هناك نظريتان الأولى تحقير الدنيا مطلقا حتى لا يتمسك بها الإنسان عندما يرحل، والثانية تضع الدنيا فى مكانها الطبيعى.
والنظريتان نجدهما فى القرآن الكريم والسنة المطهرة. الدنيا تتميز بخمس صفات. الصفة الأولى أن دنيا الإنسان قصيرة مهما عاش، ومن مات قامت قيامته. وهناك القيامة الصغرى والقيامة الكبرى عند البعث والحساب .
الصفة الثانية أن الدنيا تمر بسرعة أى أجلها قصير.
الصفة الثالثة أن الانسان يدخل إلى الدنيا عريانا ويخرج منها عريانا.
الصفة الرابعة أن الدنيا مزرعة للآخرة كما يقول على أبن ابى طالب، معنى ذلك لا آخرة بلا دنيا ولا دنيا بلا آخرة، فكلاهما مطلوب.
الصفة الخامسة أن الدنيا إذا قورنت بالاخرة لا تساوى جناح بعوضة. ويقول القرآن الكريم "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" أي ليس أصلا فى الدنيا، وأن العمل الصالح هو المعول عليه فى الدنيا فالدنيا دار عمل والآخرة دار حساب.
ولكن الإنسان عموما يتمسك بالدنيا ويذر الآخرة، على أساس أن الدنيا واقع والآخرة غيب، وهناك تحذيرات كثيرة فى القرآن الكريم من أن تفلت الدنيا دون عمل صالح. وفى القرآن الكريم أيضا تمنيات للإنسان أن يمد فى عمره فى الدنيا لعله يعمل عملا صالحا يقربه من الله.
والدنيا فانية وتمر مر السحاب، كما أن الدنيا دار شقاء الكل فيها يعانى ومعيار المعاناة هو الصبر على المكاره، والصبر فى هذه الحالة لا يكون إلا احتسابا لله، هناك فرق بين صبر المؤمن وصبر اليائس وصبر الحمار، فالمؤمن يكافأ على الصبر دون الصنفين الآخرين.
وفى القرآن الكريم "والأخرة خير وأبقى" أما الدنيا فتمر سواء بالمعاناه أو بالفرح، أما المقارنة بين الدنيا والآخرة، ففى القرآن الكريم والسنة المطهرة لا مقارنة ولكن الأموات يحسدون الأحياء على دنياهم، ويتمنون أن يعيشوا مثلهم حتى يتداركوا ما فاتهم. "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها". الأعمار محددة فى الدنيا والشقاء لازمة من لوازم الدنيا، وأما الآخرة فحددها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع، إما الجنة أو النار، وقال أيضاً إن العبد بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقى لايدرى ما الله صانع به، ونصحنا رسول الله فى هذه الحالة بأن يأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الدنيا قبل الآخرة، فأقسم بأنه ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
وقال سبحانه "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" أى أن الإنسان مدرك لأفعاله، ومدرك أن هذه الافعال تقابلها الآخرة، ولذلك لابد أن يستفيد الإنسان فى دنياه بفعل الخير وحسن النية وجميع الضوابط التى تكفل سعادته فى الدنيا والآخرة.
وردا على الذين يستخفون بالدنيا، قال القرآن الكريم على لسان لقمان وهو يعظ ابنه "ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك" ونصحه بألا يمشى فى الأرض متكبرا وأن يغضض من صوته إن أنكر الأصوات لصوت الحمير.
---------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق







