لكي تدرك بنغلاديش على حقيقتها، لا بد من النفاذ إلى عمق مجتمعها الريفي، إذ إن الريف هو المرآة الأصدق لروح البلاد. ومن ثم، فإن استيعاب الدور الاجتماعي للإسلام في هذا الفضاء الريفي يظل مدخلا لا غنى عنه لفهم البنية الثقافية والأخلاقية للمجتمع البنغلاديشي. فالإسلام هنا ليس مجرد عقيدة تمارس في نطاق شعائري ضيق، بل هو نسق اجتماعي متكامل، ومنظومة قيم أخلاقية، وسلسلة ثقافية متوارثة تتناقلها الأجيال. ومع بقاء ما يقارب ثلثي السكان على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالحياة الريفية، يغدو الإسلام في صورته الريفية التعبير الأوضح عن الواقع الديني في بنغلاديش. غير أن هذا الوجه الإنساني، الاجتماعي، والتاريخي للإسلام الريفي كثيرا ما يغيب عن أنظار الخطاب الدولي، الذي يختزل البلاد في مقاربات سياسية أو أمنية محدودة الأفق.
الخلفية التاريخية: تجذر الإسلام في القرى:
لم يتجذر الإسلام في الريف البنغلاديشي عبر سطوة الدولة أو وقع السيوف، بل تشكل حضوره عبر مسار اجتماعي وروحي هادئ وطويل الأمد. فمنذ العصور الوسطى، حمل المتصوفة والزهاد والعلماء رسالة الإسلام إلى القرى الممتدة على ضفاف الأنهار، متوسلين باللغة المحلية، ومستأنسين بثقافة الناس وعاداتهم. وقد قدموا الإسلام لا باعتباره شعارا للسلطة أو أداة للهيمنة، بل بوصفه دربا للعدل، ومجالا للإنسانية، وسبيلا لتزكية النفس وتهذيب السلوك. وبهذه الروح، تشكل الإسلام في الوجدان الريفي ملاذا أخلاقيا وركيزة للهوية الاجتماعية.
وانطلاقا من هذه الحقيقة التاريخية، اندمج الإسلام في الريف البنغلاديشي اندماجا عضويا في تفاصيل الحياة اليومية حتى غدا جزءا من النسيج الاجتماعي ذاته. فلم تعد التعاليم الدينية مجرد أحكام شكلية أو طقوس معزولة عن الواقع، بل تحولت إلى عادات راسخة وأنماط سلوك موجهة للحياة العامة. ومن منظور عالمي، تمثل هذه الظاهرة إحدى السمات المميزة للإسلام في جنوب آسيا، حيث لا يقوم الدين على هامش المجتمع، بل يتغلغل في أعماقه، ويتفاعل مع ثقافته، ويعيد تشكيلها عبر الزمن.
المسجد الريفي: من محراب العبادة إلى قلب المجتمع:
يمثل المسجد في الريف البنغلاديشي مؤسسة ذات أبعاد متعددة، تتجاوز حدود العبادة إلى آفاق اجتماعية أوسع. فهو، وإن كان موضعا لإقامة الصلاة، لا يقتصر دوره على الوظيفة التعبدية، بل يتحول إلى قلب نابض للحياة الاجتماعية. في أروقته تتلاقى المعرفة الدينية مع التوجيه الأخلاقي، وتدار النقاشات التي تمس شؤون الأسرة والمجتمع، وتبحث سبل الصلح وتسوية النزاعات، كما تنطلق منه مبادرات البر والإحسان التي تعزز روح التكافل بين الناس. وفي كثير من القرى، تؤدي خطبة الجمعة وظيفة مزدوجة، إذ تجمع بين الوعظ الديني وبث الوعي الاجتماعي، مستجيبة لهموم الناس وقضاياهم اليومية.
وتبرز القيادة المنبثقة من المسجد بوصفها ركنا أساسيا في بنية المجتمع الريفي، حيث تسد في أحيان كثيرة الفراغ الذي تخلفه محدودية الحضور الإداري للدولة أو ضعف مؤسساتها المحلية. فالإمام والعالم الديني لا يضطلعان بدور الإرشاد الروحي فحسب، بل يقومان بدور الوسيط في الأزمات الاجتماعية، والحارس على منظومة القيم، وأحيانا القائد المجتمعي غير المعلن. ومن الأهمية بمكان أن يدرك القارئ الدولي أن هذه القيادة الدينية تشكل في الريف البنغلاديشي أحد الأعمدة الراسخة للاستقرار الاجتماعي والتماسك الأهلي.
المدارس الدينية والتعليم الشرعي: في صناعة الهوية:
تشكل المدارس الدينية والمكاتب القرآنية إحدى الركائز الأساسية للحضور الاجتماعي للإسلام في الريف البنغلاديشي. فهذه الفضاءات التعليمية لا تقتصر على تلقين النص القرآني أو المعارف الدينية الأولية، بل تنهض بدور أعمق يتمثل في تشكيل الوجدان الأخلاقي للأطفال وبناء شخصياتهم على أسس من القيم والسلوك القويم. وتنظر شرائح واسعة من الأسر الريفية إلى التعليم الديني بوصفه حاضنة موثوقة لغرس معاني الحياء، والانضباط، والشعور بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع في سياق تتداخل فيه التربية مع المعرفة.
وفي موازاة ذلك، أسهم التعايش بين التعليم الديني والمنظومة التعليمية الحديثة في بلورة حالة من التوازن داخل المجتمع الريفي. فكثيرا ما تقوم المدارس النظامية إلى جانب المدارس الدينية في القرى، في مشهد يعكس واقعا ملموسا للتكامل بين الدين ومتطلبات العصر. وعلى خلاف الصور النمطية السائدة في بعض النقاشات الدولية، لا تؤدي المدارس الدينية في الريف البنغلاديشي دورا أحاديا أو منغلقا، بل تضطلع أساسا بمهمة صون الهوية الاجتماعية وترسيخ البنية الأخلاقية التي يقوم عليها تماسك المجتمع.
التصوف والإسلام الشعبي: روح التسامح والائتلاف:
يعد التصوف والإسلام الشعبي السمة الأبرز التي تطبع التجربة الإسلامية في الريف البنغلاديشي. فالعلاقة الروحية بين الشيخ والمريد، ومجالس الذكر، ومناسبات المولد، ومواسم الاحتفالات الصوفية، وحلقات الدعاء الجماعي، تشكل جميعها نسيجا حيا من الممارسات الدينية التي تتداخل مع الحياة اليومية للناس. وهذه الطقوس لا تقتصر على بعدها التعبدي، بل تفتح فضاءات اجتماعية رحبة يلتقي فيها أبناء القرية، متجاوزين الفوارق العرقية والطبقية والمهنية.
ويتسم هذا النمط الصوفي من التدين بطابع وجداني وإنساني متسامح، أسهم عبر الزمن في ترسيخ ثقافة التعايش وتعزيز الوحدة الاجتماعية داخل المجتمع الريفي. وفي عالم كثيرا ما تختزل فيه صورة الإسلام في مظاهر التشدد أو الصراع، يقدم الإسلام الريفي في بنغلاديش وجها آخر، حيث يغدو الدين جسرا للتآلف الاجتماعي، ورافعة لتعميق الروابط الإنسانية، ومصدرا للقيم التي تحفظ السلم الأهلي وتدعم التماسك المجتمعي.
بنية الأسرة ونسيج العلاقات الاجتماعية:
يؤدي الإسلام دورا محوريا في صياغة بنية الأسرة ونسيج العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الريفي البنغلاديشي، حيث تتغلغل القيم الدينية في تفاصيل الحياة الأسرية وتوجه شؤون الزواج والطلاق والميراث وتوزيع المسؤوليات بين أفراد الأسرة. ولا تختزل الأسرة هنا في كونها إطارا خاصا للعلاقات الشخصية، بل تتجلى بوصفها الحاضن الأول للأخلاق الاجتماعية، والوعاء الذي تنتقل عبره القيم والمعايير المنظمة لعلاقة الفرد بمجتمعه.
وفي هذا السياق، أسهمت ممارسات الزكاة والصدقات وأشكال العطاء الديني في بلورة منظومة تضامن اجتماعي غير رسمية، تنهض بدور أساسي في حماية الفئات الهشة. فالتعاطف الديني مع الفقراء والأرامل والأيتام لا يبقى حبيس الشعور الوجداني، بل يتحول إلى فعل عملي ومساندة مباشرة. وعلى الرغم من محدودية شبكات الرعاية التي توفرها الدولة، يظل هذا التكافل القائم على المرجعية الدينية أحد الأعمدة التي يستند إليها تماسك المجتمع الريفي وقدرته على الاستمرار.
الإسلام والاقتصاد الريفي:
يمتد أثر الإسلام ليطال البنية الاقتصادية للريف البنغلاديشي، حيث تنعكس القيم الدينية في أنماط المعاملات وأساليب الكسب. فالحساسية تجاه الربا، والحرص على عدالة التبادل، وبناء العلاقات المالية على الثقة المتبادلة، تشكل ملامح واضحة للاقتصاد الريفي. وفي كثير من الأحيان، تسهم المرجعية الدينية في تعزيز النزاهة في النشاط التجاري وترسيخ الشعور بالمسؤولية الاجتماعية لدى الأفراد.
كما لعبت تحويلات العمال المهاجرين دورا لافتا في تنشيط ثقافة العطاء الديني داخل القرى. إذ يسهم أبناء الريف المقيمون في الخارج في تمويل المساجد، والمدارس الدينية، والمؤسسات الاجتماعية، بما يعزز مسارات التنمية الدينية والاجتماعية على المستوى المحلي. وبهذا، تتقاطع حركة الهجرة العابرة للحدود مع التجربة الإسلامية الريفية لتنسج رابطا جديدا يصل بين الاقتصاد العالمي والحياة الدينية والاجتماعية في القرى البنغلاديشية.
التحولات والتحديات وملامح الواقع الجديد:
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، دخلت الممارسة الإسلامية في المجتمع الريفي البنغلاديشي طورا جديدا من التحول، فرضته ديناميات العصر وتسارع أدوات التواصل والمعرفة. فقد أفضى انتشار الإعلام الرقمي، وتنامي حضور وسائل التواصل الاجتماعي، واتساع الفضاءات العالمية للنقاش الديني إلى تعدد منابع المعرفة الإسلامية وتنوع طرائق الفهم والتأويل. وأخذت الأجيال الشابة تميل إلى مقاربة الدين بروح أكثر دراسية وعقلانية، ساعية إلى قراءته في سياق كوني أرحب، يتجاوز الأطر المحلية والتقاليد الموروثة دون أن يقطع معها بالضرورة.
وفي مقابل هذا الانفتاح، برزت في بعض البيئات الريفية نزعات نحو التشدد في التفسير، أو انقسامات أيديولوجية، أو توظيف سياسي للدين، تعكس توترات المرحلة وتعقيداتها. غير أن هذه الظواهر، على الرغم من حضورها، لم تفلح في إحداث قطيعة مع الطابع العام للإسلام الريفي. فما يزال الدين، في الغالب الأعم من القرى، يشكل الإطار الجامع للتضامن الاجتماعي، والمرجعية الأخلاقية التي تحفظ توازن المجتمع وتنظم إيقاع حياته اليومية.
الإسلام الريفي والهوية الوطنية:
يحتل الإسلام في صورته الريفية موقعا عميقا في تشكيل الوعي الوطني البنغلاديشي. فمنذ حركة الدفاع عن اللغة، مرورا بمرحلة حرب التحرير، ووصولا إلى مسارات بناء الدولة الحديثة، ظل المجتمع المسلم الريفي فاعلا بوصفه قوة اجتماعية راسخة ومؤثرة. وعلى الرغم من أن الدين لم يكن العنصر الوحيد في بلورة الهوية الوطنية، فإنه ظل مكونا أصيلا من بنيتها الأخلاقية والثقافية، وأسهم في صياغة شعور جمعي بالانتماء والمسؤولية.
ومع ذلك، كثيرا ما ينزلق الخطاب الإعلامي الدولي إلى اختزال بنغلاديش في مقاربات سياسية حضرية، تغفل عمقها الاجتماعي الحقيقي. والحال أن إدراك بنغلاديش على نحو أكثر اكتمالا يقتضي الالتفات إلى هذا البعد الريفي المغيب، حيث يتجلى الإسلام لا بوصفه شعارا سياسيا، بل كخبرة اجتماعية تاريخية، وأحد المفاتيح الأساسية لفهم هوية البلاد ومسارها المجتمعي.
الخاتمة:
لا يتجلى الإسلام في المجتمع الريفي البنغلاديشي بوصفه جملة من الأحكام المجردة أو الطقوس المنعزلة عن سياق الحياة، بل يظهر كحقيقة اجتماعية نابضة، متغلغلة في تفاصيل الوجود اليومي. فهو إسلام تشكل عبر التاريخ، وتفاعل مع الثقافة المحلية، واندمج في بنية الأسرة، وأثر في أنماط الاقتصاد، واستقر في منظومة القيم والأخلاق. ومن خلال هذا التشابك العميق، حافظ على تماسك المجتمع الريفي، وأسهم في ترسيخ قدر معتبر من الاستقرار الاجتماعي في وجه التحولات المتعاقبة.
وعليه، فإن أي قراءة جادة للإسلام في بنغلاديش ضمن الأفق الدولي تظل قاصرة ما لم تستحضر هذه الحقيقة الريفية في عمقها وتعقيدها. ففي القرى، وعلى هوامش الخطابات الكبرى، تتجسد أكثر صور الإسلام إنسانية وتسامحا وقربا من الناس، حيث يغدو الدين قوة جامعة لا أداة إقصاء، ورابطة اجتماعية لا شعارا سياسيا. إن استيعاب هذه التجربة الريفية يتيح فهما أعمق لبنغلاديش ذاتها، باعتبارها نسيجا اجتماعيا حيا، تشكل فيه القيم الدينية أحد أعمدته الراسخة ومصادر حيويته المستمرة.
-----------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغالي






