12 - 02 - 2026

الاقتصاد غير الرسمي في مصر: بين تحديات القياس وأثره على المؤشرات الكلية

الاقتصاد غير الرسمي في مصر: بين تحديات القياس وأثره على المؤشرات الكلية

يُعد الاقتصاد غير الرسمي أحد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية البارزة في العديد من الدول النامية، ومن بينها جمهورية مصر العربية، حيث يشكل قطاعًا واسع الانتشار ومتداخلًا بعمق في بنية الاقتصاد الوطني. ويتمثل هذا النوع من النشاط في الأعمال التي تُمارس خارج الأطر القانونية والتنظيمية الرسمية، فلا تُسجل لدى الجهات الضريبية أو الإحصائية، ولا تخضع بصورة كاملة لمنظومة القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي. ورغم ما يثيره هذا القطاع من تحديات على مستوى السياسات المالية والتخطيطية، فإنه في الوقت ذاته يؤدي دورًا ملموسًا في توفير فرص العمل ودعم سبل المعيشة لقطاعات واسعة من المجتمع.

مفهوم الاقتصاد غير الرسمي وأسبابه

يُقصد بالاقتصاد غير الرسمي مجموع الأنشطة الاقتصادية التي تُمارس خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، بحيث لا تُسجل رسميًا ولا تخضع للضرائب أو لأنظمة العمل والضمان الاجتماعي، رغم أن كثيرًا منها يكون مشروعًا في طبيعته مثل التجارة الصغيرة أو الخدمات الفردية. وغالبًا ما يُستخدم هذا المصطلح بالتبادل مع مفاهيم مثل الاقتصاد الموازي أو اقتصاد الظل، إلا أن هناك فروقًا دقيقة بينها؛ فالاقتصاد غير الرسمي (الموازي) يركز أساسًا على الأنشطة المشروعة غير المسجّلة والتي تعمل خارج المنظومة الرسمية لتفادي الضرائب أو القيود التنظيمية، أما اقتصاد الظل فيُعد مفهومًا أوسع يشمل مختلف الأنشطة غير الخاضعة للرقابة أو القياس الرسمي، سواء كانت مشروعة غير مصرّح بها أو مرتبطة بأشكال من التهرّب.

ويرجع انتشار الاقتصاد غير الرسمي إلى جملة من العوامل البنيوية والمؤسسية، من أبرزها تعقيد الإجراءات البيروقراطية اللازمة لتأسيس وتشغيل المشروعات الرسمية، وارتفاع تكاليف الامتثال التنظيمي، وصعوبة حصول المشروعات الصغيرة على التمويل المصرفي، إلى جانب الأعباء الضريبية والتشغيلية التي قد تدفع بعض رواد الأعمال إلى العمل خارج المنظومة الرسمية. كما يسهم ضعف قدرة سوق العمل الرسمي على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل في دفع أعداد كبيرة من الأفراد إلى الانخراط في أنشطة غير رسمية كمصدر أساسي للدخل.

حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر

يمثل تقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي تحديًا منهجيًا، نظرًا لطبيعته غير المسجلة، إلا أن التقديرات المتاحة تشير إلى أنه يشكّل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي. فبعض الدراسات تُقدّر مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بما يتراوح بين نحو 29.3% و50%، وفقًا لاختلاف منهجيات القياس. كما تشير بيانات حديثة إلى أن القطاع غير الرسمي يستحوذ على نسبة كبيرة من القيمة المضافة داخل القطاع الخاص، إلى جانب وجود ما يقرب من مليوني منشأة غير رسمية تمثل أكثر من نصف إجمالي المنشآت الخاصة، وتوظف ملايين العاملين.

وتعكس هذه المؤشرات مدى تشابك الاقتصاد غير الرسمي مع الاقتصاد الرسمي، بما يجعله جزءًا لا يمكن تجاهله في تحليل الأداء الاقتصادي الكلي.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية

يترتب على اتساع الاقتصاد غير الرسمي عدد من الآثار السلبية، في مقدمتها انخفاض دقة البيانات الإحصائية المتعلقة بالناتج المحلي الإجمالي، مما يحدّ من قدرة صانعي السياسات على تقييم النمو الحقيقي والقدرة الإنتاجية بدقة. كما يُعيق غياب البيانات الدقيقة عملية التخطيط الاقتصادي ووضع السياسات التنموية الفعالة.

ومن أبرز الآثار كذلك فقدان جزء معتبر من الإيرادات الضريبية نتيجة عدم تسجيل هذه الأنشطة بشكل كامل، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف القاعدة الضريبية، وتركيز العبء على عدد محدود من الممولين المسجلين رسميًا. وقد يدفع ذلك الدولة إلى زيادة معدلات الضرائب أو تشديد إجراءات التحصيل لتعويض نقص الحصيلة، وهو ما قد يُغري بعض الأنشطة الرسمية بالانتقال إلى القطاع غير الرسمي، لتنشأ حلقة مفرغة من ضعف الامتثال واتساع الاقتصاد الموازي.

أما على المستوى الاجتماعي، فيعاني العاملون في هذا القطاع من ضعف الحماية الاجتماعية وغياب التأمينات الصحية والتقاعدية، مما يجعلهم أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية.

أثره على المؤشرات الاقتصادية الكلية

يتجلى تأثير الاقتصاد غير الرسمي بوضوح في عدد من المؤشرات الكلية، وعلى رأسها الناتج المحلي الإجمالي، والإيرادات الضريبية، ونسبة الدين العام إلى الناتج.

فعدم إدراج جزء كبير من الأنشطة غير الرسمية ضمن الحسابات القومية يؤدي إلى تقدير أقل من الحجم الحقيقي للنشاط الاقتصادي، ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي الرسمي قد لا يعكس بدقة الطاقة الإنتاجية الفعلية للاقتصاد. كما أن ضعف القاعدة الضريبية الناتج عن توسع الأنشطة غير المسجلة يقلّص قدرة الدولة على تعبئة الموارد المحلية، ويزيد من اعتمادها على الاقتراض لتمويل العجز.

وفيما يتعلق بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فإن انخفاض الناتج الرسمي بسبب عدم احتساب النشاط غير الرسمي يؤدي حسابيًا إلى ارتفاع هذه النسبة. كذلك فإن تراجع الإيرادات الضريبية يوسع فجوة العجز المالي، مما يدفع إلى مزيد من الاقتراض، وبالتالي ارتفاع مستويات الدين العام مقارنة بالناتج الرسمي.

بين التحدي والفرصة: قراءة متوازنة

رغم هذه التحديات، لا يمكن إغفال الأثر الإيجابي للاقتصاد غير الرسمي، خاصة في مجال توفير فرص العمل. إذ يوفّر هذا القطاع وظائف لشرائح واسعة من السكان، لا سيما الفئات غير الماهرة أو الباحثة عن دخل سريع، ويسهم في امتصاص جزء من البطالة التي يعجز القطاع الرسمي عن استيعابها. كما يتميز بقدر عالٍ من المرونة الاقتصادية، حيث يتيح للأفراد ممارسة أنشطة تجارية برؤوس أموال بسيطة، ويعزز من روح ريادة الأعمال المحلية، ويدعم المبادرات الفردية في مختلف المحافظات.

ومن ثمّ، فإن التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي لا ينبغي أن يقتصر على أدوات الرقابة والجباية، بل يتطلب رؤية إصلاحية شاملة. ويُشترط في هذا الإطار أن يتخلى المشرّع الضريبي عن فكر الجباية البحتة، ويستبدله بفكر ضريبي تنموي يستهدف تحفيز النمو الاقتصادي في قطاعات محددة ومناطق جغرافية بعينها، بما يسهم في تحسين التوزيع السكاني وتعظيم الاستفادة من المزايا النسبية التي تتمتع بها المحافظات المصرية المختلفة.

ختامًا، يظل الاقتصاد غير الرسمي واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا معقدًا، يجمع بين التحدي والفرصة. فهو من ناحية يفرض ضغوطًا على المالية العامة ويُربك دقة المؤشرات الكلية، ومن ناحية أخرى يمثل شبكة أمان اجتماعي غير معلنة، ورافدًا مهمًا للتشغيل وريادة الأعمال. ومن ثمّ، فإن دمج هذا القطاع تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي، عبر سياسات تحفيزية وتنموية عادلة، يُعد خطوة أساسية نحو تحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة للاقتصاد المصري وفي خضمّ الجدل الدائر حول الاقتصاد غير الرسمي في مصر، يبرز دور الدولة ليس فقط كجهة رقابية أو جابية للضرائب، بل كمنظِّم رئيسي يسعى إلى إعادة دمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية عبر أدوات تشريعية وتنموية متوازنة. فالاقتصاد غير الرسمي، رغم ما يطرحه من تحديات على صعيد القياس والإيرادات العامة، يظل مكوّنًا أصيلًا من البنية الاقتصادية والاجتماعية، ما يفرض على الدولة تبني مقاربة تنظيمية شاملة تراعي أبعاده المتعددة.
-------------------------------
بقلم: د. محمد فاروق مهنى

مقالات اخرى للكاتب

الاقتصاد غير الرسمي في مصر: بين تحديات القياس وأثره على المؤشرات الكلية