13 - 02 - 2026

ضوء | الطلاق(1)

ضوء | الطلاق(1)

الزواج مؤسسة اجتماعية تنظم العلاقة بين شريكين، فإن تزوج الرجل بامرأة فهو لا يقترن بها وحدها، بل بأسرتها وعائلتها وقبيلتها في واقعنا الاجتماعي العربي، والعكس صحيح.

وهذان الشريكان يجب أن تكون العلاقة بينهما إنسانية طوعية، تقوم على أساس التكافؤ الثقافي والاجتماعي، والتقارب العمري، والاحترام المتبادل، والنظرة المتقاربة لأمور الحياة، إضافة إلى إشباع الغرائز والعواطف الإنسانية وتنظيمها، كل ذلك يساهم في خلق البيئة الصحية لبناء أسرة طبيعية، وإذا انتفى أي من هذه الأسس يؤدي ذلك إلى التعاسة الزوجية أو إلى الطلاق، فإذا كانت العلاقة غير إنسانية وغير طوعية وليس فيها تكافؤ ثقافي واجتماعي، ولا تقارب في العمر، ولا احترام متبادل، واختلاف شاسع في وجهات النظر والممارسة السلوكية في الحياة، وعدم تحقيق الإشباع العاطفي والجنسي، فإما الاستمرار في الحياة الزوجية التعيسة، وإما الطلاق الحتمي.

والزواج كما يتم بالرضا، يجب أن يتم الطلاق بالرضا، والآية الكريمة تقول: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، لكي يضمن حفظ كرامة كلا الطرفين، وعدم تأثير الطلاق بشكل كبير على الأطفال في حال وجودهم.

وعلى الرغم من عدم حبي للأرقام، إلا أنَّني مضطرة لرصد نسب الطلاق في مختلف الأقطار العربية؛ لأنها في ازدياد كبير؛ وهذه الأرقام قبل عشر سنوات تقريبًا، ونعتقد أنها ارتفعت حالياً، ففي مصر 161 ألف حالة بمعدل طلاق كل 6 دقائق، وقد وصلت النسبة إلى 45%، وفي سوريا 9 آلاف حالة طلاق في دمشق وحدها، وفي محافظة بغداد 2012 بلغت النسبة 50%، وفي السودان بلغت 30% ، وفي الجزائر 60 ألف حالة طلاق من أصل 480 ألف عقد زواج سنويا، وفي تونس بلغت النسبة 48%، وفي المغرب بلغت 27%، وفي البحرين كل 100 حالة زواج يحدث بعدها 30 إلى 40 حالة طلاق، وفي الكويت نسبة الطلاق تقارب 60%، وفي الأردن فإن 80% من قضايا الطلاق مرفوعة أمام المحاكم لطلب الخُلع، وفي محافظة طولكرم وحدها بفلسطين 360 حالة طلاق قبل الدخول، و1570 حالة طلاق بعده.

وبينت نتائج إحدى الدراسات في دول مجلس التعاون الخليجي، أنَّ نسبة الطلاق عامة حوالي 47%، وفي السعودية 35%، والإمارات 26%، وأعلى معدلاتها في الكويت حوالي 48%.

وبالطبع فإنَّ الطلاق ظاهرة عامة؛ ففي إحصائية عالمية، أظهرت أنَّ روسيا وبلاروسيا والسويد وأوكرانيا والتشيك ترتفع نسب الطلاق لديهم إلى أكثر من 60%، وهذا يدفعنا إلى التفكير في الطلاق عند المسيحيين؛ حيث صعوبة الطلاق الكنسي لديهم، لكن القوانين المدنية الوضعية أصبحت تُسهل الصعاب، وتقل النسبة في ألبانيا ومقدونيا وتركيا وماليزيا إلى أقل من 10%.

قرأت ذات مرة عن امرأة قامت بتنظيم حفلة بمناسبة طلاقها، حفلة كحفلات الزواج، دعت إليها كل أهلها وصديقاتها. فالطلاق ظاهرة طبيعية وصحية؛ لأن الإنسان عليه ألا يستمر في وضع غير صائب، يجلب له التعاسة بدلاً من السعادة، ويحتاج الطلاق إلى شجاعة كبيرة، وخاصة من جانب المرأة لاتخاذ القرار والتنفيذ؛ لأن المسؤولية ستُلقى على عاتقها وسيلومها المجتمع، ولأن الأعباء والمسؤوليات تزداد عليها، خاصة مع وجود أطفال.

والطلاق له علاقة بالتوافق والمحبة بين الشريكين؛ لأن الزواج مودة ورحمة، فإذا انتفى هذان الشرطان أصبحت البنية غير قوية لبناء أسرة سليمة، ومن الصعب الإجابة على من المسبب الأول للطلاق أهو الرجل أم المرأة؟ لأنه لا يمكن تحديد ذلك، فلكل حالة خصوصيتها، والبيوت أسرار.

والحلول المقترحة للتقليل من ظاهرة الطلاق كثيرة، منها إيجاد مؤسسات إرشاد أسري في كل جمعية أهلية، لتقوم بدورها في توعية الطرفين، وخاصة ما قبل الزواج، وتنظيم دورات مسبقة في متطلبات الحياة الزوجية والأسرية لتهيئتهم للحياة الزوجية.

أما بالنسبة للمتزوجين والذين يعانون من حياة مضطربة غير متوافقة، فإن مؤسسات الإرشاد الأسري عليها أن تقوم بزيارات ميدانية وجلسات إرشادية للزوجين، وخاصة للجدد؛ لأن أغلب حالات الطلاق تتم في السنوات الأولى من الزواج، وذلك للتخفيف من الخلافات، والمساهمة في حل المشكلات، وهذه الحلول يجب أن تضعها الدولة ضمن خطتها الاستراتيجية للتقليل من نسبة الطلاق وآثاره السلبية على المجتمع.
--------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة المنظمة الأوروبية للسلام والنوايا الحسنة


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | استملاك البيوت