ورحل عن عالمنا بعد معاناة مع مرض غامض في 20 أكتوبر عام 1966 منذ 60 عاما، تاركا لنا 36 فيلما متنوعا ومئات من الأغنيات.
------------------------------
كتب: طاهــر البهــي






