حين يقترب أي نظام سياسي حاكم من لحظة مفصلية، يصبح المستقبل ساحة مفتوحة للتكهن، ويغدو السؤال أهم من الإجابة. ونحن نقترب من عام 2030، يفرض نفسه سؤال ثقيل الظل: إلى أين يتجه النظام السياسي الحاكم في مصر؟ وهل نحن أمام تعديل دستوري جديد يُفصَّل على مقاس اللحظة، أم أمام انتقال منضبط – أو مرتبك – للسلطة؟
الحديث عن تعديل الدستور لم يعد همسًا في الكواليس، بل صار افتراضًا متداولًا في المجال العام، حتى لو لم يُعلَن رسميًا. الفكرة في جوهرها ليست جديدة على التجربة المصرية، لكن الإشكالية هذه المرة أن الدستور الحالي ما زال “حديث العهد”، والتعديلات السابقة لم تجفّ أحبارها بعد. هنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي: هل الدولة في حاجة فعلية إلى تعديل جديد، أم أن الأمر لا يخرج عن كونه تمديدًا مقنّعًا للرئيس عبد الفتاح السيسي تحت لافتة “الاستقرار” و”الظروف الاستثنائية”؟
أنصار سيناريو التعديل يرون أن المنطقة ملتهبة، والاقتصاد هش، والدولة لا تحتمل مغامرة التغيير. أما المعارضون فيرون أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على تمديد الأشخاص، بل على تداول السلطة وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بغض النظر عمّن يجلس في القصر الرئاسي. وبين هذا وذاك، يبقى الدستور هو الضحية الأولى لأي حسابات سياسية ضيقة.
لكن ماذا لو لم يحدث تعديل؟ هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية: من هو الرئيس القادم؟ تاريخ الدولة المصرية الحديثة يرجّح كفة المؤسسة العسكرية، ليس فقط بحكم النفوذ، بل بحكم تصور راسخ لدى قطاعات من الدولة العميقة بأن “الرئيس المدني مغامرة غير مأمونة”. ومع ذلك، فإن طرح رئيس بصفة مدنية يظل مطروحًا نظريًا، خاصة إذا جرى تقديمه باعتباره امتدادًا للنظام لا قطيعة معه، مدني بالاسم، محافظ بالوظيفة.
يبقى السؤال الأهم، وربما الأكثر إزعاجًا: هل سنشهد انتخابات رئاسية حقيقية؟ انتخابات تتعدد فيها الأسماء، وتتنوع البرامج، ويشعر المواطن أن صوته ليس مجرد إجراء شكلي؟ التجربة القريبة لا تبعث على كثير من التفاؤل، لكن السياسة – مثل التاريخ – لا تسير دائمًا في خط مستقيم. الضغوط الاقتصادية، وتغير المزاج الدولي، واحتقان الداخل، كلها عوامل قد تدفع – ولو جزئيًا – نحو قدر من الانفتاح المحسوب.
سيناريوهات 2030، إذن، تتراوح بين إعادة إنتاج الحاضر بصيغة دستورية جديدة، أو انتقال مُدار داخل نفس الدائرة، أو – وهو الأضعف حتى الآن – فتح المجال العام أمام منافسة حقيقية. أيًّا كان المسار، يبقى المؤكد أن تجاهل سؤال المستقبل لن يُلغي استحقاقه، وأن الدول لا تُدار إلى الأبد بعقلية “تأجيل الأزمة”. فالتاريخ لا ينتظر، ومن لا يخطط لانتقال السلطة، غالبًا ما يفاجَأ بها.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






