على رأس كل عام كان ينزل قريتنا رجل فاضل، ناسك عابد، فيمكث بها من الهلال إلى الهلال، ثم يمضى فلا نراه حتى يحول الحول، وكان هذا الناسك رجلا مسلما مستقيم الإسلام، لا يعرف دينه الزيغ ولا العوج، ولا الغلو ولا الشطط، وكان أقرب سمتا وهديا إلى رهبان الصحراء المتبتلين المخشوشنين الزاهدين، فكان إذا أتى البلدة نزل بإحدى زواياها، وشمر عن ساق الجد، فصام وقام، وتلا وذكر، وجال يصنع خيرا، وكان له فى ذلك مقتدون يقتفون أثره، وأتباع يهتدون بهديه، وكان أهل قريتنا يرقبون قدومه، ويعظمون وفادته تلك أيما تعظيم، وكانوا فى حفاوتهم به على مذاهب شتى، وطرائق عدة:
فطائفة من أهل القرية كانت تحسب له الأيام وتعد له الليالى، فإذا دنا قدومه، واقترب موعد حلوله، بادروه بالزينات والقناديل، فقاموا يكسون له واجهة الزاوية بالأنوار والضياء، ومدوا المصابيح والقناديل من بابها إلى محطة القطار التى ينزل بها، فإذا بلغوها نصبوا عندها "فانوسا" عظيما وهاجا وضَّاءً؛ ليستبشر القريب، ويعرف البعيد، وينكاد الحاسد البغيض، بمقدم هذا الصالح الكريم، ومقامه فينا شهرا تاما، ولأجل ذلك دعوا الرجل "أبو فانوس".
وكان أهل تلك الطائفة لا يقنعون من إكرام "أبو فانوس" بالزينات والقناديل، بل كانوا يترقبون قطاره قبل بلوغه محطتهم بمحطات وأميال، ويقفون عند رصيفه الموعود الساعات الطوال، فإذا اتصل بعلمهم أنه قد غادر المحطة التى قبلهم صَفُّوا صبيانهم، وجعلوا فى أيديهم الورود والزهور، ولقنوهم الأهازيج والأناشيد، فإذا بلغ قطار الشيخ المحطة، ونزل رصيفها حيوه بما فى أيديهم من الرياحين، وأنشدوا بين يدى موكبه الأناشيد والمديح، وضربوا عنده بالدف والمزمار، ونقروا له الرق والطار، ولا يزالون كذلك حتى يبلغ زاويته.
وأهل طائفة ثانية من أهل قريتنا رأت أن أعظم ما تكرمه به أن تقيم عند أحد جدران زاويته سوقا جامعة يؤمها الناس، فيجمعون لهم فيها ما لذ وطاب من مشتهيات الأنفس مما لم يكونوا يعرضونه فى سائر العام، وقالوا إن الناس إذا أكثروا التعبد تعبوا، فإذا تعبوا كانوا أكثر إقبالا على المآكل والمشارب والأقوات منهم فى باقى العام.
وطائفة أخرى رأت أن تحتفى براهب القرية بإقامة مقهى عظيم يجاور ضلعا آخر من أضلاع الزاوية، فأثثوه وأحسنوا متاعه ومرافقه، وعمروه بالشيشة والشاى، والنرد والناى، وقالوا لاشك أن المتعبدين إذا أنصبوا أنفسهم للعبادة والذكر احتاجت نفوسهم وأبدانهم إلى الاستجمام والراحة، فنحن نعينهم على عبادتهم ليعودوا إلى شيخهم أنشط وأقوى.
أما الضلع الأخرى فكانت مقسومة للسيرك والملهى، فهناك أقاموا خيمة عظيمة جمعوا فيها الراقص والراقصة، والمغنى والمغنية، والأراجوز والأحجية، وقالوا هذا احتفاؤنا بمقدم شيخنا الكريم، وتلك مكافأتنا لأهل زاويته، فإنا نراهم قد اشتدوا فى عبادتهم، وثقلت عليهم أورادهم وصلواتهم، وطال قيامهم وركوعهم، فجئناهم بالتخفيف والترويح؛ ليعودوا إلى نسكهم أنشط أبدانا، وأصفى أرواحا.
وإنه على هذا الاحتفاء العظيم، وتلك النفقات الطائلة التى كان يبذلها أهل القرية فإن ذلك لم يكن يقع موقع الرضا من "أبو فانوس"، ولم يكن يقرهم عليها، ولا يلقاها بالقبول، ولا يعدها احتفاء ولا إكراما، بل كان يراها نيلا منه، وازدراء له، بل قد كان يقطع معتكفه هذا غير مرة ويخرج إلى أهل السوق وأهل الملهى والمقهى فينهر ويوبخ قائلا: "قطعتم خلوتنا، وأفسدتم رهبانيتنا"، ثم يرجع إلى خلصائه وأصفيائه فى الزاوية، فالشيخ الصالح لم يكن يعتد ولا يعتز بأهل الطوائف الأربع السالفة الذكر، ولا كان يرى أنهم منه ولا أنه منهم، وإن انتحلوا اسمه، أو ادّعوا وصله، أو أقاموا له الخيام، ومدوا له الزينات، فخلصاء الشيخ وأصفياؤه كانوا طائفة غير أولئك جميعا، لقد كانوا رجالا ونساء يخوضون الزحام إلى الشيخ فى زاويته فلا يعرجون على سوق، ولا يلفتهم عن قصدهم ملهى ولا مقهى، فإذا بلغوها انضموا إلى حلقات التالين، أو صفوف المصلين، فإذا فرغوا انصرفوا لا يلوون على شىء.
وكان أهل القرية إذا رقبوا القمر فرأوه قد ذبل عوده، وانمحى نوره، علموا أن "أبو فانوس" قد انقضت مدته فيهم، فخرجوا إلى محطتهم يودعونه، ثم يعودون سراعا كل منهم إلى كيسه يرى ما حصّل.
-------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]






