في مصر شاور من بعيد "ارفع ذراعك فقط" يقف لك الميكروباص ولو في نص الشارع، اركب وانزل براحتك يا غالي.. وممكن تترجل دقائق تخطف للسواق معاك كيس عيش من الفرن.. وممكن موز التريسكل في السكة فأنت راكب مع زعيم الشارع.. شاور يامواطن نزولا وطلوعا متكررا.. وأبشرك بالمزيد، محافظة الاسكندرية بدأت اختبارات "تطوي" وسائل نقل الركاب، بتسليمهم لشركة ميكروباصات بدل الترام لحين تحديثه!! مع وعد بإلزامهم بنفس مسار الترام حرفيا!!
فكرت أرثي الترام وتراجعت عن تقليب المواجع.. فما زالت زفة عبور مترو مصر الجديدة عالقة في أجوائها ووجداننا.. جذور قضبانه المنزوعة تشق الأسفلت، ترمي السلام وتروى ظمأنا لأيامنا الحلوة، وتشفق علي أحفادنا من امتداد التصحر الجمالي، ومن مخاطر ثعابين ميكروباص تزاحم وتتجاوز كأن عجلاتها محششة!!
أما ترام الرمل ساكن قلب الاسكندرية.. فقد صمت انتظارا لمصيره، نكس صنجة عاشت تزهو بتاريخها، تشاغب الركاب بدويتو الزمارة مع العجلات، ملاغاة عربة دندورما كورنيش زمان.. الترام الخالي فاتح منافذه وساكت، هل يئن ام يستعد لتلقي عزاءه وهو لسه عايش!! محلات دروب محطة الرمل وفنادق اسكندرية العتيقة تشاركه الوجوم.. ترجف من لحظة إزالة المحطة وفرشة الجرائد.. خوفا من سفلتته وتفخيخه بمحلات ومقاهي شوارع المحروسة القبيحة التي التهمت ميادين القاهرة ثم أفلست!!
أصبح الترام عزيز قوم ذل، كان شاهدا وونيسا للإسكندرية ماريا وسامرها، كتالوج حياة عروس البحر المتوسط ومطمع ذواقة الجمال في العالم!! ظهر 1863 كأول وسيلة نقل جماعي، تجرها الخيول كالحنطور.. بلغ الثلاثين فحدثوه، كهربوه بصنجة بدل الكرباج.. أسرع متمسكا بدلاله، يتهادى، يجلجل فيجدد خلايا إرث عمراني عالمي تركه عشاق العروس عبر أمواج اختلاط أجناس قذفها الميناء بسخاء، فألبسوها أثواب العلم والثقافة والفن!! عاش يتباهى باعتلائه قمة أنظمة الترام في العالم، والألفة على أفريقيا.. يربط أطراف المدينة بقلبها داخليا لمنع ازعاج المصطافين!! شاهد أيام البراح، وتغني مع الركاب بتناسق فنون المعمار اليوناني والطلياني، من القصور للبيوت الحجرية الحاضنة.. مطاعم محطة الرمل أيقونات تعليم اداب المائدة، اتينيوس وتريانون وديليس و.. و.. عاش الترام يتبختر أنيقا من بحرى للمنتزه لأبو قير ويعود بأمان، حتى خرجت أفاعي ميكروباصات تمرق فوق قضبانه، واليوم تستعد رسميا لالتهامه!!
إعلام المحافظة نشر حوار المحافظ ومسؤولي شركة بديل نقل الركاب، بحضور طابور عرض عشرات ميكروباصات - مينى وميكرو- مصطفة أمام ديوان المحافظة تعلن وعود الطاعة وعهودها!! كيف نصدق والميكروباصات تحتل المركز الأول بلا منافس في كل مخالفات قانون المرور!! وفي واقع اتسعت شوارعه وخطوط حاراتها للتجميل أو تستيف محاضر الحوادث!! بعد التوسعة أصبحت شوارع المحروسة ساحات مسابقات فهلوة سواقة حرة!! عسكرى المرور مهموم بجمع مخالفات الركن في الممنوع، وكاميراتها مصايد مخالفات كسر الاشارة! فوجئت فعلا ان قانون المرور المصرى يعاقب السواقة المتهورة! وبغرامات مغلظة لو كانت مفعلة لما اقترضنا وجوعتنا الديون!! غرامة من 2 : 10 آلاف ج للمزاحمة، والانتقال من خط ارضي لآخر دون اشارة، والزجزاج، وتجاوز السرعة.. مع سحب الرخصة اذا تسببت في حادث، أو قفشها أمين الشرطة!! هل يخاف القانون من سواقي الميكروباص!! لو عاد يكشر عن أنيابه مثل مخالفة الحزام والموبايل لتبدل حالنا من الهمجية إلى التحضر، وخفتت فرامل الحوادث!! ولاحتفظت الإسكندرية بالترام وسيلة آمنة لتلامذة المدارس وكبار السن، ومبهجة للسياح.
تصنيف الميكروباص في سجلات الداخلية، أنها متشبثة منذ عقود بالمرتبة الأولي في كل التجاوزات التي غلظها قانون المرور!! فهل تخاف منها الكاميرات مثلا!! وهل تتكرم الداخلية بابلاغ السيد الفريق محافظ الاسكندرية قبل التعجل ببديل سيئ السمعة سوف يلتهم ما تبقى!! الأنسب لطابع المدينة هو الاسراع بتنفيذ مشروع مترو اسكندرية كبديل أسرع للترام!! الاستثمار الرأسمالى لممشى كورنيش اسكندرية إلتهم طبيعتها بنهم.
سيادة الفريق المحافظ أحمد خالد، نناشدك انقاذ روح عروس باتت تحتضر اغترابا وافتراسا.. رأسمالية التطوير، بث مئات الميكروباصات هو إهدار وليس استثمارا.. كما حدث لقصر المنتزه، تطعيمه هو تلوث بصري واستفزاز طبقي ينحاز للقلة من القادرين، ولضيوفنا الأثرياء فقط.. كنوز ملامح الاسكنرية ميراث ثقافي لكل المصريين.. وبذور مستقبلها، إروها ولا تنزعها.
---------------------------------
بقلم: منى ثابت






