Munich Security Report 2026: Under Destruction
يشير تقرير بعنوان "تحت التدمير" الذي يصدر قبل بدء أعمال المؤتمر العالمي الشهير إلى ان العالم دخل مرحلة سياسية جديدة لم يعد فيها إصلاح النظام القائم هدفا اساسيا، بل اصبح الهدم خيارا سياسيا مقبولا بل ومفضلا لدى بعض القوى. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بان القواعد والمؤسسات التي حكمت النظام الدولي لعقود لم تعد قادرة على الاستجابة للتحديات، وان كسرها بات الطريق الاسرع لتحقيق نتائج، حتى لو كان الثمن هو فقدان الاستقرار على المدى الطويل.
يربط التقرير بين صعود سياسات الهدم وحالة احباط اجتماعي عميقة داخل المجتمعات الغربية، حيث يشعر عدد متزايد من المواطنين بان النظام السياسي لم يعد يوفر لهم أمنا اقتصاديا أو أفقا اجتماعيا. ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل المستقر، واتساع الفجوة بين الطبقات، كلها عوامل غذت الاعتقاد بان الإصلاح التدريجي لم يعد مجديا.
تظهر بيانات الرأي العام التي يعرضها التقرير أن الثقة بالمستقبل باتت ضعيفة، وأن غالبية المواطنين في دول كبرى لا يعتقدون أن السياسات الحالية ستجعل حياة الأجيال القادمة أفضل. هذا الشعور لا يعبر عن تشاؤم عابر، بل عن قطيعة نفسية بين المجتمع والنظام السياسي، ما يفتح المجال لخطابات جذرية ترفض الواقع القائم بالكامل.
يوضح التقرير ان فقدان الثقة لا يطال الحكومات وحدها، بل يشمل المؤسسات التي يفترض ان تضبط التوازن السياسي مثل البرلمانات والمحاكم. هذه المؤسسات باتت في نظر قطاعات واسعة رمزا للتعقيد والبطء، لا أداة للحماية، ما جعل تجاوزها أو إضعافها يبدو للبعض خطوة ضرورية لا خطرا ديمقراطيا. في هذا السياق، يبرز نمط جديد من القيادة السياسية يعتمد على الصدمة والمواجهة، ويقدم نفسه بوصفه بديلا للنخب التقليدية. هؤلاء القادة لا يعدون بتحسين النظام، بل بتفكيكه وإعادة بنائه، مستخدمين لغة حادة وأساليب مباشرة تجد صدى لدى جمهور غاضب من الوضع القائم.
يضع التقرير الولايات المتحدة في قلب هذا التحول، مشيرا إلى أن الدولة التي قادت بناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية باتت اليوم العامل الأكثر تأثيرا في تقويضه. هذا التحول يكتسب خطورته من حجم القوة الامريكية، ومن الدور المركزي الذي لعبته واشنطن تاريخيا في ترسيخ القواعد والمؤسسات الدولية. يوضح التقرير أن السياسة الامريكية لم تعد ترى في التعددية والمؤسسات الدولية أدوات لتعزيز النفوذ، بل قيودا تحد من حرية الحركة. هذا التغير في النظرة يمثل تحولا فكريا عميقا، لانه يعيد تعريف معنى القوة من القدرة على التنظيم إلى القدرة على الفرض.
يشير التقرير إلى أن الانسحاب من منظمات دولية وتقليص التمويل لم يكن مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية تعكس رفضا لفكرة العمل الجماعي نفسها. هذا السلوك ترك فراغات مؤسسية في مجالات حيوية مثل الصحة والمناخ والتنمية، دون وجود بدائل قادرة على تعويض هذا الانسحاب. كما يلاحظ التقرير أن السياسة الخارجية الامريكية باتت أكثر شخصية، حيث تحل الصفقات المؤقتة محل الالتزامات طويلة الأمد. هذا النمط يقلل من القدرة على التنبؤ، ويضع الحلفاء في حالة قلق دائم بشأن استمرارية الدعم أو تغير المواقف.
في أوروبا، يرصد التقرير حالة ارتباك استراتيجي متزايدة، حيث بدأت دول القارة تدرك أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافيا لضمان الامن. هذا الإدراك يفرض إعادة نظر في افتراضات راسخة، ويكشف هشاشة نظام أمني بني على الثقة أكثر مما بني على القدرات الذاتية. لا يقتصر القلق الاوروبي على الجانب العسكري، بل يمتد إلى البعد القيمي، إذ بات الخلاف مع واشنطن يمس مفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير ودور الدولة. هذا التحول يجعل العلاقة العابرة للاطلسي أكثر تعقيدا، لانها لم تعد مجرد شراكة مصالح. مع ذلك، لا يعفي التقرير أوروبا من المسؤولية، مشيرا إلى أن تأجيل بناء قدرات مستقلة كان خيارا واعيا. هذا الخيار وفر استقرارا مؤقتا، لكنه ترك القارة أقل استعدادا للتعامل مع عالم تتراجع فيه الضمانات التقليدية.
في منطقة الاندو باسيفيك، يعرض التقرير صورة مغايرة في الشكل لكنها متشابهة في الجوهر، حيث تواجه الدول صعودا صينيا متزايدا في وقت تتزايد فيه الشكوك حول التزام الولايات المتحدة. هذا الوضع يخلق بيئة استراتيجية تقوم على الحذر والموازنة. غياب أطر أمنية جماعية قوية يدفع دول المنطقة إلى اتباع سياسات متعددة المسارات، تجمع بين تعزيز الدفاع الذاتي وعدم القطيعة مع أي قوة كبرى. هذا النهج يزيد من تعقيد الحسابات، ويجعل الاستقرار أكثر هشاشة.
يحذر التقرير من أن الغموض الاستراتيجي قد يشجع على المغامرة، لأن غياب خطوط واضحة قد يدفع بعض الاطراف لاختبار حدود القوة. في مثل هذه البيئات، تزداد احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود. في المجال الاقتصادي، يوضح التقرير أن النظام التجاري العالمي يشهد تفككا متسارعا، مع تزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي. الرسوم والعقوبات باتت وسيلة ضغط مباشرة، لا أدوات تنظيمية محكومة بقواعد مشتركة.
يشير التقرير أيضا إلى أن السياسات الصينية القائمة على دعم الدولة والتحكم في سلاسل الإمداد تزيد من هذا التفكك، لانها تدفع دولا أخرى الى الرد بسياسات حمائية، ما يضعف فكرة السوق المفتوحة.
في مجال التنمية والمساعدات، يرصد التقرير تراجعا خطيرا في الالتزام الدولي، حيث لم تعد المساعدات تُنظر إليها كاستثمار في الاستقرار، بل كعبء سياسي. هذا التحول أدى إلى فجوات تمويلية كبيرة في دول هشة. يحذر التقرير من أن نتائج هذا التراجع بدأت تظهر في مؤشرات إنسانية مقلقة، مثل احتمال ارتفاع وفيات الاطفال، وهو ما يعكس كلفة مباشرة لتفكيك التعاون الدولي وليس مجرد فشل إداري.
يتناول التقرير فكرة الهدم الخلاق بحذر، معترفا بأن الصدمة قد تحرك أنظمة جامدة، لكنه يؤكد أن الصدمة وحدها لا تبني نظاما بديلا. وقف العنف المؤقت أو عقد صفقات سريعة لا يعالج جذور الأزمات. يخلص التقرير إلى أن عالم القواعد الضعيفة يخدم الاقوياء أولا، لأنهم الاقدر على التكيف، بينما تتحمل الدول والفئات الأضعف كلفة الفوضى. ما يتشكل ليس نظاما أكثر عدلا، بل توازنات أكثر قسوة.
في النهاية، يؤكد التقرير أن هذا المسار ليس قدرا محتوما، لكنه يتطلب من المدافعين عن النظام الدولي أن يقدموا بدائل واقعية، وأن يبرهنوا أن الإصلاح ممكن، وأن السياسة لا تحتاج الى هدم شامل كي تستعيد ثقة الناس.
------------------------------
عزت إبراهيم
*نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك





