إن الأصل في سياسات الدولة العقارية هو تنظيم السوق وحماية التوازن بين الحق في الملكية ومتطلبات التخطيط العام، لكن ما يجري علي ارض الواقع هو استحواذ سيادي علي الأرض والأصول يُعاد فيه تعريف المنفعة العامة بشكل انتقائي، فتارة يُسمح باستخدامها لتبرير نزع الملكية الخاصة لخدمة خطط التوسع وتارة أخرى لتحويلها إلي أصول قابلة للتصرف عبر الأسواق، هنا تلعب الدولة دورا مزدوجا: الأول هو سلطة نزع الملكية الخاصة لصالح ما تسمى المنفعة العامة، والثاني هو سلطة إلغاء صفة المنفعة العامة عن الملكية العامة نفسها وتحويرها إلى ملكية خاضعة لمنطق السوق، وهما وجهان لنفس المنطق الاداري والسياسي والاجتماعي الذي يحدد شكل العلاقة بين المواطن والدولة.
السياق القانوني في مصر يُنظم نزع الملكية الخاصة ضمن قانون صدر منذ عقود هو القانون رقم 10 لسنة 1990، بتعديلاته في 2018 ثم 2020، لتواكب خطط الدولة التوسعية بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة وتحديد الضوابط والاجراءات المتعلقة بها، وهو إطار قانوني قائم أيضا في الدستور الذي يقرر حماية الملكية الخاصة والملكية العامة، لكن يشترط عدم جواز المساس بها الا للمنفعة العامة ومع تعويض عادل، وهو ما تدور حوله معظم النزاعات الاجتماعية والقانونية في الوقت الحالي.
الأرقام والبيانات الرسمية في السنوات الأخيرة تكشف مدى التوسع في استخدام هذا الحق وتطبيقه. ففي دراسة احصائية موسعة نشرها مرصد العمران تبين ان الدولة اصدرت خلال عام 2024 قرارات بنزع الملكية لصالح ما يسمى بمشروعات المنفعة العامة بلغ عدد هذه المشروعات 109 مشروعات، شملت مساحة اجمالية تبلغ 24 ألف فدان، منها ما يخصص لمشروعات النقل والطرق والبنية التحتية في المرتبة الاولى بنحو 13700 فدان، وهوما يعادل حوالي 57% من اجمالي المساحة المستهدفة من الاجراء في تلك الفترة، الأرقام أيضا تبين أن أكثر من نصف قيمة التعويضات المقدرة لهذه المشروعات يبلغ حوالي 35 مليار جنيه، وقد خصص الجزء الاكبر من هذه القيمة لمشروعات الطرق والكباري ومشروعات النقل والمواصلات، وشملت التعويضات جزءا تم تسليمه بشكل عيني وليس نقديا، وهو ما يضاعف من تعقيد التقدير الاجتماعي لدور هذه التعويضات بالقيمة الحقيقية، مقارنة بالأثر الذي يخلفه نزع الملكية على السكان والمؤسسات الصغيرة والمُلَّاك.
لم تقتصر قرارات نزع الملكية على الأراضي الخالية، بل تمتد ايضا الى عقارات قائمة ومباني قائمة في قلب القاهرة ومدن أخرى. ففي صيف العام الماضي، اصدرت وزيرة التنمية المحلية القرار الوزاري رقم 296 لسنة 2025 بنزع ملكية عدد من العقارات والاراضي ضمن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3332 لسنة 2023 وهو القرار الذي شمل عمارات سكنية واراض في مناطق مثل مصر الجديدة ووسط القاهرة، مما يعكس توجه الدولة نحو استيعاب النطاق العمراني القائم ضمن مشروعات المنفعة العامة التي يتم تنفيذها او تخطيطها.
تقديرات التعويضات في بعض هذه المشروعات ايضا تكشف عن أرقام كبيرة، ففي أحد المشاريع المرتبطة بعمارات بديلة للمناطق العشوائية في حي المرج بمحافظة القاهرة قُدر إجمالي التعويض بمبلغ يزيد على 54 مليون جنيه، وهو رقم منفصل عن القيمة السوقية الحقيقية للمتر في تلك المناطق التي شهدت ارتفاعات حادة في السنوات الأخيرة، حسب بيانات السوق العقاري وهو ما يضع أكثر المُلَّاك في موقف تفاوض ضعيف حتى لو كانت لديهم ملكية مسجلة.
الأرقام تشير أيضا إلى تحديات كبيرة في كيفية تطبيق الإجراءات نفسها، فالدراسات الحكومية والخارجية تظهر أن غياب معايير واضحة لتحديد المنفعة العامة وطرق تقييم الأراضي بشكل شفاف يفاقم من المشاكل الاجتماعية والقانونية التي يواجهها المُلَّاك حين يتعرضون لنزع ملكيتهم، وهو ما يدفع خبراء في المجال إلى المطالبة بتعديل شامل للقانون ليشمل معايير أدق وشفافة لضمان حقوق المُلَّاك، خاصة في الحالات التي ترتبط بخسائر اقتصادية لا يمكن تقديرها فقط بسعر الأرض وقت نزع الملكية.
على الجانب الآخر، من المعادلة هناك أمثلة واضحة على التوجه نحو إلغاء صفة المنفعة العامة عن ملكيات عامة، كانت مخصصة للخدمة العامة وتحويلها الى ملكيات يمكن التصرف فيها بموجب إدارات داخل الدولة، فمثلا في صيف عام 2022 أصدرت السلطات قرارًا رئاسيًا بنزع صفة النفع العام عن أراض ومبان حكومية بمساحة تقارب 90 فدانًا شملت 17 عقارًا في مواقع استراتيجية بالقاهرة، مع تخطيط لبيع هذه الأصول في إطار ما وصفته الحكومة بتحقيق موارد مالية، وقدرت قيمة الاصول المقرر بيعها ضمن خطة الأصول التي تستهدف الدولة بيعها خلال ثلاث سنوات بنحو 40 مليار دولار، وهو ما يعكس التحول في رؤية الدولة من اعتبار الملكية العامة مجرد مورد خدمي للمواطن الى مورد اقتصادي يمكن تحويله واستثماره.
هذا التحول في السياسات يطرح سؤالا حول من يحدد المنفعة العامة، ومن يتحمل المسؤولية حين تتحول هذه السياسات الى أداة لإعادة توزيع الملكية يستخدم فيها النزع للممتلكات الخاصة وتفريغ الأملاك العامة لأهداف اقتصادية بحتة، وهو ما يؤثر مباشرة على المواطنين والمُلَّاك على حد سواء في القطاع الخاص والعام، والاطار الدستوري والقانوني نفسه يؤكد حماية الملكية وعدم جواز المساس بها الا للمنفعة العامة مع تعويض عادل، إلا أن تطبيق هذه المعايير يظهر فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي والاقتصادي، مما يضع المواطن في موضع الخاسر الأكبر في كل مرة يتم فيها استخدام السلطة دون ضمانات حقيقية للمشاركة او الحق في الاعتراض.
-----------------------------------
بقلم: حسن البربري






