بعد أن قادنا المسار الفلسفي عبر تضاريس التشخيص الوجودي الحاد، حيث وقفنا على حافة الهاوية نحدق في "صمت السماء" ونتلمس ثقل "عبء الحرية"، ثم عبر ساحات "المغامرة الإنسانية" حيث تسلحنا بأدوات المواجهة وفككنا آليات الجدلية مع العصر، ها نحن نقف اليوم على عتبة التحول الأكثر مصيرية وجرأة في هذه الرحلة الفكرية الشاملة، لقد حان الوقت لتخطي مرحلة تشريح الغياب وتحليل مأزق الوجود في ظل انسحاب المقدس، والانتقال بشكل حاسم وواعٍ نحو مرحلة التأسيس الجذري والإبداعي: مرحلة عمارة الحضور الإنساني نفسه، فلم يعد السؤال المركزي يدور حول كيف نعيش رغم الغياب أو في مواجهة الصمت، بل تحول إلى تحدي أعظم: كيف نؤسس لعالمٍ مكتمل الأركان، حيوي الدلالة، يُختبر من الداخل ليس كفراغٍ وجودي يئن تحت وطأة العبء، بل كمسرحٍ خصب وواسع لإبداع القيم، ونسج المعاني، وتشييد أشكال الحياة الجميلة والأخلاقية والسياسية من العدم الإنساني المحض؟
إن المشروع الذي نطلقه هنا، في هذا المقال التأسيسي، يتجاوز بكثير الدفاع عن الإلحاد أو شرح دوافعه، فهو استكشاف طموح ومغامري لجوهر إمكانية الحياة الكريمة والكاملة في ظله، ونحن إزاء محاولة لرسم ملامح ما بعد المرحلتين السابقتين؛ إنه السعي نحو صياغة أنثروبولوجيا فلسفية جديدة، لا تضع الإنسان في المركز كبديل تعويضي عن الإله الغائب، ولا ككائن مُحَيّر في فراغ، بل كمصدر أصيل ووحيد، واعٍ بذاته وبحدوده، للمعنى الذي لا ينزل من سماء، بل ينبثق من أعماق التجربة الإنسانية المشتركة ويُصنع بإرادة واعية، وهذه الأنثروبولوجيا ترفض اختزال الإنسان إلى مجرد كائن "ناقص" أو "عارٍ"، وتراه في صميمه قدرة إبداعية تأسيسية، قادرة على تشييد عالمها الخاص من خلال ثلاثة أعمدة مترابطة ومتكاملة تشكل هيكل الحضور الجديد: أخلاق إنسانية متعالية تستمد شرعيتها ليس من أمر مفارق، بل من أعماق التعاطف والتضامن والخبرة المشتركة لهشاشتنا في الكون؛ وجماليات مادية صرفة تتعلم فن اكتشاف "القداسة" والروعة والدهشة في صميم المادة المحسوسة وفي تعقيد العلاقات الإنسانية نفسها، مُعيدَةً سَحرَ العالم دون حاجة إلى قوى غيبية؛ وسياسة تعايش حكيمة قادرة على إدارة تنوع الاعتقاد وعدم الاعتقاد في "فضاء ما بعد اليقين"، وبناء مؤسسات تحمي الحرية وتضمن العيش المشترك على أرضية القيم الإنسانية المشتركة، وهذا هو الطموح: تحويل الاعتراف بالصمت من نقطة نهاية إلى نقطة انطلاق لأعظم مشاريع البناء.
ويُمثل المشروع الأنثروبولوجي الجديد، الذي يبلوره الإلحاد الناضج، تحوُّلاً جذرياً في تعريف الإنسان ذاته ونظرته إلى كينونته، فطوال التاريخ الفكري والديني، ظلَّت هوية الإنسان تُرسم من الخارج، وتُستمدّ من علاقته بكيانات متعالية تفوقه: فهو إما "خليفة" مفترض للإله على الأرض، يحمل أمانةً مفروضةً عليه، أو "عبدٌ" مُطالَب بالطاعة والخضوع، أو حتى مجرد "ذريّة" بسيطة لقوى تاريخية أو مادية عمياء تتحكم في مصيره، وفي كل هذه الصور، يظهر الإنسان ككائن ناقص بذاته، مُشتقّ الوجود والمعنى، لا تكتمل هويته إلا بالانزياح خارج ذاته نحو آخر متعالي، ويأتي الإلحاد الوجودي الناضج ليقترح ثورة أنثروبولوجية معاكسة تماماً: استعادة الإنسان لنفسه بوصفه كائناً كاملاً في ذاته، مُكتفياً بوجوده، واعياً بحدوده، وقادراً على أن يكون المصدر الأصلي والوحيد لقيمه ومعانيه، دون أن يُختزل إلى مجرد علاقة (سلبية أو إيجابية) بما فوقه أو بما سواه.
وهذا التحوُّل الأساسي يغيّر ديناميكية الوجود الإنساني برمته، فيحوّل مركز الثقل من الفعل الردّي على الغياب والصدمة، إلى الفعل الإبداعي التأسيسي في قلب الحاضر، ولم يعد الهمّ الأكبر هو كيفية التعامل مع فراغ تركته السماء، بل كيف نملأ العالم، هنا والآن، بإبداعاتنا ومشاريعنا، وفي هذا السياق، يقدم الفيلسوف الفرنسي ميشال سير (Michel Serres) رؤيةً محورية حين يرى أن الإنسان ليس ذلك الكائن الناقص الذي يبحث عن "تكملة" مفقودة في السماء أو في أيديولوجيا، بل هو بالأساس نسيجٌ حيٌ ومعقَّد من العلاقات، والاتصالات، والإبداعات، التي تشكل عالمه من الداخل وتُخرجه من حيز الإمكان إلى حيز الواقع، فوعي الإنسان بحدوده المطلقة - بالموت الحتمي، بالجهل المُحيط، بالهشاشة الوجودية - لا يشكل سجناً وجودياً، بل على العكس، يصبح مصدر تحريره، فإن هذا الوعي بالحدود هو الذي يُطلق العنان للمسؤولية الإبداعية الجسورة: فإذا كانت حياتنا محدودة، وإذا كان عالمنا هو كل ما نملك، فإن المسؤولية عن جعل هذه الحياة ذات معنى، وعن جعل هذا العالم مكاناً جميلاً وعادلاً، تقع علينا نحن بالكامل، وتُصبح الحدود نفسها هي الإطار الذي بداخله تُختبر الحرية الحقيقية، وتُمارس الإرادة الخلاقة في تشييد عالم إنساني يستحق أن يُعاش.
ويُشكل السؤال الأخلاقي، في عالمٍ تخلو سماؤه من الأمر الإلهي، التحديَ الأكثر إلحاحاً وعمقاً لأي تصورٍ إنساني جادّ، فإذا سقطت الوصايا المتعالية، وتلاشت الضمانات المطلقة، فمن أين تنبُت الواجبات؟ وكيف تتأسس القيم الملزمة؟ الجواب الجذري لا يكمن في البحث عن بديل خارجي يحل محل السلطة السماوية، بل في اكتشاف المنابع الأخلاقية الأولية الكامنة في صميم التجربة الإنسانية المشتركة ذاتها، في دهاليز الوعي البشري وتعقيدات علاقاته، إنه التحول من أخلاق التكليف المفروض من علٍ، إلى أخلاق التكوين النابعة من الداخل.
وفي هذا المضمار، تقدم الفيلسوفة المعاصرة مارتا نوسباوم (Martha Nussbaum)، من خلال مفهومها الثري "مقاربة القدرات" (Capabilities Approach)، نموذجاً حياً يرتقي بالأخلاق من عالم المبادئ المجردة إلى ساحة الحياة الملموسة، ولا تسأل نوسباوم عن "ما الواجب المجرد؟" بل عن "ما الشروط التي تتيح للإنسان أن يزهر ككائن إنساني؟"، فالأخلاق تُقاس بمدى توفير الظروف المادية والاجتماعية والسياسية التي تمكّن كل فرد من تحقيق إمكاناته الجوهرية: من الصحة والحماية من العنف، إلى المعرفة والمشاعر الجمالية، وصولاً إلى المشاركة المجتمعية والسيطرة على البيئة المحيطة، والمصدر الأخلاقي هنا ليس وحياً منفصلاً، بل هو الإدراك العاطفي العميق لهشاشتنا المشتركة ككائنات فانية، عُرْضة للألم والفرح، مقذوفة في عالم لا ضمانات فيه، إنه الرغبة العقلانية والإنسانية معاً في بناء كيانات اجتماعية لا تكتفي بتقليل المعاناة، بل تعمل بشكل إيجابي على تعظيم ازدهار الإمكانات الكامنة في كل كائن بشري.
وهذا التأسيس يتكئ أيضاً، وبقوة، على فلسفة التعاطف التي بلورها الفينومينولوجي ماكس شيلر (Max Scheler)، حيث لا يُنظر إلى التضامن باعتباره واجباً ثقيلاً مفروضاً من منطق خارجي، بل كاستجابة طبيعية وجوهرية في الكائن البشري القادر على المشاركة الوجدانية (Einfühlung)، على وضع نفسه مكان الآخر وشعوره بألمه ورجائه، والأخلاق في هذا المنظور ليست قانوناً صارماً، بل هي فنٌ رفيع لبناء جسور من التعاطف العقلاني فوق هوة العزلة الوجودية التي يفرضها وعي كل منا بذاتيته، إنها القدرة على تحويل الإحساس البديهي بالآخر إلى التزام منهجي ببناء عالم يحفظ للجميع كرامتهم، وهكذا تتحول الأخلاق من نظام خارجي للقيد والعقاب، إلى ممارسة داخلية للحرية المسؤولة، تنبع من اعترافنا بأن إنسانيتنا لا تكتمل إلا ضمن شبكة من العلاقات التي نختار، بعقلانية وشعور، أن نجعلها عادلة وحانية.
وإذا كانت "السماء صامتة" وتخلت عن دورها كمصدر للمعنى المتعالي، فإن هذا الصمت ذاته يصبح الدافع الأعمق لاكتشاف أن "الأرض" لم تفقد أبداً قدرتها الأساسية على "الكلام"، بل إنها تتكلم بلغات أغنَى وأكثر مباشرةً، إن نحن فقط أعدنا تثقيف حواسنا وفهمنا على الاستماع إليها، والتحدي المركزي الذي يواجه الوعي الإنساني في هذا العصر ليس العيش في عالم فَقَدَ سحره، بل اكتشاف لغة جديدة كلياً للقداسة والروعة والعمق، تنبع عضويًا من صميم المادة ذاتها، ومن تعقيد الوعي، ومن نسيج العلاقات الإنسانية، دون أي حاجة للاستعانة بعالم مفارق أو قوى غيبية، وهذا المسعى الجذري هو ما يُعرف فلسفياً بمشروع "إعادة السحْرَنَة" (Re-enchantment of the World)، ولكنه هنا يتم ضمن الإطار المادي الصرف، حيث لا يُستدعى السحر من خارج الطبيعة، بل يُكتشف كنظام داخلي لجماليتها وتعقيدها المذهل.
وفي هذا الصدد، يقدم الفيلسوف البراغماتي ريتشارد رورتي (Richard Rorty) حجةً محورية، مؤكداً أن الفن والأدب - وليس الدين أو الميتافيزيقا المجردة - هما الأداة الجوهرية والأكثر كفاءة التي ابتكرتها البشرية لإعادة وصف ذاتها وإعادة تخيل عالمها، ففي النصوص الروائية والشعرية، في تشكيلات اللوحة والألوان، في أنساق النغمات والإيقاعات، نختبر أشكالاً مكثفة من "التعالي" (the Sublime) - ذلك الشعور الممزوج بالرهبة والجلال - الذي لا يحتاج إلى ضمانة من خارج العمل الفني نفسه، إنه تعالٍ مُحايث (Immanent)، ينبثق من القدرة البشرية على الخلق والرموز، بل إن العلم نفسه، في هذا المنظور، يتحول إلى مصدر أساسي للدهشة الجمالية والروحية: فاكتشاف البنية الجزيئية المعقدة للحياة، أو اتساع الزمكان الكوني الذي لا يُسبر غوره، أوالانزياحات العميقة في ميكانيكا الكم، تولد إحساساً بالرهبة والاتصال بسرّ أكبر، لا يقلّ عمقاً وقوة عن أي تجربة دينية تقليدية، مع فارق جوهري: أنه إحساس قائم على الفهم والاستقصاء، لا على التسليم والإيمان الغيبي.
وهكذا، فإن هذا المسعى الجمالي الشامل يعيد تعريف مفهوم "الروحانية" نفسها إعادةً جذرية: فهي لم تعد ذلك السعي للاتصال بكائن علوي منفصل عن العالم، بل أصبحت فن اكتشاف "العمق غير المحدود" (the inexhaustible depth) الكامن في العالم المادي والعلاقات الإنسانية ذاتها، وتتحول "القداسة" من صفة تُمنح من فوق، إلى جودة تُختبر من خلال المشاركة الشاملة في الوجود: فهي تُلمَس في لحظات التواصل الصادق والهش بين شخصين، تتجلى في عملية إبداع عمل فني تُمزج فيه المعاناة والأمل، تُفهم من خلال التأمل في تعقيد واتزان النظام البيئي، وتتجسد في لحظة التضامن غير المشروط مع معاناة الآخر، وهذه كلها تجارب تملأ "الفراغ" الذي تركه غياب المعنى الجاهز، بمعنى مُتولّد من الداخل، غنيّ، ومكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى تبرير من أي سلطة خارج حدود التجربة الإنسانية المباشرة، إنها سَحرنة العالم من خلال تأمله بعينٍ جديدة، ترى في ماديته لا مسطحاً فارغاً، بل كوناً مكتظاً بالإمكانيات الشعرية والروحية.
وفي قلب المجتمعات المعاصرة التي تشهد تفكك اليقينيات الكبرى، يبرز تحدي العيش المشترك باعتباره المعضلة السياسية الأكثر إلحاحاً، فإذا كان الإيمان أو انعدامه قد تحوَّل إلى شأن ذاتيٍّ يخصّ ضمير الفرد، فإن بناء الفضاء العام الذي يجمع بين هذا التنوع الهائل في الرؤى الكونية يظلّ التحدي الجمعي الأكبر، وليست المطلوبة هنا علمانيةٌ من نوعٍ قديم، تقوم على الإقصاء أو تتبنّى موقفاً عدائياً، بل هي علمانيةٌ من الدرجة الثانية، إذا جاز التعبير؛ علمانية لا تطمح لأن تكون عقيدة بديلة أو رؤية عالمية شاملة، بل تكتفي بأن تكون "فضاءً محايداً" (Neutral Space) مُتقَناً هندسته لإدارة الاختلاف، وفضاءً يتسع للجميع، لا على أساس عقائدهم المطلقة المتعارضة، بل على أساس هوية مواطنية مشتركة وقيم إنسانية أساسية يمكن التفاوض حولها بشكل عقلاني.
ولبلورة هذا المفهوم، يقدم الفيلسوف السياسي جون رولز (John Rawls) أداةً فكرية حاسمة في مفهوم "العقلانية العامة" (Public Reason)، ولا يدعو رولز إلى التخلّي عن المعتقدات الشاملة (الدينية أو غير الدينية)، بل يضع شرطاً للخطاب في الشأن العام الأساسي: وهو أن تستند القرارات السياسية المؤسِّسة للعدالة إلى "أسباب" يمكن في المبدأ أن يقبلها جميع المواطنين الأحرار والمتساوين، بغضّ النظر عن خلفياتهم العقائدية العميقة، وهنا تتحوّل العلمانية من شعار إيديولوجي إلى مهمة بنائية دقيقة، هي فنّ وصنعة بناء المؤسسات والقوانين والإجراءات التي تحمي، في آنٍ معاً، حرية الضمير المطلقة للفرد وسلامة النسيج الاجتماعي المشترك، دون فرض رؤية عالمية واحدة على الجميع.
وهذا النموذج المتقدّم يتجاوز الثنائيات العقيمة التي حبست النقاش طويلاً بين علمانية عدائية ودينية هيمنية، فهو لا يسعى إلى إلغاء الدين أو الرمز الديني من الفضاء العام إلغاءً صِرْفاً، بل يهدف إلى ترسيم حدود دقيقة وعادلة بين مجالين: مجال المعتقد الشخصي (حيث تسود الحجج الدينية أو الميتافيزيقية)، ومجال القرار الجماعي الملزم (حيث يجب أن تسود لغة العقل العمومي والقيم المشتركة القابلة للتداول)، وبذلك تنتقل العلمانية من كونها أيديولوجيا مادّية معادية، إلى كونها "إطاراً تقنياً - أخلاقياً" حامياً، أشبه بنظام دستوري متطوّر لإدارة التنوع العميق، إنها الآلية التي تتيح لمجتمعات "ما بعد اليقين" أن تتعايش ليس على أساس تسامحٍ هشٍّ مع الآخر المختلف، بل على أساس اعتراف مؤسسي متين بحق الاختلاف الجذري، مع الاتحاد حول قواعد اللعبة التي تسمح لهذا الاختلاف نفسه بأن يزهر دون أن يهدم السلم الاجتماعي.
فإن هذا المسار التأسيسي الجريء، الذي يسعى لبناء عالم إنساني مكتمل الأركان في ظل "صمت السماء"، لا يخلو - كأي مشروع تحرري عظيم - من هوَّات وجودية خطيرة ومزالقَ قد تذهب بأصالة رؤيته، فأولى هذه المخاطر الكبرى تكمن في الانزلاق الخفي من التحرر الحقيقي إلى العدمية السلبية، حيث لا يُختبر غياب المعنى المطلق كمساحة مفتوحة للإبداع، بل يتحول إلى مبرر وجودي للانسحاب واللامبالاة والتنصل من أي التزام، وهنا يتحول الوعي بالعبث من دافع للتمرد (كما عند كامو) إلى ذريعة للاستسلام، فيتحول الفراغ من تحدٍّ إلى ملاذ، والثانية وهي الأكثر خداعاً، هي الانتقال من الفردانية الضرورية - كاستعادة للذات - إلى النرجسية المعاصرة المفرغة، حيث يصبح "البحث عن الذات" و"تحقيقها" غاية مُطلقة تنغلق على نفسها، وتُهمش أي رابط مجتمعي أو مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر، فتُستبدل سلطة الإله بسلطة الأنا المتضخمة، كما حلَّل ذلك عالم الاجتماع كريستوفر لاش (Christopher Lasch) في "ثقافة النرجسية".
ومواجهة هذه الإغراءات الوجودية لا تكون بالتراجع عن المشروع، بل بتعميقه وتحصينه ثقافياً وأخلاقياً، وهذا يتطلب أولاً، بناء ثقافة إنسانية غنية، معقدة، وقادرة على المنافسة الجذابة، ليست ردّاً هشاً، بل سرديةً إيجابية مستقلة، وثقافة تقدم حكايات ملحمية عن الكرامة الإنسانية المكتسبة بالجهد، وعن التضامن الناشئ من الهشاشة المشتركة، وعن الإبداع كممارسة يومية تخلق الجمال من رحم المادة، إنها مهمة موازية لما قامت به النهضة الأوروبية عندما بنت ثقافة بديلة عن السردية الدينية المسيطرَة، ولكن بخلفية ما بعد ميتافيزيقية اليوم.
وتتطلب ثانياً، تطوير "بلاغة جديدة" بالكامل للقيم الإنسانية، كما أشارت الفيلسوفة كورنيليا فون (Cornelia von) في دراستها للخطاب الأخلاقي العلماني، بلاغة لا تكتفي بالاستدلال المنطقي المجرد، بل تخاطب المخيلة والعاطفة والحدس الجمالي للإنسان، وتستعيد القدرة على صياغة المثل العليا بلغة شعرية وأخلاقية تلامس القلب والوجدان بقدر ما تقنع العقل، إنها بلاغة تجعل من قيم الحرية والمسؤولية والتضامن أموراً "مرغوبة" شعورياً و"جميلة" أخلاقياً، وليست مجرد "واجبات" عقلانية باردة، فهكذا فقط يمكن للبديل الإنساني أن يقف ليس كخيار عقلاني وحيد، بل كحلم جماعي مقنع وقادر على ملء الفراغ الروحي الذي قد تملأه الأيديولوجيات الشمولية أو العودة إلى اليقينيات الدغمائية.
ونختتم هذه الرحلة الفلسفية الثلاثية، من "صمت السماء" إلى "المغامرة الإنسانية" وصولاً إلى "عمارة الداخل"، بتصور واضح وحاسم: الاعتراف بالصمت الكوني وغياب الضامن المتعالي لم يعد النهاية المأساوية للسرد الإنساني، بل على العكس، لقد أضحى الشرط الأساسي والضروري لأكثر المشاريع البشرية جرأة ومسؤوليةً على الإطلاق، فلقد تحررنا، أخيراً، من وضعية الانتظار السلبي للمعنى الجاهز الذي قد يهبط من السماء، لندخل في المرحلة الناضجة حيث نتحمل نحن، وبكامل وعينا وإرادتنا، مسؤولية إبداع هذا المعنى وتشييده من العدم، وفي هذا التحول الجذري، تتحول الحرية من ذلك العبء الثقيل الذي كشف عنه المقال الأول، إلى مهارة وجودية رفيعة؛ ومن الصدمة التي تجمدنا أمام الفراغ، إلى حرفة إبداعية يومية نمارسها في صياغة واقعنا.
"عمارة الداخل" التي ندعو إليها ليست استعارة شعرية، بل هي دعوة عملية وتأسيسية لبناء عالم إنساني مكتمل من الداخل والخارج، لا يعوَّض عن غياب السماوي بل يستغني عنه باستقلال كامل، إنه عالم تُستمد أخلاقه ليس من أوامر مفارقة، بل من ينابيع التعاطف الإنساني والتضامن النابع من إدراك الهشاشة المشتركة، وتنبع جمالياته ليس من رموز مقدسة مفروضة، بل من إعادة اكتشاف روعة الواقع المادي وتعقيد العلاقات الإنسانية، وتُدار سياسته لا عبر صراع اليقينيات، بل عبر حكمة جديدة قائمة على إدارة الاختلاف وحماية حق الوجود المتكافئ في فضاء عمومي محايد، وهذا كله ليس دفاعاً نظرياً عن الإلحاد، بل هو البيان العملي والأسمى للإلحاد الناضج: التزام إيجابي غير مسبوق بخلق حياة فردية وجماعية تستحق أن تُعاش بكامل كثافتها وكرامتها، في هذا الكون الصامت الذي تحول، بفضل شجاعتنا في مواجهته دون أوهام، إلى المسرح الأرحب والأكثر تحدياً لإبداعنا المتواصل.
وهكذا تُغلَق دائرة السؤال الوجودي الكبرى التي افتتحنا بها: فمن صدمة الغياب والقلق الوجودي، ننتقل إلى عمارة حضور إنساني واعٍ بذاته، ومن تشريح الإلحاد كظاهرة سلبية، نصل إلى تصوير إمكانيات الحياة الكاملة والمزدهرة في ظله، والمشروع الإنساني الحقيقي يبدأ حقاً حيث تنتهي اليقينيات المطلقة، ويبلغ ذروة نضجه وكرامته لا حين يجد إجابات جاهزة، بل حين يتحمل الجنس البشري، للمرة الأولى في تاريخه بكل وضوح، مسؤولية بناء عالمه الأخلاقي والجمالي والسياسي بيديه، بكل ما تحمله هذه اليدين من هشاشة تكشف عن حاجتنا إلى بعضنا، وقوة تعكس قدرتنا على الخلق، وخوفٍ يقرّ بجسامة المهمة، وشجاعةٍ لا تعرف التراجع في إكمال المغامرة الأسمى: أن نجعل من أنفسنا، ومن عالمنا، تحفة نصنعها بأنفسنا ولأنفسنا.
-------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش
مقالات صمت السماء






